القاهرة ـ «القدس العربي» : بالأمس حلت على مصر الذكرى الثالثة لثورة الثلاثين من يونيو/حزيران، ذلك السراب الذي يحسبه البعض ماءً، بحسب رأي الإخوان ومن والاهم، فيما يرى أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الحدث كان فتحاً من السماء، لإنقاذ المصريين مما أعد لهم من مؤامرات..
بالأمس استعاد كثير من الكتاب أسلحتهم لإشعال نار الفتنة مجدداً.. وذهب كتاب لحد المطالبة ببناء مزيد من السجون كي تكفي الإخوان وسائر أبناء التيار الإسلامي..
في المقابل لازال الإخوان ومن والاهم واقفين عند المربع الأول الذي لم يبرحوه منذ فض اعتصام رابعة، حيث يرون أنه لا بديل ولا حل سوى عودة الرئيس محمد مرسي لسدة الحكم، وبين الفريقين تبدو مصر في هذه اللحظة عصية على الفهم، بين فريقين لا تجمعهما نقطة تفاهم وكأنهما لم يشربا يوماً من النيل نفسه المهدد الآن إثيوبياً ولم تجمعهما لغة مشتركة ودين يدعو للتسامح في أكثر من موضع في كتابه السماوي.. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لم يمثل أيضاً عامل تأثير للفريقين للنزول عند كلمة سواء وإلى التفاصيل:
هل أنقذت السماء مصر؟
البداية مع ذلك الطوفان المنتشر في صحف يوم أمس بمناسبة الذكرى الثالثة لثورة 30 يونيو/حزيران، حيث يرى محمد أمين في «المصري اليوم» أنه: «في مثل هذا اليوم سقطت دولة الخوف، وانهارت دولة المرشد.. لا أنسى ذلك اليوم، ولا أنسى كيف كنت أستعد له قبلها بشهور.. أعددت كوفية وعلماً وكارتاً أحمر، ورتبتُ أموري.. كنت أقول باقي من الزمن ساعات.. كان هناك من يتشكك ولا يصدق، وربما يضحك.. الإخوان قالوا إنهم جاءوا ليحكموا أبد الدهر.. نزلنا الميادين بالملايين نهتف: يسقط يسقط حكم المرشد… كانت الثورة مازالت ساخنة، فقررنا استرداد الثورة المسروقة.. وكانت كلمة السر 30 يونيو! مرة أخرى توحدت الصفوف لإنقاذ البلاد.. سياسياً هناك رموز تدير جبهة الإنقاذ.. شعبياً هناك شباب يقود حملات التمرد وينظمها.. هناك إعلام أصبح لديه هدف واحد.. دولة الخوف لابد أن تسقط.. مصر لابد أن تعود.. ولو إلى الشكل الذي كانت عليه قبل يناير/كانون الثاني.. جماعات الظلام كانت تتحكم في مفاصل الدولة.. البلتاجي يريد أن يكون وزير داخلية مرة، ومرة أخرى يريد أن يكون مديراً للمخابرات، الدنيا بقت بزرميييط».
السيسي وصل لطريق مسدود
ورغم تفاؤل محمد أمين بالمستقبل الذي ينتظر البلاد برئاسة السيسي، إلا أن زميله في صحيفة «المصري اليوم» محمد أبو الغار يبدو شديد التشاؤم مؤكداً: «أن الطريقة التي يحكم بها السيسي الآن، ستصل بالبلاد إلى حائط مسدود، لافتًا إلى أن البديل، في حالة فشله التي تلوح بالفعل في الأفق، هو الإخوان المسلمين، ورغم أن حديث أبوالغار هو حق أراد به باطل، فهو من الذين اتهموا الإخوان والتيار الإسلامي ككل بـ»الإرهاب»، ويتحدث الآن عن عودتهم للحكم، بجانب توصيفه للتيار الإسلامي بإنه هو الإخوان المسلمين، بعد فشل الأحزاب التابعه للعسكر في التوغل في الشارع المصري، بعد كشف الانقلاب ومخططاته. وقال أبوالغار، إن فشل نظام السيسي سيكون كارثة على مصر التي سوف تتحول إلى فوضى عارمة وانهيار اقتصادي كامل ومستقبل مجهول، وهو أمر لا يمكن قبوله من أي مصري وطني مدني، وزعم أبو الغار في حديثه أيضًا أن البديل الذي يمكن أن يكون جاهزاً للحكم في فترة قصيرة هم الإخوان المسلمون، بمساعدة كبيرة من قوى شرق متوسطية وعربية ودولية، وهذا أيضاً كارثة لأنها ستعود بمصر إلى القرون الوسطى بأفكار شديدة الرجعية يتم تطبيقها بفاشية دينية. وأشار أبو الغار إلى الحالة المزرية للاقتصاد والاستثمار، وأن السياحة في علم الغيب، ومخاطر نقص المياه بسبب سد إثيوبيا على الأبواب، والخبراء يعتقدون أن كثيرا من المشروعات الكبرى تسير في طريق خاطئ. وأكد أن هذه الأوضاع هي السبب الرئيسي في مشكلة تيران وصنافير، وأن عودة القوة الإقليمية لمصر مرتبطة بتحسن أحوالها الاقتصادية، موضحًا أن الإجراءات القمعية العنيفة والحبس لمئات الشباب أدى إلى رد فعل تعاطفي معهم وغضب من الدولة وكانت التبرعات التي جمعت من آلاف المواطنين لدفع الكفالات الضخمة في ساعات قليلة دليلا واضحا على مع من يقف الناس».
السيسي هل أنقذنا؟
ونبقى مع الإشادة بثورة 30 يونيو/حزيران التي حمت البلاد من كوارث محققة كما يشير إلى ذلك مرسي عطا الله في «الأهرام»: «بعيدا عن نظرية المؤامرة ودور القوى الخارجية في تفخيخ وتفجير المشهد العربي على مدار السنوات الخمس الأخيرة، فإن المسؤولية تقع في المقام الأول على الذين شحنوا النفوس والمشاعر بسياسات المزايدة وطرح المستحيلات وغياب المواءمة الضرورية بين قدرات الوطن وطموحات المواطنين. لقد غاب عن شعوبنا – خصوصا في دوائر النخبة السياسية – أن ما انجرفنا إليه تحت مطرقة الترويج الأجنبي لوعود التنمية والتغيير الديمقراطي، لم يكن سوى غطاء لتمرير أهداف ومقاصد الهيمنة على المنطقة بعد نشر الفوضى في ربوعها، حتى يمكن الاستئثار بثرواتها مع إبقاء شعوب وكيانات الأمة كمجتمعات ضعيفة تتستر فقط برداء حرية شكلية توفر أنسب الأجواء لضمان استمرار التبعية الأجنبية من ناحية ورسم خريطة جديدة للمنطقة لا تتصادم مع المصالح الاستراتيجية العليا للقوى الدولية في الشرق الأوسط. ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي التوقف أمامه الآن أن الخطر الذي يهدد أمن واستقرار أي وطن يتمثل في محاولة استخدام الديمقراطية في غير موضعها وعدم الانتباه إلي أن الحرية تعني حق إبداء الرأي، ولكنها لا تعني حق التطاول وتوجيه الاتهامات بغير دليل، لأن ذلك يمثل تجاوزا للخيط الرفيع بين الحرية المسؤولة والفوضى المدمرة. ويحمد الكاتب الله لأن مصر نجت من الفخ المنصوب وصححت المسار بثورة 30 يونيو وقرارات 3 يوليو/تموز 2013 وصنعت نموذجا يقتدي به الآخرون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان… وتلك هي عظمة مصر وعظمة ذلك اليوم المجيد في تاريخ الأمة والوطن».
ثورة أم مؤامرة؟
ما أحوجنا لتقييم عقلاني ليجيب على السؤال هل هي ثورة أم مؤامرة؟ جمال سلطان يتولى الأمر في «المصريون»: «هل هي ثورة شعبية أم انتفاضة شعبية أم موجة ثورية من موجات ثورة يناير/كانون الثاني؟ كان الإخوان ينكرونها في البداية ثم انتهوا إلى التسليم بها مع التقليل من حجمها أو الحديث عن استخدام تقنيات سينمائية لإظهار الأعداد المشاركة بصورة ضخمة، ولكنهم اعترفوا بأنها احتجاجات شعبية حقيقية، وإن كانوا ربطوها ـ وهو صحيح ـ بترتيبات بعض الأجهزة التي كانت تدفع الأمور إلى هذا اليوم المشهود، لكن الصحيح أيضا أن تلك الأجهزة أو غيرها لم تكن تستطيع أن تحشد هذه الملايين مهما أوتيت من ذكاء وقدرة، ما لم تكن هناك حالة سخط حقيقية وحادة في أوساط الملايين تجاه نظام الحكم القائم الذي فشل في استيعابها أو تنفيس احتقانها بعناده السياسي وسوء تقديره، وقد شاهدت بنفسي في ذلك اليوم الأعداد الضخمة في الشوارع والميادين، وليس عبر أفلام خالد يوسف، كما أن تلك الحشود الهائلة المعارضة لمرسي والإخوان ليست جديدة، فقد جرت «تجربة» أخرى لها في شارع النصر أيام السباق الانتخابي بين مرسي وشفيق، حيث حشد معسكر شفيق قرابة مليوني شخص في نهر بشري هائل امتد من كوبري أكتوبر إلى ميدان رابعة، وكانت مشاهده تنقل على الهواء مباشرة وقتها في شاشات الفضائيات، كما أن الانتخابات الرئاسية ذاتها، كشفت عن انقسام كبير في مصر، لأن هناك أكثر من اثني عشر مليونا خرجوا من بيوتهم في طوابير طويلة للتصويت ضد اختيار الدكتور محمد مرسي، والمؤكد أن هذه الأعداد الرافضة تزايدت بعد تجربة السنة العاصفة وإحباطاتها، وبالتالي فليس غريبا ولا جديدا ولا مصطنعا أن تنزل هذه الملايين مرة أخرى ضد حكم مرسي. الخطاب الرسمي للنظام الجديد الذي ولد في 3 يوليو/تموز 2013 ، والذي احتضن حراك 30 يونيو/حزيران، وحرص على اعتماد وصف «ثورة» له، كان يسوق الأمر صراحة وبوضوح وتكرار ممل، على أنه استعادة لثورة يناير/كانون الثاني من الإخوان الذين اختطفوها، وعلى مدار سنة كاملة على الأقل، كان الخطاب الإعلامي والأمني والرئاسي يتحدث عن «ثورة 30 يونيو» التي استعادت «ثورة يناير» من اختطاف الإخوان لها لكن أين هي الآن؟».
الاتفاق التركي الإسرائيلي
الاتفاق الذي توصلت له تركيا مع إسرائيل مؤخراً والذي سيسمح لأنقرة بإرسال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة بدون شروط يزعج بعض الأصوات، خاصة المؤيدة للنظام والتي تنتقد تركيا، وهو ما يتجسد في تقرير قدمته «اليوم السابع» أكدت خلاله أن «أردوغان يخدع الجميع، وأنه انتقد الجهة التي نظمت أسطول الحرية إلى قطاع غزة عام 2010، الذي أدى إلى خلاف دبلوماسي بين تركيا وإسرائيل. ونقلت عن أردوغان خلال كلمته في حفل إفطار رمضاني يوم الأربعاء قوله وفقاً لصحيفة «دايلي صباح» التركية، «عندما تنظمون أسطولا عليكم أن تسألوني، وهل طلبتم الإذن من رئيس الحكومة قبل إبحار أسطول المساعدات الإنسانية من تركيا إلى غزة؟». وأكد أردوغان «أنه يوجد لدينا الآن اتفاق وتعهد إسرائيلي بالسماح بدخول كل المساعدات الإنسانية التي سنرسلها إلى قطاع غزة». وتشير الصحيفة إلى القوات الإسرائيلية، التي هاجمت سفينة «مافي مرمرة « في عام 2010 الخاصة بإدخال مساعدات إلى قطاع غزة، ما أدى إلى مقتل ناشطين أتراك كانوا على متن السفينة. ويأتى هجوم أردوغان على خلفية بيان منظمة IHH التركية الذي انتقد الاتفاق التركي الإسرائيلي، حيث ذكرت المنظمة «أن الاتفاق الذي أعلنت عنه تركيا وقبلت بشروطه، يشكل وللأسف الشديد اعترافا تركيا بالحصار المفروض على قطاع غزة. وعلى الرغم من أن غزة ما بعد اتفاق عام 2005 تعتبر حرة، ويحق لها كما الجميع حرية التنقل والتجارة، من دون الحاجة لأي أحد».
ضد الفقراء
ننتقل بالمعارك الصحافية ضد البرلمان الذي يعتبره أشرف البربري في «الشروق» متواطئاً مع الحكومة ضد الفقراء: «عندما يكون أقصى ما يطمح إليه أعضاء البرلمان هو رفع نسبة العلاوة الدورية لأجور العاملين في الدولة في قانون الخدمة المدنية من 5٪ إلى 7٪، من دون أي إشارة إلى ربط العلاوة بمعدل التضخم، فهذا يعني أن البرلمان تخلى عن دوره في حماية مصالح «الموظفين في الأرض» وانحاز إلى السياسات الحكومية المعادية للفقراء والبسطاء. فعندما يكون معدل التضخم خلال العام المالي الحالي في حدود 12٪، والمعدل الذي تتوقعه الحكومة نفسها في مشروع موازنة العام المالي المقبل 11.5٪ ثم 9٪ لعام 2017/2018 و8٪ في العامين التاليين، وهي نسبة قابلة للزيادة بدرجة كبيرة، فهذا يعني أن البرلمان اتفق مع الحكومة على خصم أكثر من 3٪ من الدخل الحقيقي للعاملين في الدولة، بالنص على زيادة الأجور بنسبة 7٪ فقط خلال العام المقبل، ثم استمرار خفض دخول العاملين في السنوات الثلاث المقبلة. ولو كان البرلمان، لا قدر الله» معني بهموم الشعب الذي يدعي تمثيله لأصر على ربط العلاوة السنوية بمعدل التضخم من أجل الحفاظ على الدخل الحقيقي لملايين الفقراء العاملين في الدولة. ويرى الكاتب أن إقرار قانون الخدمة المدنية بصورته الحالية خاصة بند الزيادة السنوية في الأجور، يعني ترسيخ سياسات إفقار الفقراء لصالح تمويل سياسات إثراء الأثرياء من خلال «دعم الصادرات» و«دعم الطاقة للصناعة» و«الحوافز الضريبية للمستثمرين» ومكافأة كبار رجال بعض المؤسسات بعد وصولهم إلى سن التقاعد في الهيئات الحكومية بأجور باهظة بغض النظر عن تناسب مؤهلاتهم المهنية مع احتياجات هذه الوظائف المدنية».
