مدرسة البنات ـ بدأ تعليم المرأة في البحرين بمغامرة خطيرة قادها مثقف سوري جليل هو عثمان الحوراني (شقيق أكرم الحوراني ـ المحرر)، مدير أول مدرسة نظامية بالبحرين في نهاية العشرينات. فعندما عرض الحوراني وبعض مثقفي البحرين الفكرة على الأهــــالي قامت قيامتـــهم، وراح رجال الدين المتعصـــبون يهاجمون المشروع «الفاسد» من على منابر المســــاجد وفي الأسواق والمجالس، وكانت أهم الحجج التي عرضوها قضية أن «الفتاة عندما تتعلم القراءة والكتابة ستستطيع كتابة الرسائل الغرامية إلى حبيبها»!
ومع الوقت ينجح الحوراني وزملاؤه في توعية الأهالي بضرورة تعليم الفتاة، وتُفتح عام 1928 أول مدرسة ابتدائية لتعليم الفتاة في البحرين والخليج.
بدأت مدرسة البنات عملها في بيت المرحوم عبد الرحمن محمد الزياني بالمحرق، وقامت مريم عبد الله الزياني بمهمة التعليم فيها. واستوعبت المدرسة في بداياتها 50 طالبة فقط بسبب وجود أربعة فصول بها، وكانت أعلى مرحلة تعليمية الصف الرابع الابتدائي. وبقيت المدرسة على هذه الحال حتى انتقلت من مكانها عام 1938 وأصبحت تعرف باسم «خديجة الكبرى».
وبعد نجاح المدرسة في عملها وهدوء الأصوات المعارضة لها كتب الحوراني رسالة إلى الطلاب البحرينيين في الجامعة الأمريكية ببيروت يقول فيها: «لقد وفقنا ولله الحمد في أن نشق طريقنا لفتح مدرسة البنات، وأنا أهنئكم من صميم قلبي على هذه الخطوة العظيمة التي تجعل البحرين تفتخر بأنها أول بلد في الخليج العربي شقت طريقها في تعليم الفتاة. كما أننا سوف نعد لكم عبر هذا الإنجاز الزوجات المتعلمات الصالحات عندما ترجعون إلى البحرين».
وفي عام 1939 أي بعد أكثر من عشر سنوات على بدء تعليم المرأة، تنشر جريدة «البحرين» رسالة من طالبة تشرح فيها شعورها وسعادتها بحصولها على التعليم، تقول فيها: «ما أسعدني وأبهى مستقبلي، أنا أكتب، أنا أقرأ، أنا أرتل القرآن وأنشد الأناشيد. أنا نظيفة، شعري مرتب، وأثوابي منسقة غاية في الذوق وإن لم تكن غاية في الغلاء. ما أجمل شنطتي وهي تحوي كتبي ودفاتري! ما أبدع الإبرة في يدي أصور بها الأزهار والورود والمتاع، نسيجاً على القماش لا صباغة على الورق، أو أحيك بها معطفاً صغيراً لأختي الصغيرة أو جراباً لأخي! كم أنا فخورة عندما أعود إلى المنزل لمراجعة دروسي وحلّ التمارين.
أين أنا من هؤلاء الفتيات اللائي أعبر بهن وأنا عائدة من المدرسة فأرثي لهن وأتألم لجهلهن وعدم نظافتهن، بل أين أنا من أمي ومن زائرات أمي وجارات أمي، إنهن لم يتمتعن بتعاليم المدارس».
وبفضل التعليم تقدمت المرأة البحرينية بصورة كبيرة، ونافست الرجل في الثقافة والتعليم والعمل، ونسي الناس «الرسائل الغرامية» إلى الأبد!
مكتبة الإنجيل
كان التبشير للدين المسيحي هو الشغل الشاغل عندما بدأت «البعثة الإرسالية الأمريكية» عملها في البحرين بنهاية القرن التاسع عشر.
ووقتها كان أهالي البحرين البسطاء يعانون من انتشار الأمية والجهل والمرض. ولذلك لم يدركوا خطورة عمل هذه البعثة في بداياتها، ولا ضرورة مقاومة أنشطتها التبشيرية.
وبسبب ذلك استغل المبشرون بقيادة المبشر المشهور صموئيل زيمر هذه الأوضاع وراحوا في إنشاء مؤسساتهم مثل المستشفى والكنيسة والمكتبة.
ففي بدايات عام 1894 فتح المبشرون «مكتبة الإنجيل» في وسط سوق المنامة. وفي الأيام الأولى لافتتاح المكتبة كان كثير من المارة يتجهون إليها بدافع الفضول فقط ويقولون: «بسم الله»!
ورغم أن الأمية والجهل لم يقاوما «مكتبة الإنجيل» التي راحت تعرض بضاعتها من كتب التبشير المسيحية وكتب أخرى مسيئة للعرب والمسلمين، إلا أن صيد اللؤلؤ كان وقتاً سيئاً جداً للمبشرين، فقد بقيت المكتبة في الشهور الأولى من افتتاحها بلا زبائن ولا رواد، والأهم، مكتبة مفتوحة في سوق خال إلا من الرجال المسنين والنساء والأطفال بسبب موسم اللؤلؤ!
وأمام هذا الوضع اضطر المبشرون إلى إرسال باعة متجولين يجوبون المدن والقرى فوق ظهور الحمير لبيع كتب الإنجيل أو توزيعها مجاناً أحياناً.
ومرت الشهور والسنون و»مكتبة الإنجيل» لم تستطع تحقيق النجاح المطلوب، بل أنها واجهت الكثير من المشكلات.
ففي أحد الأيام، كما يقول تقرير للبعثة الأمريكية، تجمهر بعض الناس بروح عدائية أمام المكتبة في المنامة. وما أن أمسك أحد المبشرين بالمصحف الشريف لكي يقنعهم ـ كما يقول ـ بما جاء فيه عن الإنجيل والمسيحية، حتى تصدى له أحد المثقفين وانتزع المصحف من يده قائلاً: «لا يمسه إلا المطهرون».
وانتشرت هذه الحكاية بين الناس ولاحق الفشل «مكتبة الإنجيل»، المسألة التي اضطرت فيها السلطات آنذاك إلى تخصيص حارس يحمل عصا لحراسة المكتبة. وصحيح أن الحراسة قامت بواجبها (بحماية المكتبة)، إلا أنها كما يعترف المبشرون أحدثت مقاطعة شاملة للمكتبة!
وبرغم كل هذا الفشل وتصاعد أنشطة مقاومة التبشير على أيدي المثقفين البحرينيين وجمعياتهم الثقافية والفكرية التي تم إنشاؤها بعد ذلك، إلا أن المكتبة احتلت موقعها نفسه حتى اليوم، في سوق المنامة!
شاي عبد الناصر
أعطى البحرينيون ثورة 23 يوليو في مصر حماساً منقطع النظير وإعجاباً بلا حدود.
وعبّر أهالي البحرين عن هذا الإعجاب والحماس مثل باقي العرب بالخروج إلى الشوارع والهتاف بحياة زعمائها، والاستماع إلى خطبهم واحاديثهم ليل نهار، وقراءة الصحف المصرية وحفظها عن ظهر قلب.
إلا أن هذا الإعجاب سرعان ما تطور إلى أن أصبح الشغل الشاغل للناس، ولذلك احتلت ثورة يوليو وزعماؤها قلوب وعقول مؤيديها المتحمسين جداً، وصارت حديثهم اليومي الذي لا ينتهي!
وبسبب ذلك كانت ثورة يوليو تبدأ أحياناً بأحاديث عادية، ثم تتحول إلى مناقشات ساخنة، بعدها تتطور إلى معارك طريفة، وتكون المقاهي مكانها وضحاياها الوحيدين!
ففي مايو 1954 تنشر جريدة «القافلة» تقريراً طريفاً تحت عنوان «صدى النزاع بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر»، تقول فيه:
«كانا جالسين في أحد المقاهي، وكانت أحداث مصر الأخيرة هي مدار مناقشتهما. كان أحدهما يناصر محمد نجيب ويصفه بنصير الحريات. ألم يكن هو صاحب الرأي القائل بعودة الحياة النيابية وبإلغاء الرقابة على الصحف، وإلغاء الأحكام العرفية»؟
وكان الرجل الآخر يناصر عبد الناصر ويصفه بأنه رجل الثورة، فلولاه ما قامت الثورة في مصر، ولبقي فاروق الفساد، والرشوة إلى ما شاء الله. وكان يمكن أن تنتهي المناقشة بين الرجلين عند هذا الحد الذي تنتهي إليه مثل هذه المناقشات، لولا أن أحد الرجلين كان يستعمل يده لتأكيد رأيه. فكانت تنخفض وترتفع، ويذهب بها إلى الخلف ويعود بها إلى الأمام.
وفي مرة بينما هو مستمر في مناقشاته وفي تحريك يده، حدث أن صبي القهوة يمر خلفه، وكان يحمل صينية كانت فيها عدة أكواب من الشاي والحليب، فاصطدمت يده بالصينية فتكسر ما عليها من أكواب شاي وحليب. وكان يجلس على أحد المقاعد القريبة رجل، فقفز من مكانه محاولاً تجنب الشاي المسكوب على ثيابه، ولسوء حظه ـ حظ الرجل وحظ صاحب المقهى ـ أن قدراً مملوءاً بالحليب كان موضوعاً على الموقد بجانب الرجل، وانقلب القدر، وكان الحليب الذي فيه يغلي. وصاح الرجل، وعلى صيحته تجمع كل من في المقهى، بمن فيهم صاحبها الذي وقف مشدوهاً أمام هذه الكارثة التي حلت به. كانت أمامه بركة من الحليب، وقطع الأكواب المتكسرة متناثرة هنا وهناك، والموقد مقلوب على رأسه وقد أصيب بعطب. وصاح الرجل ـ صاحب المقهى ـ يريد المتسبب في حدوث هذه الكارثة التي نزلت به، وأمسك بالرجل الذي كان قد غرق في قدر الحليب، يريد أن يحمله مسؤولية ما حدث».
وانتهت كارثة المقهى، لكن مناقشات ثورة يوليو استمرت لوقت طويل.
«حكايات من البحرين»، 2001
المؤرخ الحكواتي
رحل المؤرخ البحريني خالد البسام (1956 ـ 2015) عن 32 مؤلفاً، حفلت بتسجيل تاريخ البحرين أولاً، ثمّ الخليج العربي عموماً؛ في جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفي عاداته وتقاليده وتراثه الشعبي، ولم يبخل في تدوين بعض من مظاهر الفولكلور والأنثروبولوجيا. أما اللافت أكثر، بين خصائص أخرى تتصل بمقاربته للتاريخ، فقد كان ذلك الالتفات المعمق إلى حياة البشر اليومية، ووقائع العيش من حيث الأفراح والأتراح، وعادات العمل؛ سواء في السنوات الأولى من حياة البلد، أو خلال مراحل الانتداب البريطاني، ثمّ التكوين المعاصر.
وفي ذلك كله، كان البسام يمزج ببراعة ـ ليس دون استخدام لغة طلية وتعابير رشيقة بقدر ما هي دقيقة ـ بين الريبورتاج الصحافي والحكاية المصغرة، الأقرب إلى «الحدوتة»، بلسان مؤرخ يحدث أنه «حكواتي» أيضاً. بين أبرز أعماله: «خليج الحكايات»، «صدمة الاحتكاك»، «تلك الأيام»، «رجال في جزائر اللؤلؤ»، «القوافل»، «مرفأ الذكريات»، «نسوان زمان»، «يا زمان الخليج»، «ثرثرة فوق دجلة»، «يوميات المنفي»، و»النجدي الطيب».
نص: خالد البسام