الكويت ـ «القدس العربي»: رحل عن دنيانا الثلاثاء الفائت صاحب المشاعر الرقيقة والعواطف الرهيفة، الذي قال يوما عن البنات «لولا البنات وش كثر كانت كريهة هالحياة»، ووجه رسائله الجميلة «إلى أمي العودة» وقال في آخر لقاء له «اختلاف النهار والليل ينسي.. أذكر لي عهد الصبا وأيام أنسي» والذي سخر كثيرا من الزمان في قصائده «زمان المسخرة» و»الله يجازيك يا زمان»، فغاب عن الزمان والمكان الذي شكل بهما بصمته المتفردة.
إنه شاعر الحكايات البسيطة، والتفاصيل الحميمة خفيف الظل، الذي امتعنا طويلا وأضحكنا كثيرا بسخريته اللاذعة وروحه المرحة، الشاعر البحريني المبدع عبدالرحمن رفيع، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر يناهز 79 عاما، بعد معاناته الأخيرة مع المرض. فارق المنامة والمحرق والرفاع وكل تفاصيل البحرين التي كانت حاضرة بقوة في قصائده الشعبية الممتعة، «القدس العربي» تنشر تلويحات وداع رفعها مبدعون خليجيون على أثر فقد الرفيع.
أيها الموت توقف
الناقد البحريني فهد حسين بدأ كلامه عن الفقيد بقوله «أيها الموت توقف». وأضاف: كم كان عام 2014، قد أخذ منا مبدعين وكتابًا ومفكرين، وها هو عام 2015 يفتتح أيامه كما فعل سابقه، ألم تتوقف يا موت عن هذا الفقد الذي تسبغه على الناس الجوعى والعطشى، يا موت إرحم الشعر، وأبقِ لنا معرفة نستمد منها رائحة الحلم .. فقبل أشهر أخذت من مكان البحرين مبدع سردي له تاريخ في الكتابة الإبداعية، إنه الروائي عبدالله خليفة، وها أنت في مارس/آذار عامنا هذا تفرض نفسك على شاعر بحريني آخر ليذهب معك في ملكوت آخر.. إنه الشاعر عبدالرحمن رفيع الذي عجن خبز الحياة بفطرية الواقع، وعاش ملامسًا أفئدة النساء بعفوية الإنسان من دون تعقيد أو شروط.. رحل عنا الشاعر الذي كرّس نفسه في كتابة اللغة والشعر للمهمشين والفقراء والبسطاء.. كتب النص الشعري باللغة البحرينية المحكية (اللهجة) بلغة بسيطة بعيدة عن التقعر والفذلكة.. بلغة يفهمها القاصي والداني.. يفهمها القارئ البسيط، ويستوعبها الأمي الذي يجهل الحرف العربي.
وقال فهد: رحل عنا الشاعر عبدالرحمن رفيع وقد ترك لنا همنا الذي كان يعالجه بقصائده وكأنها بلسم يشفي الغليل من سأم الحياة.. كان شاعرًا موهوبًا مطبوعًا لا تعجزه اللغة أو البحث عن مفردة.. كانت اللغة مطواعة إليه منقادة في نصه، سواء كان مكتوبًا باللغة المحكية أو باللغة الفصحى.. رحل شاعرنا وترك نصوصه وسادة حلم اجتماعي وحياتي للناس.. كان يجلس على كرسي البوح بالشعر، وقلوب المستمعين قبل آذانهم متجهة نحو تلك الحركات والثيمات التي تميزه، وهو يلقي الشعر، رحل رفيع بعد حالة المرض الذي كان يهيئ إليه الطريق نحو عالم آخر.. لكنه عالم في رحمة الله وجنانه، هي الملاذ الذي ستستقر عنده هذه الروح.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. الرحمة إليك أيها الشاعر النبيل.. الشاعر الذي غرس في نفوسنا محبة الحياة.
مكون أساسي في مشهدنا الثقافي
الشاعر السعودي زكي السالم قال: ندما تترجل الكلمةُ عن صهوةِ كبريائها غائرةً في بئرٍ سحيقة من اللوعة والأسى، تُشعرك بأن ثمة ثلمةً ثُلمت في سماء الإبداعِ لا يستطيعُ سدَّ كوّتها ولا إزاحة ما أدلّهم من ظلمتها شيء، هنا فقط تُدركُ أن تجلياً وشهاباً سقط من علٍ، هذا ما أحسسته عندما بلغني نعي المبدع المتألق والشاعر الكبير عبد الرحمن رفيع.. فقد تربينا ونشأنا على حلو إيقاعه وعذب نغمه ورشيق أسلوبه مما جعلنا ندرك أنه مكوّن أساسي في مشهدنا الثقافي الخليجي والعربي وما كنّا ندرك أن يوماً سيحرمنا مصدر منبع هذا المورد العذب.. وعزاؤنا أن صدى تألقه باقٍ بيننا لن تتمكن السنونَ على تواليها خنقه في قلوبنا، فرحمك الله أستاذا وأديبا ورائدا إبداعيا لا يكذب أهله.
الشاعر والكاتب الكويتي عبدالله الفلاح قال: رحم الله عبدالرحمن رفيع، الشاعر الذي مضى تاركا تاريخا من الشعر والفرح في قلوب محبيه، فلم يكن مثل الذين مضوا بلا أثر، بل له الأثر الكبير في الشعر والذاكرة الشعبية، ولم يكن شاعراً فقط، بل له أيضاً أوراق ستبقى في ذاكرة الشعر، مثل البيانات التي صدرت عن الشعر الشعبي مع قاسم حداد وآخرين. وكان رغم انفعاله، طيب القلب محبا للإنسانية، صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. وعلى البحرينيين والخليجيين أن يكرموا هذا الشاعر الذي لا ينسى، رحم الله عبدالرحمن رفيع الإنسان الشاعر.
تغريدات رثاء
من جانب آخر فاض بها موقع التواصل «تويتر» بتغريدات رثاء كتب بعض المثقفين والإعلاميين والمغردين. نشوى الرويني سجلت كلماتها «رحمة الله على شاعر البحرين الكبير وأسكنه الله فسيح جناته، لحق برفيق عمره غازي القصيبي رحمة الله عليهما». عبدالله الكويليت قال «وداعا لروحك النبيلة الظريفة المبدعة».
وعلق سامي الفليح «كل الشعراء في الخليج فصحى وعامي كان الناس بشكل وبأخر يقارنونهم به جميعهم مروا برفيع إن مرغمين أو طائعين». وكتبت فاطمة محمود «لازالت عالقة بذهني منذ الصغر روحه الفكاهية في شعره واللهجة البحرينية الأصيلة، وقليل من ترتبط أسماؤهم بذاكرتي للآن». ريم علي قالت «رحم الله شاعر البسطاء وغفر له وأسكنه فسيح جناته». عبد الوهاب حمادي علق «كل العزاء للبحرين والخليج بوفاة شاعرها عبدالرحمن رفيع، الذي مزج البساطة بالطرافة بالجمال وقدم شعرا أحبه الناس».
زايد الرويس غرد «رحمه الله فقد كان خفيف الظل لطيف المعشر لم نسمع عنه ولم نر منه إلا كل خير». وسيم قال «طفلا كنت أراه على شاشة سوداء وبيضاء، وصبيا كذلك وعندما مضى بي العمر اكتشفت أنه كان كل الألوان رحمه الله».
نبذة عن حياته
الجدير بالذكر أن الشاعر عبد الرحمن الرفيع من مواليد عام 1936 في المنامة
أنهى تعليمه الابتدائي والثانوي في البحرين، ثم التحق بكلية الحقوق ـ جامعة القاهرة، عمل مراقباً للشؤون الثقافية في وزارة الإعلام البحرينية. أصدر تسعة دواوين شعرية منها: «أغاني البحار الأربعة» 1971- «الدوران حول البعيد» 1979 – «ويسألني؟» 1981 ـ و»لها ضحك الورد»، وديوان الشعر الشعبي 1981 ـ وديوان الشعر العربي وآخرها بعنوان «أولها كلام» 1991. كما كان يتبوأ موقعاً مرموقاً في المنطقة الخليجية، لمزاوجته بين الفصيح والعاميّ في الشعر. اشتهر بالعديد من القصائد العامية الكاريكاتيرية، مثل قصائد «الله يجازيك يا زمان»، «زمان المصخرهْ»، و»أمي العودة»، و»البنات»، وذهبت بعض جمله الشعرية أمثالاً يتداولها أبناء بلدان الخليج العربي مثل «تذكرين يوم من الدريشة تبصبصين تذكرين»، وهو ما جعل منه شاعر محببا على المستوى الخليجي.
ويعد رفيع من أهم الأسماء الشعرية، على مستوى الساحة الأدبية والإعلامية البحرينية، كما فاز بمجموعة من الجوائز الأدبية، ومنها الجائزة الأولى لمسابقة (هنا البحرين).
شارك الشاعر الراحل في العديد من الأمسيات الشعرية على مستوى الوطن العربي منها، أمسيات شعرية في القاهرة والخليج، وشارك في مهرجان «هلا فبراير» في الكويت وأمسية اتحاد الطلبة الكويتي فرع أمريكا وغيرها الكثير، وله العديد من المقابلات التلفزيونية والإذاعية وشغل عددا من المناصب الرسمية.
مما ترك الشاعر الفقيد الرفيع من كلمات وأشعار:
«نحن لا نتفقه غير الحزن شيئا فاذا يوما ضحكنا أنكرت أرواحنا ما قد فعلنا»
* * *
أهم ركبوا للقمر
داسوا عليه رفعوا علمهم
راحو بعيد، تعدوا كل حدود
وأنت طول عمرك قضية
ما لها حل في الوجود»
منى الشمري