الباحث المغربي محمد الحافظ الرّوسي: خطاب التطرف حيلة بلاغية هدفها تزييف الوعي

حجم الخط
4

تطوان ـ بدر الحمري: كيف يبدو خطاب التطرف، وكيف يمكن من خلاله تزييف الحقائق والثوابت، وما دور البلاغي في كشف هذا الخطاب الخادع؟ هذه الأسئلة يتحاور حولها أستاذ البلاغة «محمد الحافظ الروسي»، رئيس مركز ابن أبي الربيع السِّبتي التابع للرابطة المحمدية للعلماء، ذلك بمناسبة الندوة التي أقيمت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان بالمملكة المغربية، والتي جاءت تحت عنوان «مداخل لغوية وبلاغية لفهم ظاهرة التطرف». فكان هذا الحوار ..

■ هل يمكن تقديم تعريف دقيق وموجز للإرهاب؟
□ الإرهاب فعل عملي عنيف ومنظم ناتج عن التعصب.

■ ما الذي يهم البلاغي في حالة ظاهرة المتطرف؟
□ الذي يهم البلاغي في هذه الحالة ليس وصفها، ولا بيان تهافتها، ولا الرد عليها، ولا بيان أصولها، وأيضا فإنه لا ينظر في أثرها في الناس، وسلوكهم وفكرهم. فهذه الأشياء يقوم بها عالم الاجتماع، وعالم النفس، والمفكر، والفيلسوف. وإنما همُّ البلاغي أن ينظر في أثر التطرف في اللغة، وفي كلام المتكلمين، وفي أثر التطرف في الكلام من جهة صناعة العنف، والدعوة إليه، أو إخفائه، وإظهاره على غير صورته، وما يستعمل في ذلك من أدوات البلاغية وحيلها، وتفكيكه، ورفع ما تخفيه الحيل البلاغية فيه من أوهام، وكشف نسق استعاراته، وما يخفيه هذا النسق من اختزال لنظرة المتطرف لنفسه وللآخرين، وتحليل أدوات الإقناع والتأثير في هذا الخطاب، وبيانُ عمود ألفاظه المستعملة، التي هي مفاتيح دعوته، وما بين الصور المستعملة في هذا الخطاب وبين ما يصاحبها من استعارات من علائق وشيجة، وما يترتب عن ذلك من تأثير، وبيان أنواع المتلقين، وأثر هذا الخطاب من جهة البلاغة في كل نوع منهم، وعن الرموز والاستعارات وطرق صناعتها، وتصور الفضائل بها، وتحسين القبيح، وتقبيح الحسن بواسطتها، إلى مثل هذه الأمور والقضايا التي تجعلنا في أمس الحاجة إلى وضع تعريف للخطاب المتطرف، بعد أن وضعنا تعريفا للتطرف.
غير أنّ الخطاب الذين نقصده هنا هو الخطاب الذي يعتني به البلاغي لا غيره. فإن الذي يشغل البلاغي هو أثر التطرف في النص الذي ينتجه التطرف، ثم أثر النص في توسيع دائرة التطرف، وترسيخها في النفوس والأذهان.

■ كبلاغي وأكاديمي، هل يمكن الوقوف على بعض علامات خطاب التطرف في الثقافة الإسلامية، خاصة في عصرها الحديث؟
□ إنّ الذي يهم البلاغي من علامات الخطاب المتطرف هو ما له أثر في النص الذي ينتجه التطرف، لا ما سواه من العلامات. والذي له أثر في النص أمور ثلاثة هي .. كون الخطاب المتطرف يجمع في نص واحد نصوصا كثيرة، يؤلف منها سبيكة واحدة، يراها متلاحمة الأجزاء. كذلك كون هذا التلاحم الظاهري يتخلله ما يمنع تماسكه، فالنصوص المستعملة دون أخذ السياق في الاعتبار، أي أنها مقطوعة من سياقها في التوظيف والاستعمال. كما أنها متناثرة جدا في الزمن، كثيرة لا تنتمي إلى زمن واحد. إضافة غلى كونها فاقـــدة للمخاطب الذي وضعت لأجله. ولذلك فهي تخاطب متلقيا مفترضا، لا متلقيا موجودا. ومن أجل إخفاء هذه المسألة تعتبر الاستعارة أداتها المثلى، وطريقتها المفضلة، باعتبارها حيلة بلاغية ترأب هذا الصدع الواقع بين المتلقين. وفي الأخير فالخطاب ينظر إلى تجربة إنسانية سابقة يرى أنها قابلة للتكرار، مع تسليمه أن هذا التكرار لن يكون ناجحا نجاح التجربة الأولى، لكون عنصرها البشري غير قابل للتكرار.

■ كيف يبدو هذا الاضـــــطــــراب فـــي الأنظمة الاستعارية في خطاب المتطرف؟
□ يسهل رجع الاستعارات التي يستخدمها المتطرف إلى نظام ونسق، ويسهل إدراك طبيعتها. ولعل أبرزها نظام المطابقة، وهو النظام الذي تستعمل الاستعارة فيه من أجل المطابقة بين المفاهيم، أو أحداث، أو وقائع ملازمة لشر متفق عليه، أو أشخاص اقترنت سيرتهم بشر مطبق، أو خير مطلق، وبين ما يفترض المستعمل أنه يناظره في الزمن الحالي. والغالب على الذي هو شر متفق عليه، أو هو خير لا شك فيه، أن يكون قد استمد تلك الصفة من الدين، دون أن يكون لهذا الأمر علاقة بقوة تدين الشخص أو رقة دينه، والمثلة عديدة ..
فإنّ لفظ (فرعون) مثلا هو قوة الموضوع لمفهوم كلي، هو التجبر والظلم والطغيان، لا ينازع في ذلك من ضعفت عاطفته الدينية، لأنه اكتسب قوة باشتهاره بهذه الصفة صح بها أن يؤول بوصف وينعت به. وبذلك أمكن أن يُستعار، مع أنه اسم علم، ولا استعارة في العلمية إلا بهذا الشرط. لذلك اعتبره النحاة، والبلاغيون اسم جنس تأويلا. فإنّ الأصل فيه يقال: فرعون موسى. فهذه هي الاضافة التي للايضاح. فإذا أسقطها المتكلم، مشيرا إلى شخص، أو متعلقا على صورة، قائلا: هذا فرعون. أو غيرها بإضافة موهمة للمطابقة، أي مطابقة المعنى الموضوع في اسم الجنس المؤول للمعنى الذي يريده المتكلم، فقد نقلها من الإيضاح إلى الإبهام، وأمكنه نقل المعاني المودعة فيها إلى المستعار له، مخفيا بذلك كل تناقض يمكن أن يكشفه البحث في لوازم المعنى.
كذلك إطلاقهم اسم (غزوة نيويورك الكبرى) على ما صنعوه من تدمير لبرجي مانهاتن في 11سبتمبر 2001. فاستعمال هذا الاسم على سبيل مطابقته لاسم: غزوة بدر الكبرى، لا يراد به الحقيقة، وإنما يراد به استحضار لوازم المعاني الموجودة في الاسم الأول. وهي كونها شرعية، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قائدها، كون الطعن فيها وفي أسبابها ونتائجها غير ممكن عند من يدين بالإسلام، وكون من يقف في غير صف أهلها كافرا، وكون من قاتل فيها من أهل الملة على حق، وكون المقتول منهم شهيدا، وكونها أول غزوة فصل الله تعالى فيها بين الحق والباطل.

■ وما الغاية من هذا النظام الاستعاري؟
□ الغاية تكمن في حجب حقائق يصعب تقبلها. فإن الألفاظ الدالة على الهزيمة عندما تلحقها لوازم ألفاظ الانتصار، والألفاظ الدالة على الموت عندما تلحقها لوازم ألفاظ الحياة، والألفاظ الدالة على الفسق عندما تسلب لوازمها المشهورة، يسهل تقبلها، ولا تنفر النفس منها. وهذا أسلوب قديم استعمله الخطاب المتطرف لتسويغ وتجميل أفكاره.

الباحث المغربي محمد الحافظ الرّوسي: خطاب التطرف حيلة بلاغية هدفها تزييف الوعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية