البحر اليائس

حجم الخط
0

ذلك البحر مثلي دائماً يخطئ الناس فهمه من وحدته تراه يبحث عن أنيس لروحه فيخطف الأرواح ظناً منه أنها ستكسر وحدته وتفك عزلته، أرادها رفيقاً لأمواجه وامتدادا لروحه الواسعة، لكنه بالموت يحكم عليهم ويرسلهم إلى الغياب البعيد، هو مثلي لم يقصد قتل تلك الأرواح، فقط كان يريد أن لا يبقى وحده.
أكثر ما يفرحه عندما نرمي حجراً في أعماقه، ربما لا ندري إن تلك الحجرة ستكسر وحدته وتفك عزلته فيسرع إلى الصخور ويكتب قصيدة تتراقص على الأمواج الهاربة من الوحدة.
ربما تحطمت على صخوره أحلام سقيت بماء الأمل، لكنه لم يسرق أحلامهم هو فقط أراد ان ينتقم من الذين سرقوا كل ما هو نفيس من أعماقه، من أعطاهم الحق باغتصاب روحه أراد معاقبة القراصنة الذين احتلوا الشاطئ وسرقوا من جدي السفينة، لم يسمح للأوغاد بركوب أمواجه، كان خصمهم العنيد.
الليل بسطوته المعتمة لم يستطع كسر أمواجه قذفت إلى أمواجه غصن ياسمين فأزهر جزيرة ملونة بألوان قوس قزح الخلابة، شعرت بأنني أعيش في عالم آخر محاطاً بكل الذين رحلوا، ينام البحر على ظل الضباب الذي يفترش السماء، هو مخلوق من ندى شفاف تغار منه السماء، هو لطيف وحنون أفقه واسع وسره عميق، لم يسمح يوماً لرياح الغدر أن تمر بين أمواجه، لكنك يجب ان تصلي مرتين أو أكثر قبل ركوبه، فالبحر في حكايات البحارة المتقاعدين وحش جائع يطارد البحار بأمواجه العاتية، لكنني أحبه لأنه حرُ طليق محال ترويضه، هو ضائع مثلي بين الأمواج تتدفق إليه كل الدموع البريئة التي سقطت وقت الحرب، غير صحيح أنه يرقص على الجثث التي يصطادها، هو يعزف لهم موسيقى فيروز لتكون ونيسهم في عالهم الجديد.

نمت على رمل البحر صحوت شاعراً أنتظر قصيدتي الأسيرة في الجــــــزيرة التي لا تسمع صوت الحرب. سارت خطواتي بين شاطئ الواقع وخيال الذكريات، قذفت همومي وأحزاني إلى أمواجه فتلاشت بين الرمال. البحر هو جسر الخــــلاص من الهموم والأحزان هو وطن كامل الحدود يمتص الأوجاع ويحفظ الأسرار ويسقي ورد الشهداء في المساء. أنتظر لحظة الغروب يمد الشفق الأحمر الذي يسكن السماء خيوطه ويحتضن البحر معلناً الوداع لم يكن البحر يوما ملك الموت هو ذلك الذئب البريء من دم يوسف.

٭ كاتب من سوريا

البحر اليائس

عبد الكريم الأحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية