في زمن مضى كانت السياسة العمومية أحادية التصنيع والتنزيل والتسويق بقوة الدستور والقانون والسلطة وهيبة الدولة وتصويت البرلمان وكل ما تشاؤون، وكان اعتماد التخطيط أو عدم اعتماده، وبرمجة التقويم الهيكلي أو إحلال البدائل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى أمرا شخصيا يعود إلى دولة المركز الوصية على العباد والبهائم وكل الأملاك والثروات الخاصة والعامة، حتى جاءت بشائر البنك وصندوق النقد الدولي، وتبعات أزمة 2008 العالمية، وتقارير التنمية البشرية التي تحدثت بإسهاب عن خطط إعداد السياسات العمومية عن طريق قنوات المقاربات التشاركية التي تجمع بين ثنائيات المرأة والرجل، والسلطة السياسية والمجتمع المدني، والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وثنائيات أخرى أكثر تعقيدا في مجالات القطاع الخاص والإعلام والمجتمع بصفة عامة.
وصارت مفاهيم ومصطلحات ضخمة في الشكل والمضمون والبريق أكثر تداولا في تناول وبلورة السياسات العمومية من قبيل المال العام والنزاهة والشفافية والحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية والتنمية المستدامة، ولم يخل أي ملتقى أو منتدى محلي أو وطني وحتى دولي، متبوعا بإصدارات القوانين والمراسيم والمواثيق الجديدة، من الحب الأعمى لهذه المفاهيم والمصطلحات العصرية، سواء عن إيمان وعلم أو خبث وجهل، لتكون خلاصات التوصيات، ورؤوس الخطط والبرامج المتوجة بضخامة وسخاء جلسات الغذاء والعشاء الختامية، هذه الفلسفة الجديدة في تدبير الشأن العام، والتي انتقلت، نظريا على الأقل، من هيمنة الفرد الواحد الأحد، ولو كان في شكل مؤسسة، إلى المجموعة المتناغمة أو المتعارضة المصالح، بل إن الدعم الدولي، وضمانات تحسين الترتيب في مؤشرات مناخ الأعمال والتنمية البشرية والحكامة الجيدة أصبحت رهينة بمدى تنازل دولة المركز على بعض سلطاتها وصلاحياتها لما دون هرم السلطة، وللمعارضة التشريعية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأقليات، حتى صرنا نسمع عن سحر وسيف ورقة حقوق الإنسان التي يتبادلها السياسيون والحقوقيون والديبلوماسيون المتربصون في الملتقيات والهيئات الدولية لتخويف ذوي النزعات اللاتشاركية في الحكم والتدبير.
وقد أدت هذه الرقابة الدولية التي كانت أكبر حجما وخطرا من الرقابة الوطنية، ببرلمانها ومعارضتها وأحزابها ونقاباتها وتكتلاتها المدنية، إلى خلخلة أنظمة السياسات العمومية وترسانة قوانينها المصاحبة، حتى صارت الدعوة إلى تقاسم السلطة، والمشاركة في الحكم والتدبير، والاتفاق على شكل عصري للديمقراطية التشاركية، تعاني من مرض الإسهال الحاد، حبا وطمعا في التصويت الدولي الإيجابي، وليس من أجل سواد عيون الطرف الأضعف.
وكيفما كان هذا التيار التشاركي الدولي، وانعكاساته على توجه وسلوك السلطات الحاكمة، فهو قد أصبح حقيقة لا مناص من الأخذ بها، في الكل أو الجزء، ولم يعد أي حاكم، حتى في أدغال افريقيا وبعض قبائلها البدائية، يتجرأ في الحديث عن سلطاته المطلقة، بل صار يصنع له حكومة وبرلمانا وأحزابا معارضة ونظاما سياسيا متعددا، ليتقي شر المتدخلين في الشؤون الداخلية.
غير أن قرونا من السلطة المركزية المتجذرة التي شكلت عقل الحاكم، والهوس بالسلطة والمال والنفوذ الذي أصاب كثيرا من الأحزاب المعارضة والنخب السياسية، جعل الإيمان بالسياسة التشاركية يراوح مكانه بين الحلال والحرام، أو في منزلة بين المنزلتين حسب الموقع الجديد للأغلبية والمعارضة، وجعل العمل بالمقاربة التشاركية، حسب التوصيات الدولية، يأخذ طريقه ظاهريا إلى الإقامة والتثبيت، وباطنيا إلى التحايل والتسويف ومحاولات استرجاع هوامش السلطة المفقودة.
وهنا مكمن الداء، لأن صناعة السياسة التشاركية لم تكن صناعة محلية، استجابة لحاجة داخلية وإرادة وطنية، بل كانت صناعة مستوردة، وأحيانا مفروضة بمنطق النظام الدولي والعولمة والمصالح الإستراتيجية العليا.
وقد كان يكفي المنتظم الأممي إعلان الدولة المعنية عن حسن نواياها، وتضمين فلسفته النظرية في ديباجة وتصدير القوانين والمراسيم المحلية الصادرة عنها، إلى جانب وقوفها مع حركة السلم العالمي كيفما شاءت قواه العظمى، والتحالف ضد الإرهاب، ومحاربة قوى الشر التي تطيل ساعات عمل مجلس الأمن، لتنال هذه الدولة وسام الرضى وشهادة الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام، ويترك الباقي للسلطة الحاكمة لنفس الدولة في تقاسم السلطة أو التزايد عليها أو حجبها أو اقتطاع والتنازل عن أجزاء صغيرة منها.
وقد أدت هذه البعثرة في التفكير والإيمان والتجاذب بين المصالح والقوى القديمة والصاعدة إلى طمس المعالم النبيلة للمقاربة التشاركية في تقاسم البناء والثروات القومية، وتحويلها إلى آلة وحشية لا أخلاق لها، تغرس وتجتث في آن واحد تاريخ ومستقبل الأمة، سواء بعدم المناصفة أو التمييز أو الإقصاء أو الاستقواء، والمصلحة العامة هي التي تؤدي ثمن هذا الاختلال والتسابق نحو الفردانية السلطوية على حساب قيم المجتمع المتفق عليها بين الأجيال.
حسن كاوز ـ المغرب