صادق الطائي: هناك نماذج من البشر عندما تقرأ سيرتهم يراودك احساس انهم من طينة مختلفة عن الآخرين، فهم عباقرة، وكبار، وصناع واقع ينبثق من محاولتهم تنفيذ أحلامهم المحلقة في السماوات العلا، ويمكننا بالتأكيد ان نعد البارون امبان من هؤلاء الكبار من البشر، فمن هو هذا البارون؟ وما هي قصته؟
لقد جاء ادوارد امبان مهندس الكهرباء البلجيكي الجنسية والحاصل على لقب بارون من ملكة بلجيكا إلى القاهرة في أوائل القرن العشرين، ويمكننا القول ان البارون كان من المستشرقين الأوربيين الذين هاموا عشقا في الشرق من خلال التعلق بسحره وثقافته وعمارته، وقد تشرب ثقافة الشرق وأحب عمارته وحاول ان يخلق معادلته الخاصة عبر مزاوجة العمارة الباروكية الأوروبية والعمارة الشرقية – الهندية تحديدا – وتنقل بين مختلف دول الشرق من الهند إلى تركيا وإيران إلى مصر التي وصلها في عهد السلطان حسين كامل مطلع القرن العشرين وكانت آخر حدود القاهرة وقتها هي منطقة العباسية. ورأى البارون في الصحراء المحاذية للعباسية مكانا يمكنه تحقيق حلم حياته فيه، وابتدأ التخطيط لما اعتبره مشروع عمره، فتقدم بطلب استثمار إلى الحكومة المصرية عام 1900. وكانت الفكرة تقوم على شراء مساحة من الأرض المتاخمة من ناحية الشرق لمدينة القاهرة، رغبة في بناء ضاحية شرقية للمدينة وفق رؤيا البارون المعمارية والثقافية، وتمت الموافقة على هذا المشروع واشترى الأرض التي كانت تسمى صحراء العباسية بمبلغ يعتبر مناسبا وقتذاك إذ اشترى 12 ألف فدان وكان سعر الفدان الواحد جنيها واحدا، إذ إن المنطقة كانت تفتقر إلى المرافق والمواصلات والخدمات وكانت هذه الأرض هي اللبنة الأساسية لتنفيذ مدينة البارون الفاضلة مدينة الشمس أو هليوبوليس في القاهرة.
قصر البارون
اختار البارون امبان أعلى هضبة في هذه الصحراء ليبني عليها أول المباني في المدينة الجديدة وهو «قصر البارون» مفتتحا لضاحية مصر الجديدة هليوبوليس التي أنشأها، وابتدأ العمل في بناء القصر عام 1900 واستغرق تشييده خمس سنوات لتبدأ الحياة فيه في عام 1905 ليضج بالخدم والحشم والضيوف والرواد والسهرات، وقد بني هذا القصر على مساحة 12500 متر مربع، وتم تنفيذه ليصبح بحق تحفة فنية لا تقدر بثمن، بل متحفاً للفنون العالمية. فقد بني هذا القصر على الطراز الهندي، حيث كانت أرضياته من الرخام الأصلي الذي استورده من إيطاليا وبلجيكا، كما ان الزخارف تصدرت مدخله وشرفاته وحوائطه، أما نوافذه فقد كانت على الطراز العربي، كما ضم تماثيل وتحفاً نادرة مصنوعة بدقة بالغة من الذهب والبلاتين والبرونز، بخلاف تماثيل بوذا وعدد من الآلهة ومجموعة كبيرة من الحيوانات والكائنات الأسطورية الهندية.
ويتكون القصر من طابقين وقبو كبير يمتد تحت مساحته بالكامل، وبرج كبير شيد على الجانب الأيسر يتألف من أربعة طوابق يربطها سلم حلزوني تتحلى جوانبه الخشبية بالرخام، وعلى درابزين السلالم نقوش من الصفائح البرونزية مزينة بتماثيل هندية دقيقة النحت، ويتكون الدور الأرضي من صالات ضخمة تحتوي على عدد كبير من الأبواب والشرفات.
أما الدور الثاني فيحتوي على عدة غرف واسعة تطل على شوارع القصر الأربعة حيث يشرف القصر اليوم على شارع العروبة، وابن بطوطة، وابن جبير، وحسن صادق. وفي هذه الغرف شرفات غطيت أرضها بالفسيفساء الملونة، كما توجد في كل شرفة مقاعد ملتوية لو جلس أحد على أي منها، أحاطت به التماثيل من كل جانب. أما القبو، فيضم مجالس واسعة، وأماكن إقامة الخدم، وأفراناً ضخمة للطبخ والخبز، ومغاسل رخامية مختلفة الاستعمالات ويتصل بحجرة الطعام عن طريق مصعد غاية في الفخامة مصنوع من خشب الجوز. وقد غلفت أرضيات الحجرات بالخشب الباركيه، وكل غرفة لها حمامها الخاص، كما كسيت جدران القصر الداخلية ببلاطات مصنوعة من الفسيفساء ذات الألوان الزرقاء والبرتقالية والحمراء في تشكيلات لونية بديعة.
أما سطح القصر الأسطوري، فقد كان أشبه بمنتزه يستخدم في بعض الحفلات التي كان البارون يقيمها صيفا، وجدران السطح عليها رسوم نباتية وحيوانية، وكائنات خرافية، أما حديقة القصر فقد عني بها البارون عناية خاصة تليق بهكذا قصر واستزرعها ببدائع الزهور ونوادرها وبشتلات لأشجار لا عهد للمصريين بها، وزينّها بالتماثيل الرخامية البيضاء فأصبحت تحفة فنية تؤطر القصر المبهر.
ومن يتكلم عن قصر البارون لابد ان يتوقف طويلا عند برج القصر فهو أعجوبة القصر بحق، إذ كان مصمما ليتحرك ويدور حسب اتجاه الشمس، فهو مثبت على قاعدة دوارة يديرها محركان، فتلف كل ساعة لفة كاملة، تجعل من يجلس داخل هذا البرج يشاهد ما حوله دون أن يتحرك من مكانه وهو يستمتع بالهدوء والجمال، وقد نفذ هذا النظام بعد ذلك بعشرات السنين في بعض الأبراج مثل مطعم برج القاهرة وبرج الكويت وبرج بغداد السياحي.
وقد جلب البارون امبان من مختلف أرجاء العالم أندر التحف ليزين بها قصره، فوضع على سبيل المثال في بهو القصر ساعة أثرية نادرة توضح الوقت بالثواني والدقائق، والساعات والأيام، والأسابيع والشهور، والسنين، كما توضح تغير أوجه القمر ودرجات الحرارة، أما جدران قاعة المائدة فقد زينت بلوحات أصلية أو نسخ عنها لمايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، ورامبرانت، وتضم غرفة البارون في القصر، جدارية تجسد كيفية عصر العنب لتحويله إلى خمور، ثم شربه حسب التقاليد الرومانية وتتابع الخمر في الرؤوس، أي ما تحدثه الخمر في رؤوس شاربيها، أما التماثيل الموجودة في القصر فقد جلبها البارون من الهند حيث نجد عددا منها وقد نحتت من الرخام الأبيض تمثل فرسانا ذوي ملامح رومانية تشبه فرسان العصرين اليوناني والروماني ويوجد في يد كل منهم سيفاً وتحت قدمه رأسا مقطوعا، بالإضافة إلى تماثيل الراقصات وهن يؤدين حركات تشبه حركات راقصات الباليه الساحرة بالإضافة إلى تماثيل الأفيال المنتشرة على مدرجات القصر وفي شرفات أبوابه. وقد صمم هذا القصر صديق البارون امبان المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل حيث جمع في تصميمه بين أسلوبين معماريين أحدهما ينتمي إلى عصر النهضة الأوروبية خاصة بالنسبة للحدائق والتماثيل الخارجية وسور القصر، أما القصر نفسه فينتمي إلى الطراز الهندي بقبته الطويلة المحلاة بتماثيل الإله بوذا وبقية الآلهة الهندية.
زعل السلطان ورفض الهدية
السلطان حسين كامل (1853 – 1917) هو سلطان مصر وملك السودان من 19 أيلول/سبتمبر 1914 وحتى 9 تشرين الأول/أكتوبر 1917 وذلك خلال حقبة الاحتلال البريطاني، وهو حسين كامل ابن الخديوي إسماعيل. نصب سلطاناً على مصر بعدما عزل الإنكليز ابن أخيه الخديوي عباس حلمي الثاني وأعلنوا مصر محمية بريطانية في 1914 وذلك في بداية الحرب العالمية الأولى. وكانت تلك الخطوة قد أنهت السيادة الاسمية للعثمانيين على مصر، ويلاحظ أن لقب «سلطان» هو اللقب نفسه لرأس الدولة العثمانية للدلالة على ان مصر أصبحت سلطنة مثلها مثل الدولة العثمانية.
بعد ان اكتمل قصر البارون هذه التحفة الفنية المقامة على أعلى ربوة في صحراء العباسية، وقد بدا مشهد القصر الذي يطل على القاهرة مبهرا، قرر سلطان مصر والسودان حسين كامل الاستيلاء على هذا القصر إلا أن البارون وقف بحزم تجاه هذه المحاولة، وطلب وساطة العديد من الشخصيات النافذة في القصر الملكي لإقناع السلطان بالعدول عن هذه الفكرة، ولغرض تخفيف صدمة رفض إهداء القصر إلى السلطان، اقترح البارون على الوسطاء ان يقوم عوضا عن ذلك ببناء قصر جديد بالقرب من قصره ويهديه إلى السلطان، وفعلا قام بذلك إلا أن الأخير رفض هذه الهدية مصرا على طلبه الأول ولم تنته هذه المشكلة إلا بوفاة السلطان حسين كامل عام 1917.
بناء المدينة الحلم
وبعد رحيل السلطان أقام امبان شركة هليوبوليس التي قامت بالتخطيط لبناء ضاحية مصر الجديدة بالاشتراك مع باغوث نوبار باشا على مساحة تقارب 12 ألف فدان عبر بناء العديد من الفيلات لأبناء الطبقة المتوسطة والعليا من الأجانب والمصريين، وحتى يستطيع البارون جذب الناس إلى ضاحيته الجديدة فكر في إنشاء مترو ما زال يعمل حتى الآن وأخذ اسم المدينة «مترو مصر الجديدة» إذ كلف المهندس البلجيكي أندريه برشلو الذي كان يعمل في ذلك الوقت مع شركة متروباريس بإنشاء خط مترو يربط الحي أو المدينة الجديدة بالقاهرة، كما بدأ في إقامة المنازل على الطراز البلجيكي الكلاسيكي بالإضافة إلى مساحات كبيرة تضم الحدائق الرائعة، وبنى فندقاً ضخماً هو فندق هليوبوليس القديم الذي ضم مؤخراً إلى قصور الرئاسة في مصر الجديدة. كما حدد البارون امبان موقع بناء النادي الذي سماه نادي هليوبوليس الموجود إلى يومنا الحاضر، كما صمم شبكة الكهرباء، وحدد خط سير المترو، وحدد الشوارع الرئيسية في المدينة، ثم أخذ يقسم الأرض الباقية إلى مساحات متساوية واضعا تخيلا محددا للبنايات التي ستقام فيها، ثم أخذ في بيعها مشترطا على المشترين البناء على النمط المعماري الذي في مخيلته، وهذا المكان الآن هو المساحة الممتدة بين منطقتي روكسي والكوربة غربي مصر الجديدة، اللتين تعدان الأقدم بين مناطق الحي، وقد كان الإقبال على الشراء في الحي الجديد كبيرا من قبل الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش في مصر في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، فقد استهواهم الحي الجديد بطرازه المعماري وبهدوئه وأناقته التي تذكرك بأناقة الشوارع الباريسية، وأصبحت الغلبة للجاليات الأجنبية في هذا الحي الذي أصبح كوزموبوليتانيا عالمي الطابع كما هو الحال في شوارع وأحياء الاسكندرية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين إذ كان أغلبية السكان هم من اليونانيين والأتراك والانكليز والأرمن والفرنسين والايطاليين.
وفاة البارون وجور الزمن
توفي البارون ادوارد امبان في عام 1946 ولأنه كان مولعا بالفلسفات الشرقية وأديانها وعبقها فقد أوصى بحرق جثمانه على الطريقة الهندية، وإلقاء رماده في حديقة القصر لإعتزازه به، وقد تم فعلاً تنفيذ الوصية ونثر رماده في قصره المهيب الأسطوري بعد أن تم نقل جثمانه من باريس إلى القاهرة، ومنذ هذا التاريخ تعرض القصر لخطر الإهمال لسنوات طويلة، وتحولت حدائقه التي كانت غناء يوماً ما إلى خراب، وأصبح القصر مهجوراً مسكوناً بالأشباح والعفاريت.
وباع ورثة البارون إمبان قصر البارون في مزاد علني عام 1955 لأمير خليجي، والذي باعه بدوره إلى رجال أعمال عرب هما السوري محمد بهجت الكسم وشركائه السعوديين محمد رضا وشقيقه علي أصحاب شبكة أوربت فيما بعد، بقيمة 160 ألف جنيه مصري وكانت فكرة المشترين هي إقامة فندق في الحديقة مع بناء مول أو سينما وبذلك يصبح مزارا سياحيا وترفيهيا، إلا ان المشروع رفض وبقي حال القصر على ما هو عليه من الإهمال إلى 1993 حيث أضافته وزارة الثقافة إلى سجل الآثار وباعتباره أثراً مصريا لا يجوز ترميمه أو هدمه أو تحويره دون إذن من المجلس الأعلى للآثار، إلا أن وزارة الثقافة فشلت في التفاهم مع الورثة حول إخلائه حيث طلبوا 45 مليون دولار مقابلاً له.
وبسبب إغلاقه المستمر، نسج الناس حوله الكثير من القصص الخيالية، ومنها أنه صار مأوى للشياطين وقد شاعت بعد ذلك العديد من الإشاعات والخرافات حول القصر. ففي منتصف عام 1997 ذكر سكان المنطقة المحيطة بالقصر أنهم يرون أنوارا ويسمعون أصواتا غريبة وأصوات موسيقى عنيفة تنطلق من القصر ليلا، وعندما حققت الشرطة في الموضوع اكتشفت ان تلك الأجواء التي أحاطت بالقصر المهجور دفعت جماعات من الشبان المصريين إلى التسلل إليه ليلاً، وإقامة حفلات أقل ما توصف به أنها غريبة، إذ كانوا يرقصون ويغنون على أنغام موسيقى «الهيفي ميتال» الصاخبة، ويلطخون جدرانه بدماء القطط والكلاب حيث ألقت الشرطة المصرية القبض عليهم لتفجر أول قضية من نوعها وهي ما عرفت بتنظيم «عبدة الشيطان» وهذا هو سبب الأساطير التي رددها الجيران حول مشاهدتهم أضواء ساطعة، وصخباً وضجيجاً ورقصاً كل ليلة داخل القصر. وفي عام 2005 وبمناسبة مرور قرن على انشاء قصر البارون توصلت الحكومة المصرية والورثة المالكين إلى عقد صفقة فحواها ان تشتري الحكومة المصرية هذا القصر بمبلغ 125 مليون جنيه مصري (21 مليون ونصف مليون دولار) ولكن هذا المبلغ لم يدفع للورثة نقدا وإنما تم إعطائهم مساحات من الأرض في ضواحي القاهرة لإقامة مشاريع استثمارية عليها، وابتدأ المجلس الأعلى للآثار حملة توثيق وترميم وصيانة هذا الأثر المهم ليبقى صرحا من صروح الفن الإنساني في القاهرة.