في المستهل، أشير إلى إنني أدْرِك المفاهيم التي أطرقها في هذه المقالة في آخر ما تعنيه، بمعنى أنها محَمَلَّة بكل التاريخ، ومن ثم فلا يمكن أن نتحدث، أو نحاول أن نطبق معنى قديما لهذا المفهوم أو ذاك، لأنه استنفد غرضه في تجربته التي مر بها وأخذ مدلوله منها، مثل الحاكمية، أو الخلافة والنظام الثيوقراطي، فضلا عن أن نظام الدولة ذاته، في العصر الحديث، صار وِحْدَة سياسية لا يَفْلَت منها كائن من كان.
فلا يمكن أن نَتَصَوّر نظامَ حكم دولة إلا نِظاما سياسيا حديثا، يحكم على أساس من الديمقراطية والعدالة. كما أننا نقارب موضوع نظام الحكم في صلته بالأحداث العظيمة التي عاصرها العرب في الحياة الدولية الحديثة، خاصة ما وقع في القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، مثل الحرب العالمية الأولى، انهيار الإمبراطوريات ومنها الإمبراطورية العثمانية، الحرب العالمية الثانية، نشأة إسرائيل على الأرض الفلسطينية، ثورة الخميني وميلاد الجمهورية الإسلامية عام 1979 على أنقاض حكم الشاه، انهيار جدار برلين عام 1989وتفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وليس أخيرا الربيع العربي الذي شمل أكثر من بلد عربي.
الحقيقة أن كل هذه الأحداث من القوة والتأثير أنها بصمت وصاغت التاريخ المعاصر، بالقدر الذي لا يحتمل أي عودة إلى الماضي، في موضوع البحث عن نظام حكم، فالمُحَدَّد السليم لنظام حكم بديل ليس بالعودة إلى أزمنة الأنبياء والرسل، ولا إلى عهد الصحابة أو الفترة المدنية، والبحث عن نظام حكم ديني لا يمكن العثور عليه في الوقت الراهن، بسبب قوة العصر الذي شكل المفاهيم، وأصَّل خطاب تداوله ومنطق العقل الذي يفكر في قضاياه. وعليه فإن البحث عن نظام حكم ديني مجرد دُعَاء استغاثة في وجه الظلم والطغيان القائم في البلدان العربية والإسلامية، بينما يغيب تماما التفكير في الحكم الديني في البلدان والمجتمعات المتَقَدِّمة والمتطورة، التي تفكر وتنجز من آخر ما وصلت إليها الحياة المعاصرة في كافة تجلياتها ومظاهرها.
فعندما نصدر من آخر منجزات التاريخ المعاصر، فإننا نفكر في قضايا العصر وهي تُحَايث الوقائع والآراء والمفاهيم والأحداث، في مضاعفاتها وتداعياتها القريبة وليس البعيدة جدًّا. فالتاريخ المعاصر يحمل كل التاريخ السابق ولا يكرره إطلاقا. فالقرن العشرون، كما يرى المؤرخ الفرنسي بيير مايكل، له ألف سنة. وعليه، فإن التفكير في بدائل من عصور ولّت يناقض ويعادي مجرى التاريخ ويعطله، ويَحُول دون التطوّر العادي للمجتمعات، مثلما فعلت البلدان العربية، عندما أرادت أن ترسخ نظام الجمهوريات الوراثية، الحكم بسلطة الملك في ظل نظام جمهوري، الأمر الذي أفضى إلى انهيار كامل للدول والمجتمعات والشعوب.
وفي مقام التوضيح يمكننا أن نقدم بعض الشواهد،، في سياق تفنيدنا لقيام أنظمة حكم ثيوقراطية ودينية أو ذات مرجعيات وخطابات إلهية في العصر الراهن، من الحالة الإسرائيلية والتجربة الإيرانية، وما يجري في عالمنا المعاصر في ما يعرف بالربيع العربي. فقد قامت اسرائيل على نظام سياسي حديث، والسبب الرئيس لاستمرارها كدولة هو اعتمادها النظام الديمقراطي في إدارة الشأن العام الداخلي، الذي سمح لها أيضا أن تتفوق في المجال العسكري والاقتصادي على العرب مجتمعين، وهكذا، دائما من وجهة نظر نظام الحكم وإدارة الشأن العام.
إن القدرة على التواصل مع الفكر السياسي الحديث، والتَّكيف مع آخر إنجازات الأنظمة والبرامج في إدارة الحكم هو الذي يفصل ويميز بين الشعوب والأمم. فمثال اسرائيل خير دليل على نجاح دولة، استغلت مرجعيتها اليهودية لتأسيس كيان سياسي يتجاوب ويساوق نظرية الحكم الحديثة، ويساير طريقة إدارة السياسة الداخلية. ففي كافة الأحوال، التفوق الإسرائيلي يعزى بالأساس إلى تفوق نظام حكمها الديمقراطي، وإصرارها عليه، الذي يعد البوصلة الوحيدة الهادية إلى استقرار الدولة وبقائها، بينما ضياعها مرهون عندما يعنّ للحكومة اتخاذ إجراءات وتدابير تتسم بالاعتبارات الدينية التي يأباها العصر الحديث، كأن تبحث عن كيان لليهود فقط، على ما تتجه إليه بعض الأوساط في الحكومة والمعارضة الإسرائيلية.
أما القراءة التاريخية والسياسية التي يمكن أن نقدمها لثورة الخميني في التجربة الإيرانية الحديثة، وفي السياق الذي يرمي إلى توكيد أن الزمن المعاصر يأبى أي نوع من الأنظمة الثيوقراطية أو الدينية. فبالاعتماد على النظريات السياسية وحركات التحرر والتيارات الاستقلالية المناهضة للاستعمار وأنظمة الحكم المتهرئة العتيقة، نرى أن ثورة الخميني عام 1979 رغم زخمها الديني ووَهْجِها الجماهيري، تمخضت عن نظام جمهوري أخذ في بناء الدولة، بآليات وأفكار ومبادئ النظام السياسي، من حيث تشكيل الحكم والتمثيل السياسي وتجديد عناصره، عبر انتخابات ديمقراطية. واليوم نجد إيران، تقريبا البلد الوحيد مع تركيا الذي تتم فيه عملية التمثيل السياسي بصورة ديمقراطية، بعيدة مثلا، بما لا يقاس عن المملكة السعودية، التي تأخذ بنظام الشريعة الإسلامية.
فعلى غير ما ينظر إلى الثورة الدينية في إيران، فإنها ثورة لقلب نظام حكم إمبراطوري متخَلّف عن عصر نهاية الإمبراطوريات التي قضت عليها الحرب العالمية الأولى. كما أن النظام الملالي (أصحاب العمائم كما يقال) لم يلبث أن ترك مكانه مع الوقت، أي بفعل العَلْمنة والتخلص من المقَدَّسات الغيبية غير المعقولة، إلى النظام السياسي الوضعي الحديث التي سارت عليه كافة الدول في القرن العشرين وما بعده. فقد جاء في أعقاب الثورة الخمينية ذات الزخم الجماهيري الواسع والعميق، نظام حكم جمهوري برئاسة رجل سياسي مدني هو بني صدر، ثم استمرت سيرورة العلمنة، رغم إطاحة نظام الملالي بالرئيس المنتخب.
وعليه، فرغم ما نعرف، عبر وسائل الإعلام، من دينية وثيوقراطية نظام الحكم في إيران، إلا إن الحقيقة هي أنه نظام جمهوري لم يكف، منذ الثورة، عن التَّجرد من وهج الدين وقدسيته وعن عقيدة آيات الله ومرجعيتهم وعن السلطة التراتبية لرجال الدين ومذهبيتهم. ونعتقد، في الأخير، ودائما في قراءة الثورة الدينية أو الخمينية في إيران، أن الحصار الأمريكي هو الذي أطال عمر نظام الملالي، وأجَّلَ من ثم إمكانية التصالح التام والتوافق الكامل بين تداعيات الثورة الخمينية وصيغة ونموذج الدولة الحديثة والفكر السياسي الوضعي المعاصر. فقد تبين أيضا أن اللَّواذ بالعقيدة الإسلامية أو أي عقيدة دينية هو من أجل المقاومة وليس من أجل إدارة شؤون البلد. فالزمن المعاصر يأبى فعلا أي إمكانية لإدارة الحكم بأسلوب وعقيدة ثيوقراطية.
أخيرا وليس آخر في الحالة العربية، أن ما يوصف بالربيع العربي، هو لحظة ما بعد فشل الأنظمة السُّلطوية التي كلفت نفسها، بعد عصر الاستعمار، بإدارة الشأن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فالربيع العربي، على ما نرى ونحاول أن نقارب الحالة العربية في صلتها بالحكم الديني الثيوقراطي، هو أيضا لحظة وعي جديد للحركات الدينية بضرورة الاهتداء إلى الانخراط السياسي وليس الديني في عملية بناء الديمقراطية والحكم الراشد. فقد نجحت التيارات التي التمست المرجعية الدينية في تولي الحكم وإدارة الشأن العام، بعد ما تخلصت من الإحالة إلى ما هو دعوي وعظي وديني وإلهي في مسألة الحكم، واكتفت بالمرجع السياسي وآليات الحكم التي توفرها نظرية النظام الديمقراطي الوضعي. وقد نجحت أيَّما نجاح لولا أن السُّلط العربية الفاشية تصدت لها وراحت تستثمر في عملية مكافحة الإرهاب كذريعة للبقاء في الحكم.
كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو