القاهرة ـ «القدس العربي»: السلطة التي كانت حتى في زمن المخلوع مبارك تضع خطوطاً حمراء ضد الهجوم على الدين، تحللت من عهودها ومسؤوليتها وباتت تفتح الباب على مصراعيه أمام البعض ليسخروا من سيرة خير البرية نبينا محمد، صلوات الله وسلامه عليه، بحجة تطوير الخطاب الديني، بينما الصمت يلازم كبار رجال المؤسسة الدينية الرسمية، فلا تكاد تسمع منهم إلا همسا، حتى بيان مشيخة الازهر الشريف، الذي راهن عليه البعض في أن يحمي الدين الإسلامي ورموزه، لم يردع المعتدين الذين ملأوا الدنيا.. يخرج إسلام البحيري فيسب الذات الإلهية، وفق شهادة علماء كبار، فلا أحد يلتفت للرجل، الذي قال في الإسلام ما لم يقله مالك في الخمر، ويتهم الصحابة ومن والاهم والسلف ومن سار على دربهم، من غير أن ينتفض أحد… وفي الواقع فإن مولد الهجوم على الإسلام وثوابته يشهد رواجاً شديداً، فضلاً عن الدعم الإعلامي. وما لا تخطئه العين أن مافيا تنشط الآن هدف أفرادها الأبرز هو تشكيك العباد في دين رب العباد، وتشويه كل الرموز الدينية. وتستغل تلك المافيا المنتشرة في الصحف والفضائيات سلطة وليدة تظن أن ذلك الدين الذي حمى مصر قروناً هو سبب أزمتها وتخلفها، وعليها أن تثور على أصول دينها كي توهب الحياة.. وفي صحف مصر هذه الأيام تجد الهجوم على الدين بات الوسيلة لجني المال، وأقصر الطرق نحو عالم الشهرة.
ربحت إثيوبيا ومصر اكتفت بالحلم
انتقد نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي السابق، الدكتور زياد بهاء الدين، عدم وجود ضمانات قانونية ملزمة للحفاظ على حقوق مصر في اتفاق سد النهضة، الذي وقعته كل من مصر والسودان وإثيوبيا. وقال بهاء الدين إن انتهاج سبيل التعاون بدلا من الصدام في ما يتعلق بمياه النيل هو القرار الصائب، ولكن يلزم أن تصاحبه ضمانات قانونية وملزمة من الآن للحفاظ على حقوق مصر، كما أنه يجب أن يصاحبه وضع سياسة زراعية ومائية شاملة تتعامل مع واقع مائي جديد لا يمكن تجاهله. وأضاف في مقالة له في صحيفة «الشروق»: «تعمدت التريث في التعليق على الاتفاق الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة، لخطورة الموضوع من جهة، ولأهمية تناوله بهدوء وبعيدا عن الصخب الإعلامي، الذي صاحب توقيع الاتفاق، من أجل تصويره على أنه انتصار حاسم لمصر في معركة النيل». وأشار إلى أن الاتفاق ليس انتصارا في حد ذاته، ولا هزيمة، بل خطوة ضرورية للانتقال بقضية النيل من حالة الشعارات والتهديدات و»التسخين» الجماهيري، من دون خطة واضحة، إلى حالة جديدة من الواقعية والعملية تستهدف الوصول لأفضل البدائل المتاحة. وأبدى بهاء الدين ملاحظتين على الاتفاق، واحدة تتعلق بمضمون الاتفاق، والثانية بعلاقته بالسياسة الزراعية مستقبلا. وقال إن الاتفاق من حيث المضمون، مهما حاول البعض تصويره على غير ذلك، يعني واقعيا قبول مصر بمشروع سد النهضة واعترافها بحق إثيوبيا في الاستفادة منه، ليس فقط في توليد الكهرباء وإنما ــ وفقا لنص المبدأ الثاني من الاتفاق ــ في جميع مجالات التنمية الاقتصادية، بما فيها الزراعة. وأضاف أن ذلك يعد تنازلا مصريا ضمنيا عن مرجعية الاتفاقات السابقة، والقبول بفتح باب التفاوض على ما كان ثابتا من قبل. وأكد بهاء الدين أن «إثيوبيا استفادت من الاتفاقية استفادة مطلقة، من دون أن يكون ما حصلت عليه مصر في المقابل واضحا.. أما كونه مجرد عودة للساحة الأفريقية فإنه يكون مقابلا زهيدا».
التعذيب عادة لا يمكن للداخلية أن تتجاوزها
قبل أسبوع قام وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان بزيارة سجن أبو زعبل. وبعد الزيارة التي لم تستغرق سوى نصف ساعة، كما يقول حمدي عبد الرحيم في «التحرير»، أصدر المجلس تقريرًا جاء فيه، أن الوفد التقى أربعة سجناء لمناقشتهم حول بلاغاتهم التي تقدموا بها إلى النائب العام، وأن السجناء أكدوا عدة نقاط، منها، أن إدارة السجن لا تطبق لائحة السجون الجديدة، في ما يتعلق بالزيارة ومدتها، والتريض ومدته وأماكنه، وأن إدارة السجن قامت بوضعهم في غرف التأديب لفترات تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين، وفي ظروف غير إنسانية، تمثلت في عدم إمكانية قضاء حاجتهم، وقلة ورداءة الطعام المقدم، وتقديم مياه شرب غير صالحة للشرب، وعدم وجود تهوية». وأضاف حمدي، فحص أعضاء الوفد السجناء الأربعة، وتبين وجود آثار ضرب على أحدهم، وتبين للوفد خلال استماعه إلى الشهادات، خوف السجناء الشديد بعد تلقيهم تهديدات غير مباشرة من إدارة السجن، إن هم تواصلوا مع وفد المجلس! ومن جانبه قال اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية لشؤون حقوق الإنسان، إن زيارة وفد حقوق الإنسان لسجن أبو زعبل جاءت بناء على طلب من محمد فائق، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لتلقيه عدة شكاوى من بعض النزلاء، بتعرضهم للتعذيب من قبل بعض الضباط والأفراد في السجن. وأضاف أبو بكر أن أحد السجناء الذي تقدمو بالشكوى هو الصحافي أحمد جمال زايدة، وقد تم توقيع الكشف الطبي عليه من قبل طبيب السجن، وأن العمليات والآثار الموجودة على ظهره من المرجح أن تكون آثارًا «لوحمة» قديمة وليست نتيجة لتعرضه للتعذيب، مضيفًا: الطب الشرعي هو الفيصل في هذه القضية. ويتساءل الكاتب متى ستعرف الداخلية فضيلة التواضع أو حتى فضيلة «الكذب المنسق»؟
جرائم الداخلية تشوه النظام الجديد
هل توقفت أو اختفت تجاوزات الشرطة؟ الإجابة كما يقرها في «فيتو» عبد القادر شهيب بشكل مباشر وصريح بالطبع لا.. «فمازالت هناك تجاوزات لبعض رجال الشرطة، أفرادا وضباطا.. لكن الجديد هو موقف الدولة من هذه التجاوزات.. فلا يوجد تستر عليها أو سكوت على استمرارها، وإنما العكس ثمة رغبة في مواجهة هذه التجاوزات، وفرض القانون على الجميع بمن فيهم رجال الشرطة المنوط بهم تنفيذ القانون. يتابع الكاتب: هكذا وجدنا النيابة العامة تقوم مؤخرا بحملة تفتيش على عدد من أقسام ومراكز الشرطة المختلفة في محافظات مختلفة في البلاد، وتسجل ملاحظاتها عليها وعلى ما يحدث فيها.. ومن قبل وجدنا رئيس الجمهورية ينبه في أكثر من مناسبة، على وزير الداخلية وقادة الشرطة، ضرورة الالتزام بالقانون والتوازن بين حقوق الإنسان ومحاربة العنف والإرهاب.. وكذلك وجدنا المجلس القومي لحقوق الإنسان يقوم بواجبه بزيارة عدد من السجون؛ ليتفقدها ويحقق على الطبيعة، في شكاوى بعض المسجونين من سوء معاملة مسؤولي وضباط هذه السجون لهم. إذن والكلام لازال لشهيب نحن نسلك الطريق السليم في مواجهة تجاوزات رجال الشرطة.. والمهم أن نمضي في هذا الطريق حتى نهايته، ولا نتوقف في المنتصف.. ويجب أن ندرك أن التصدي لتجاوزات رجال الشرطة هو أكبر حماية لمؤسسة الشرطة كلها، وأفضل دعم لها في حربها التي تخوضها الآن ضد الإرهاب.. فنحن نريد شرطة قوية، وهي لن تكون قوية بالتجاوزات التي لا يصح السكوت عنها».
الإعلام لازال يحرض على السعودية
ولازالت موجة الهجوم على المملكة السعودية تستعر في الصحف والفضائيات المصرية وها هو الكاتب الناصري والمحلل السياسي أحمد عز الدين، الكاتب في «الأسبوع» المملوكة للكاتب مصطفى بكري المقرب من المجلس العسكري، يتهم في قناة «القاهرة والناس» السعودية بضرب السجون ومعسكرات الأمن المركزي والطيران اليمني، تسهيلاً لنشر الفوضى. ورفض عز الدين ما يتردد بأن الحرب هي ضد إيران، وسخر من وضع أناشيد لعملية «عاصفة الحزم» وأضاف: إذا كان الهدف من الحرب هو تغيير الطبيعة السكانية والمذهبية أو إفناء فصيل يمثل 35٪ من الشعب اليمني فهي حرب مستحيلة، في إشارة للحوثيين. وأشار إلى أن مصر شاركت في «عاصفة الحزم» لوقف وعرقلة السعودية وعدم إطلاق العنان لها؛ لأن الطريقة التي تعامل بها اليمن مذلة، ولا يمكن التعامل مع هذا الشعب بهذه الطريقة، وزعم أن اللجان الشعبية التابعة لعبد ربه هادي ما هي إلا عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي. وأضاف عز الدين في مقابلة على قناة «القاهرة والناس» الخاصة التي يمتلكها رجل الأعمال وملك الإعلانات في مصر المؤيد للرئيس «السيسي» طارق نور، الذي كان يوصف في عهد مبارك بأنه وزير دعاية الحزب الوطني، أن السعودية تقوم بهذه العملية للهيمنة على اليمن وإعادة تشكيل خريطتها السياسية وأن دخول مصر في العملية جاء لكبح جماحها. وأكد أن السعودية ستخسر الحرب في اليمن، لأنها لا تعرف طبيعة الشعب اليمني الذي سيتحالف جميعه ضدها؛ ولذلك فالوجود المصري في العملية مطلوب لهذه اللحظة»، على حد قوله.
وتهكم عز الدين ومقدمة البرنامج الإعلامية المصرية أماني الخياط على تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني التي دعا فيها الحوثيين إلى الانسحاب وتسليم المقرات الحكومية للشرعية قائلاً: أين هي الشرعية والجيش اليمني كله ضد الرئيس الهارب هادي ويحارب السعودية حالياً؟».
هل تنسحب مصر من أمام العاصفة؟
ويتواصل الهجوم على المملكة، حيث وصف الإعلامي توفيق عكاشة المؤيد للرئيس عبدالفتاح السيسي «عاصفة الحزم» العسكرية بأنها «زعابيب» مصيرها التوقف، موضحاً في تصريحات تناقلتها عن قناته عدة صحف ومواقع إخبارية، منها «شبكة الإعلام العربية»و «التقرير»، أنها ليست عاصفة راسخة تطيح بأعداء العرب، وأوضح عكاشة خلال مقابلة أجرتها معه المذيعة حياة الدرديري الموظفة في قناته الخاصة «الفراعين»: أن مصر ستسحب قواتها من «عاصفة الحزم».
وألقى عكاشة اللوم على السعودية بسبب عدم تغيير سياساتها تجاه أمريكا، قبل «عاصفة الحزم»، وقال: إنها (عاصفة الحزم) ستشهد تدهورًا كبيرًا في الأوضاع بسبب وجود خيانات (اختراقات) من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا بين دول العاصفة، وفق قوله. وأضاف عكاشة، أنه من خلال متابعته للأحداث يستطيع أن يؤكد تعرض «عاصفة الحزم» لنكسة خلال الأيام القليلة المقبلة. وقال: إن القوات العسكرية المصرية تسيطر بالكامل على خليج عدن ومضيق باب المندب وتحافظ على الملاحة البحرية فيه، وأوضح أن عملية «عاصفة الحزم» ستشهد مؤامرات عديدة من جانب أمريكا التي تتابعها عن قرب، مؤكدًا أنها ستشهد تدهورًا عسكريًا في مدة تتراوح ما بين 3 و4 أيام، مختتمًا أن ذلك الأمر سيدفع القوات المصرية للانسحاب من العملية. وطلب توفيق عكاشة من السعودية تغيير فلسفتها التقليدية، من دون أن يحدد ماذا يقصد، قائلاً: «كنت أود أن أقبل يد الملك سلمان ليعمل على تغيير فلسفة السعودية التقليدية».
كاريكاتير يهدد العلاقة بين القاهرة والرياض
وتتوالى الأذرع الإعلامية في إفساد التوحد العربي، حيث نشرت صحيفة «المصري اليوم» الليبرالية الموالية للنظام، كاريكاتيراً مسيئاً للمملكة العربية السعودية و»عاصفة الحزم»، مساوية بينها وبين إيران في محاولة السيطرة على المنطقة، كل تحت «عباءته»، بحسب الكاريكاتير. ويظهر الكاريكاتير صورة لشخص خليجي باللباس السعودي، في ما يشبه الملك سلمان، وآخر إيراني يشبه آية الله خامنئي يفتح كل منهما عباءته، مع كتابة سؤال للقراء يقول: «عزيزي القارئ.. في رأيك مين فيهم هيعرف يحط المنطقة تحت عبايته قبل الثاني؟». وأعرب مئات الخليجيين عن غضبهم واستنكارهم لما اعتبروه إساءة صحيفة «المصري اليوم» المصرية واسعة الانتشار لهم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقال مغردون خليجيون: إن هذا الكاريكاتير يعبر عن وجهة نظر مصرية رسمية تجاه الخليج، مطالبين الصحيفة بالاعتذار عن هذه الإساءات. وسبق لصحيفة «المصري اليوم» نشر كاريكاتير للرسام الناصري عمرو سليم، يوجه فيه إهانة واضحة لدول الخليج وأهلها، حيث حمل الكاريكاتير عنوان «المصري والدويلة»، ويتكون من 3 مشاهد، تمثل محاكاة واضحة لما ورد في تسريبات السيسي الأخيرة المسيئة للخليج، التي تضمنت وصف دول الخليج بأنها «أنصاف دول»، وفيه يظهر شخص يرتدي الملابس الخليجية ويقف على أكياس من الدولارات.
وانتقد المعارض السعودي كساب العتيبي الإعلام المصري، وقال عبر «تويتر»: «بعد كلمة الفيصل بدأ إعلام «السيسي» وخاصة أبو حمالات (يقصد إبراهيم عيسى) يستهزئ إلى حد الشتم بالموقف السعودي، لا تسامُح في وقت الحرب».
ويعتقد كتَّاب وإعلاميون خليجيون – بحسب التغريدات – أن الهجوم الإعلامي المصري يمثل وجهة نظر رسمية، باعتبار أن الإعلام الحكومي والخاص كله أصبح رسمياً منذ 3 يوليو/تموز 2013، ولا يسمح بآراء تخالف آراء السلطة في وسائل الإعلام المختلفة بعد غلق الصحف والفضائيات المعارضة، ومنع صحافيين معارضين من ممارسة أعمالهم.
أخطاء السعودية في اليمن
ارتكبت الدولة السعودية التي تعتبر اليمن حديقتها الخلفية، أخطاء في ذلك البلد الشقي، هذا ما يزعمه بعض الكتاب، لكن رضا حمودة في «الشعب» يحدثنا عن «خطأًين فادحين بشأن تعاطيها مع الثورة اليمنية الشعبية، وتحالفها مع نظام جثم على حاضر بلد عريق اسمه اليمن، أكثر من ثلاثة عقود، من القهر والاستبداد والفساد، وأراد أن يصادر مستقبله أيضاً، حيث تلقفته المملكة باحتواء غضبة الشارع اليمني وتفريغ الثورة من زخمها ومضمونها، عبر حماية علي عبدالله صالح وتحصينه من المساءلة القانونية والشعبية، ووقفت إلى جواره في أزمته التي كادت تودي بحياته، عندما هاجمه الثوار وتكفلت المملكة بعلاجه في الرياض حتى تعافى. وما أن عاد صالح إلى صنعاء، حيث معقل السلطة والنفوذ والأنصار من دولته العميقة، التي ما زالت تمسك بخيوط اللعبة في كل مؤسسات الدولة، خاصة في الأمن والجيش ، حتى راح يتآمر على شعبه مرة أخرى ويدير الثورة المضادة انتقاماً من شعبه الذي كسر أنفه بإجباره على الرحيل عن السلطة مضطرا، وتبخر حلم توريث الحكم لنجله، حتى انقلب على الدولة التي آوته وحمته، وعض اليد التي ساعدته، رغم أن السعودية لم تقدم يد العون لصالح لوجه الله، بقدر ما هو التفاف واحتواء وإجراء احترازي وقائي، إن صح التعبير، من تصدير وانتقال عدوى الثورات إلى ممالك وعروش الخليج.
أما الخطأ الفادح الثاني، بحسب الكاتب، فهو التحالف غير المعلن إلى حد التواطؤ مع جماعة الحوثي المدعومة إيرانياً لمحاربة التجمع اليمني للإصلاح (ذراع الإخوان المسلمين في اليمن) على اعتبار أنها (أي الإخوان) عدو المرحلة، متصل الصلة بما حدث من انقلاب عسكري في مصر على حكم الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو/حزيران 2013، فكانت النتيجة أن تمددت جماعة الحوثي أكثر من اللازم وأكبر من قدراتها وحجمها الطبيعي بفعل دعم (الضدين المتناحرين) السعودية والخليج (المحور السنّي) من جانب وإيران (المحور الشيعي) من جانبٍ آخر».
للعقل حق المفاضلة بين الرأي والرأي الآخر
ونتوجه بالمعارك الصحافية للصراع المحتدم بسبب الإعلامي إسلام البحيري، الذي يطالب بحرق كتب التراث وفي مقدمتها «صحيح البخاري»، ومن جانبه يؤكد مكرم محمد أحمد في «الأهرام» أن المؤسسة الدينية أخطات في معالجاتها للقضية: «كنت أفضل لو أن مشيخة الأزهر الشريف استدعت الزميل إسلام البحيري لتناقش أفكاره في جلسة سرية أو علنية، بدلا من أن تطلب رفع برنامجه من الخدمة، عبر شركة الاستثمار التي تتولى إدارة المحطات الفضائية اقتصاديا، ولا ينبغي أن يكون لها أي علاقة بالرقابة على مصنفات الرأي والإبداع، لأن إسلام البحيري يحاول أن يجتهد لتقديم رؤية أفضل للنص الديني، بديلا عن الفكر المتطرف، رؤية تستند إلى العقل الذي طلب منا العلي القدير أن نحسن استخدامه، ونحكمه في ما يختلط علينا من آراء ومواقف ومشكلات ومشاغل، واعتبر سبحانه وتعالى استخدام العقل فضيلة يؤجر صاحبه على حسن استخدامه، حتى إن أخطأ في اجتهاده، متى توافر صدق النيات والرغبة المخلصة في الحفاظ على مصالح العباد، ولا أظن أن الكاتب إسلام البحيري أتى بما لم يأت به الأوائل، لأن تاريخ الفكر الإسلامي في فترات ازدهاره فتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وأعطى للعقل حق المفاضلة بين الرأي والرأي الآخر، استنادا إلى قوة الحجة ورجاحة الرأي، واعتبر المؤمن القوي الذي يعزز إيمانه بالاحتكام إلى العقل أفضل من المسلم الضعيف. يضيف الكاتب: لم يضع إسلام البحيري إلى جواره بندقية أو مدفعا رشاشا، يهدد به من يخالفونه الرأي أو يجبر مشاهديه على ضرورة التسليم بصحة ما يقول أو ينذرهم بعظائم الأمور، إن أغلقوا في وجهه الشاشة رفضا لرؤاه، ولم يطعن بالإسلام أو يشكك في رسالته أو يجدف في وحدانية الله، ولكنه كان يناقش أبعادا في الفكر الإسلامي يمكن الاختلاف عليها».
البخاري بين القداسة وحق النقد
ومن قبيل المفارقات أن نرى تلك المعركة الساخنة مقصورة على أهل الدين، لكن ها هي المفاجآت تتوالى، حيث تشارك فيها رئيسة تحرير «أخبار النجوم» السابقة آمال عثمان لنرى ماذا تقول في «الوطن»: «عشت سنوات من بداية حياتي أتوهم أن «صحيح البخاري» كتاب مقدس أنزل من عند الله عز وجل، وأمضيت عمري أرقب من يقسمون به، ويضعونه في مرتبة القرآن! ولم أدرك أنه عمل بشري إلا عندما صرت تلك الإنسانة التي ترفض ما لا يقبله المنطق، وتعي أن العقل نعمة إلهية من الله عز وجل، وأن التفكير فريضة إسلامية حث عليها ديننا الحنيف. ولذا تتعجب الكاتبة من شيوخ أجلاء يرفعون كتب الأئمة إلى مرتبة القدسية والمعصومية، ويعتبرون الخلاف مع بعض ما ورد في «البخارى ومسلم» وغيرهما من كتب الحديث، تشكيكاً في كلام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وشقاقاً مع السنة النبوية المطهرة، ويهددون ويتوعدون كل من ارتاب في حديث، ويطعنون في دين كل من شكك أو اختلف مع بعض مما أنجزه هؤلاء العلماء المحدثون، رضوان الله عليهم، ويبشرونه بعذاب جهنم وبئس المصير، ولكن لِمَ العجب إن كان امتيازنا الوحيد أننا شعوب بإمكان أي مواطن فيها أن يكفر الجميع؟ ويحجز الجنة التي عرضها السموات والأرض له وحده، كما يقول الشاعر أحمد مطر. وتؤكد الكاتبة أنها تعرف شأن هؤلاء العلماء والأئمة، الذين نجلهم ونقدر لهم جهودهم واجتهاداتهم الدينية في جمع الأحاديث، وأرفض تماماً لغة التجريح والسخرية والإساءة بالتصريح أو التلميح، لكن عقلي يرفض تماماً أن يمنحهم المعصومية والمحفوظية، ويسلم بكل ما جاء في أسفارهم، ويأبى أن يضعهم في مرتبة الأنبياء، أو في مكانة الخلفاء الراشدين، فهم بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعهد الله إليهم بكتابة أحاديث النبي الكريم، ولكن الأحاديث انتقلت عبر مجموعة من الرواة على مدى قرنين من الزمان، والفارق كبير بين صاحب يشافه الرسول ويسمع منه مباشرة، وبين رجل يأتيه الحديث عبر النقل».
معركة لا تستحق سقوط مزيد من الضحايا
ومع القضية ذاتها نبقى، وهذه المره مع محمود الكردوسي في «الوطن» أيضا: «لا أظن أن هناك أي علاقة بين دعوة الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، وتلك الخناقة التافهة بين «الإسلامين»: الأزهر.. والبحيري، أما إذا كانت هناك علاقة، فالكارثة أعظم، لأن الخناقة «قلبت مسخرة». أقول «إسلامين» لأن الأمور جرت كما لو أن السجال بين طرفي نقيض: بين شخص أهدر فضيلة الاجتهاد وأوغل في الاعتقاد بأنه «مكلف»، أرسلته العناية الإلهية ليكون «نبياً» للاستنارة والتجديد، ومؤسسة عريقة، طاعنة في السن، تصلّبت وترهّلت، وأوغلت بدورها في الاعتقاد بأنها فوق مستوى أي اجتهاد، فضلاً عن أنها تعاند وتأبى أن تعترف بأنها قد اختُرقت، وعليها أن تطهّر نفسها بنفسها قبل أن تجتاحها عواصف النقد. يتابع الكاتب: أقول «إسلامين»، وأنا أكاد أجزم بأن لدينا في الحقيقة أكثر من «إسلام». لدينا إسلام «وسطي»، ولا تقل لي أن الأزهر بحالته الراهنة يمثله، رغم أنه لا يزال يمثل «مرجعيته». ولدينا إسلام عصابة الإخوان ومشتقاتها، وهو الأشد خطراً على الإسلام كـ«نص» ورسالة من ناحية، وعلى فكرة الدولة الوطنية باعتبارها نقطة البدء والانتهاء في كل اجتهاد أو مرجعية، والحاضنة لكل الرؤى مهما تنوعت واختلفت، من ناحية أخرى. ولدينا أيضاً إسلام أهل التصوف، وهو الأقل اشتباكاً مع الواقع، والأكثر سلاماً وتجرداً وتقرباً إلى الله، واحتفاءً برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وبآل بيته، وبكل من خفّ وشفّ وأفناه السعى إلى إدراك الحقيقة. هل يُعد هذا التنوع تجلياً لعبقرية مصر.. أم خطراً عليها؟ أظن أن الوقت حان لنسأل أنفسنا سؤالاً كهذا. ويصر الكردوسي على أن الخناقة «تافهة» بالقياس إلى نتائجها وسياقها. النتائج: مزيد من البلبلة والابتذال والاستقطاب المجتمعي وإهدار قيمة الاختلاف.
مصر تتجه للحرب في اليمن وهي «مكسوفة»
من شبه المؤكد أن قرارا مصريا اتخذ بالمشاركة في الحرب الدائرة في اليمن، وأن السعودية إذا كانت قد توجهت إلى باكستان بطلب المساعدة العسكرية بالطائرات والجنود، فمن الوارد جدا أن تكون قد بعثت بالرسالة ذاتها إلى القاهرة. هذا ما يعتقده فهمي هويدي مؤكداً في «الشروق»: «زيارة وزير الدفاع المصري إلى باكستان ليس الهدف منها التشاور حول مبدأ المشاركة، لأن قرارا من ذلك القبيل لابد أن يكون قد صدر في القاهرة، ولكن الهدف هو التشاور في كيفية تنفيذ القرار. ثمة فرق بين البلدين في درجة الشفافية وفي دائرة التشاور في الموضوع. ذلك أن فكرة التدخل طرحت على البرلمان الباكستاني، ووزير الدفاع أعلن أمام أعضائه أن بلاده تلقت طلبا بذلك من السعودية، أما في مصر فالأمر لايزال غامضا، إذ ليس هناك حديث صريح حول الموضوع، والمرجح أنه بحث في اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي عقد يوم السبت الماضي 4/4 واستمر ست ساعات، علما بأن الرئيس عبدالفتاح السيسي ذكر بعد الاجتماع أنه تم فيه بحث عدد من الملفات الإقليمية، التي منها تعزيز الأمن على الحدود الغربية لمصر وتطورات العمليات العسكرية ومجمل الأوضاع في اليمن. ثم أشار إلى أن مصر لن تتخلى عن اشقائنا في الدول العربية، ليس فقط في الخليج الذي يعد أمنه خطا أحمر وجزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ولكن أيضا في جميع الدول العربية. وهذه الإشارة الأخيرة تؤيد الترجيح الذي أشرت إليه.
ويؤكد هويدي أن الرأي العام المصري لم يبلغ حتى الآن بأن قرارا اتخذ بشأن المشاركة في الحرب البرية في اليمن، وأن الأمر متروك للتكهنات والاستنتاجات التي تنبني على تجميع القرائن والتخمين، الذي يحتمل الصواب والخطأ. وهذا الغموض النسبي الذي يحيط بالموضوع متعمد على الأرجح، وراجع إلى أن ثمة حساسية لدى الرأي العام المصري إزاء إرسال جنود مصريين لخوض أي معارك خارجية لا علاقة لها بالدفاع عن حدود مصر، خصوصا إذا تعلقت بقضايا شائكة مثار حولها لغط كثير وآفاقها المستقبلية غير معلومة. ناهيك عن أن الذاكرة المصرية مسكونة بتجارب مكلفة سابقة تحذر من خوض مغامرات من ذلك القبيل».
لماذا الاندفاع إلى التدخل البري؟
ونبقى في «الشروق» ومع مقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين وقوله: «لست خبيرا عسكريا أو محللا استراتيجيا لكن هناك حديثا متواترا عن قرب دخول قوات التحالف في «عاصفة الحزم» بريا إلى الأراضي اليمنية.
خلال الأيام الماضية استمعت إلى آراء العديد من الخبراء والمختصين في الشؤون العسكرية والسياسية وجها لوجه أو عبر وسائل الإعلام.
وجهة نظر غالبية الخبراء ــ وبينهم سعوديون ــ هي إرجاء التدخل البري لأطول وقت ممكن، حتى لا تتحول اليمن إلى مستنقع تغرق فيه قوات التحالف، ويتحول الحوثيون وأنصار علي عبدالله صالح إلى أبطال، ويضيع اليمن إلى الأبد، ونجد إيران تطوق المنطقة العربية بالكامل. بات واضحا أن الحوثيين يسيطرون تقريبا على معظم الأراضي اليمنية، لديهم ميليشيا مدربة وعقائدية، ولديهم تأييد كل القوات الموالية لعلي عبدالله صالح، والأهم لديهم كل الأسلحة التي كانت مملوكة للجيش اليمني إضافة إلى أسلحتهم الخاصة. وفي المقابل فإن انصار هادي وما تبقى من الجيش اليمني قليلون وغير مدربين وأسلحتهم ضعيفة. أتصور أن أفضل هدية يمكن تقديمها الآن للحوثيين وأنصار صالح هي إرسال قوات برية إلى داخل الأراضي اليمنية. السبب ببساطة أنهم يعرفون جيدا جغرافيا بلادهم، وسوف يخوضون معركة حرب عصابات منظمة بأقل الإمكانيات. في هذه المعركة سوف يتمكن الحوثيون من تسجيل إصابات مباشرة، وربما كبيرة في صفوف قوات التحالف البرية. هذه الخسائر سوف تلعب دورا مهما في رفع معنويات الحوثيين في حين أن النعوش والأكفان العائدة إلى بلدان قوات التحالف ستلعب دورا شديد السلبية في معنويات ليس فقط الجنود، بل الشعوب العربية نفسها.
القصف الجوي لايزال يمثل نقطة تفوق مهمة لقوات التحالف، وإذا استمر لفترة سوف يؤدي في النهاية إلى إضعاف الحوثيين وكسر شوكتهم، خصوصا إذا تمكن القصف فعلا من تحييد غالبية الطائرات الموجودة لدى الحوثيين ووسائل الدفاع الجوي أو الصواريخ. إذا حدث ذلك فسوف تتحول المعركة إلى صورة كربونية مما حدث في حرب كوسوفو حينما تمكنت قوات التحالف الدولي من هزيمة الجنود الصرب قبل ان تبدأ المعركة البرية تقريبا، مما دفعهم في النهاية إلى الاستسلام والقبول بالحل السلمي.
رأينا النموذج نفسه ــ مع الفارق ــ حينما تمكنت قوات الغزو الأمريكي من شل فاعلية غالبية قدرات الجيش العراقي، وفي النهاية حدث التدخل البري.
إذا تمكنت قوات التحالف فعلا من منع أي إمدادات خارجية للحوثيين وانصار صالح، خصوصا عبر البحر، فإن فرص حسمها للمعركة سوف تكون مسألة وقت، خصوصا أنها تقول إنها تسيطر تماما على الأجواء اليمنية.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبته بلدان دول التحالف ووسائل إعلامها أنها أعلنت عند بداية العملية أنها سوف تحسمها خلال أيام وسيعود عبدربه منصور هادي إلى القصر الرئاسي في صنعاء وسيندحر الانقلاب الحوثي، وربما ينسحب أنصاره الحوثيون إلى طهران! المعارك ــ خصوصا إذا كان بها جوانب عقائدية ــ لا تحسم بمثل هذه السرعة والسهولة، هي تحتاج وقتا وجهدا وتخطيطا وليس فقط أسلحة حديثة وأموالا طائلة.
هذا الخطأ الإعلامي الكبير تسبب في رفع سقف توقعات المواطنين، وبالتالي قد يؤدي إلى إحباطهم.
وختاما نتمنى أن يتم التريث قدر الإمكان في خوض المعركة البرية، فربما يستسلم الحوثيون قبل الشروع فيها، او يقبلوا بالعودة إلى طاولة التفاوض على أساس أنهم جزء صغير من اليمن وليسوا كل اليمن أو دمية في يد إيران وهذا أهم شرط للتفاوض».
حسام عبد البصير