ما يجب أن يفعله السيسي
لكن ما الذي ينبغي على الرئيس أن يفعله حتى يحول بين مصر والسقوط في فلك الفقر والفوضى، في هذا الإطار وجهت الإعلامية رانيا بدوي رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي في الذكرى الثالثة للثلاثين من يونيو، وقالت في برنامج «القاهرة اليوم» الذي تقدمه بصحبة الإعلامي عمرو أديب: «إذا جاز لي كمواطنة أن أوجه رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، فأستطيع أن أقول له: «يا سيادة الرئيس لا خيار أمامنا سوى النجاح «. وأضافت: «ليس لدى أحد منا أي خيار سوى أن تأخذ أنت البلد وتنهض بها للأمام وليس لدينا رفاهية الخيارات الأخرى». واستدركت: «ولا بد أن نعلم أنه ليس لدينا خيار سوى الرئيس عبد الفتاح السيسي ، ونقد قراراته أو قرارات الحكومة ليست رغبة في إزاحتهم عن المشهد، وإنما رغبة في أن يأخذوا البلد للأمام». وبحسب «المصريون» تابعت: «أنت الأخلص والأوفى والأصدق لشعبك في زمن انعدم فيه الضمير في أغلب الناس ، فالسيسي هو الاختيار الأمثل شئنا أم أبينا» بحسب رأيها.
المسؤولية كبيرة
وقبل أن نترك «الشروق» نستمع لرئيس تحريرها عماد الدين حسين الذي ينقل عن رئيس البرلمان أنه عاتب على الصحف رغم تقديره لدورها: «قال لي الدكتور عبدالعال إنه يكن كل تقدير وإعزاز للصحافة والصحافيين، وأنه يتحمل النقد بكل صوره مادام لا يتضمن تجريحا شخصيا. ويؤكد الكاتب أن لدى الصحافيين عشرات الملاحظات على مجلس النواب، من أول قوانين الانتخاب إلى الرشاوى والمال السياسي، نهاية بغياب الخبرة وربما انعدامها أحيانا بين غالبية الأعضاء، والصوت العالي لبعضهم. لكن للموضوعية فهناك ظواهر جيدة، وهي وجود بعض النواب الفاهمين لطبيعة عملهم وأدائهم الراقي ومناقشتهم الموضوعية. هناك أيضا طبيعة الدكتور علي عبدالعال. الرجل وكما قال لي كثيرون يعرفونه ليس ثأريا أو انتقاميا، شديد الطيبة مثل غالبية أبناء أسوان. علاقته طيبة مع غالبية النواب، المحسوبين على الحكومة أو المعارضين لها. شديد التواضع لدرجة أن كثيرين يقولون إن هذه الصفة تسمح للبعض بالتجاوز في حقه. نحن نحتاج في هذه الأيام الصعبة إلى رجال كثيرين مثل الدكتور عبدالعال، الذي يبتسم مع الجميع ويتسامح ويتواصل، بدلا من العبوس والتجهم والقطيعة. ويأمل الكاتب في أن يحرص الدكتور علي عبدالعال وغالبية النواب على أن يمارسوا دورهم باستقلال عن الحكومة فعلا لا قولا فقط. لا أطالبهم بمعارضتها، أو التصويت بالرفض على أي قرار تقدمه «عمال على بطال»، لكن أن يصل إحساس حقيقي لغالبية المصريين أن هناك فارقا ومسافة بين البرلمان والحكومة، وأن الأول يراقب الثانية فعلا ويحاسبها. لو حدث ذلك فإن هناك إمكانية حقيقية لتحسين الصورة الذهنية عن البرلمان، بل و«إصلاح الكثير من الحال المايل في هذا البلد».
المأساة مضحكة أيضاً
ونقفز لقضية تيران وصنافير التي لازالت مشتعلة، حيث يرى عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: «بالتأكيد الدولة الرسمية في موقف لا تحسد عليه، رغم أنه كان صنيعتها منذ الوهلة الأولى، لأول مرة محامي الدولة يقف أمام المحكمة ليؤكد أن دولته دولة احتلال: كنا نحتل الجزر، هكذا نصا عشر مرات، بمعنى أننا دولة معتدية، أو استعمارية، من حق الطرف الآخر طلب تعويض يوماً ما، على الرغم من أن الأمر لم يكن كذلك أبداً، لا كُنا دولة محتلة، ولا دولة معتدية، كنا طوال الوقت أصحاب حق، أصحاب أرض، لذا كان من الطبيعي «تشييع» ذلك المحامي في زفة كبيرة، بالهتافات الصاخبة إلى خارج المحكمة، وأعتقد أنه سوف يتم تشييعه كلما ظهر في مكان ما.
الطاعنون في حكم أول درجة هم قادة الدولة ورموزها، من بينهم وزير الدفاع، الذي من المفترض أن مهمته الأولى هي حماية الأرض، من بينهم رئيس البرلمان، الذي من المفترض انحيازه للشعب، كممثل عنه، وليس عن الحكومة أبداً، من بينهم وزير الداخلية، ولا أدرى لذلك سبباً، على الرغم من أن هناك قرارات شُرطية تؤكد مصرية الجزيرتين، من بينهم للأسف رئيسا الدولة والحكومة، ووزير الخارجية، ولله الأمر من قبل ومن بعد. إذن من الذي يمكن أن يمثل الدولة، كطرف آخر في القضية، أمام أى محكمة دولية؟ هي الدراما، وهي الكوميديا السوداء، وهي المأساة الوطنية في أبشع صورها. ويتوقع الكاتب حينئذ أن تتحول هذه المأساة إلى أعمال درامية عالمية، أيضاً إلى مسرحيات كوميدية من الطراز الأول، سوف يجد المؤلفون والمؤرخون أنفسهم أمام عمل واقعي كبير. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعترف بها، ونخجل منها في آن، وهي أننا أمام سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ، هناك دولة تذهب أمام القضاء لتثبت باستماتة أن هذه الأرض ليست أرضها.
الفساد سيستمر
لا حديث يوحد الصحف سوى الهجوم على الحكومة بسبب تسريب اسئلة امتحانات الثانوية العامة وهو ما دفع كرم جبر في «اليوم السابع» لأن يطرح وجهة نظر مختلفة في الأزمة: «حتى لو تمت الإطاحة بوزير التربية والتعليم، لن يتوقف التسريب، لأن الفساد ينخر كالسوس في عظام العملية التعليمية برمتها، وإصلاحها يحتاج 20 مليار جنيه على الأقل، في وقت تواجه فيه الدولة تلالا من المشاكل والأزمات، تنوء عن حملها الجبال، فارتضينا تعليم «على قد لحافك» فتعرى الجسد كله، ابتداء من المدارس التي تمنح شهادات لطلاب لا يعرفون القراءة والكتابة أحيانا، حتى الجامعات التي تقذف في وجه المجتمع عشرات الآلاف من الخريجين العاطلين، فتجذبهم المقاهي والشيشة والترامادول، ويفقد الوطن أهم ثروة يمتلكها وهي الشباب. الاعتقاد الخاطئ لدى الأسر المصرية، هو أن الثانوية العامة نهاية العالم، فمن يدخل كلية الطب يحلم بالعيادة والعربية والعزبة والعروسة، أما خريج الزراعة فمصيره أسود من قرن الخروب، وتظل الآمال والأحلام تنمو وتتضخم، وتولد حالة استنفار قصوى لدى كل أسرة لها طالب أو طالبة في الثانوية العامة، بوابة العبور إلى الجنة أو النار، وتربط الحزام وتحرم نفسها من القوت ولقمة العيش لتوفير أجر المدرس الخصوصي، ويذهب الأمهات والآباء برفقة أبنائهما أمام لجان الامتحانات، إذا كانت سهلة ارتفعت الزغاريد، وإذا كانت صعبة ساد الصراخ والدموع والنكد والهم. ما بني على خطأ، خطأ، والتعليم في بلدنا فاسد منذ أكثر من 60 سنة، وعندما رفعت ثورة يوليو/تموز شعارات مجانية التعليم والماء والهواء، اهتمت بالكم وأهملت الكيف».
إبحثوا عن المافيا
لكن أكرم القصاص يرى أن أزمة التسريبات تكشف عن تمدد الفساد في أوصال المجتمع، مؤكداً في «اليوم السابع» على أن: «مواقع الغش التي تمثل صداعا لوزارة التربية والتعليم، تتنوع، ومن الواضح أن وراءها تشكيلا كبيرا وخلايا عنقودية، من داخل الوزارة، مثل كل الوزارات والهيئات في مصر التي تحكمها مجموعة قديمة باقية مستمرة قوية لسنوات، يأتي الوزراء ويرحلون ويظل هؤلاء «العميقون» متمكنين من كل الزوايا. وهؤلاء يستمرون ولهم شبكات مصالح، وغالبا ما يحيطون بالوزير ويتحكمون فيه، فإذا خضع كان بها، وإذا استعصى هناك طرق معروفة للحصار. ووزارة التعليم ليست خارج هذه الحالة، وهناك أعداد محدودة تتحكم في الامتحانات أو المناهج وترفض ترك مساحات للتطوير، وعليه الأمر لا يتعلق بالوزير، ويمكن أن يتم التخلص من هذا الوزير أو غيره، وقد استعملنا عددا من الوزراء خلال العقود الماضية، من دون أن نغير التعليم، بل رأينا إلغاء التربية من التعليم وإعادتها من دون أن يؤثر ذلك على تربية وتعليم. الوزير مسؤول، لكنه ليس فقط المشكلة أو الحل، ولا أحد يضمن إن رحل أو بقي تختلف الأمور، وهو أمر لم يلتفت إليه كثيرون، وحتى الطلاب يتحدثون عن إقالة الوزير، وينظمون مظـــــاهرات تقلــــيدية، يعبرون فيها عن غضبهم وهو غضب يحتاج إلى أن نستمع إليهم».
الرئاسة أمانة
وفي هذه الأجواء الرمضانية يحلو لسعيد الخميسي في «الشعب» أن يذكر المسؤولين أن القيادة أمانة: «المسؤولية تكليف واختبار وابتلاء. يظن البعض أن المسؤولية، أيا كانت هذه المسؤولية صغيرة أم كبيرة وجاهة وعظمة وأبهة واستقبالات رسمية على سجادات حمراء وردية. يظنون ظن السوء أنها مكاسب دنيوية، وخطب ووعود وعهود وقتية، يتبعها تصفيق بألف سلام وألف تحية. يظنون أنها أزياء أوروبية وعطور وروائح فرنسية وربطة عنق أجنبية. ونسوا أنها أمانة وإأها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. المسؤولية أمام الله وأمام الناس تكليف لا تشريف. ليست المسؤولية نزهة خلوية في ليلة قمرية على شواطئ المصايف الليلية. هي كالدين، هم بالليل وذل في النهار. كيف يهنأ أي مسؤول أيا كان موقعه صغيرا أم كبيرا، وزيرا أم غفيرا بلذاتها، وأمامه وخلفه وعن يساره ويمينه، ومن تحت قدمه ومن فوق رأسه ملايين العاطلين من الشباب. ملايين المرضى الذين لا يجدون ثمن العلاج، وملايين تحت خط الفقر، وملايين الأميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون.
وملايين يسكنون القصور وآخرون يفترشون أرض القبور. كفاكم أيها المسؤولون في مواقعكم المختلفة قول الله تعالى «وقفوهم إنهم مسؤولون،» أرأيتم كيف…؟ فهمها عمر بن الخطاب وخاف منها وارتعدت فرائصه من تبعاتها. عندما مرض رضي الله عنه يوما ما، فوصفوا له العسل كدواء. وكان بيت المال فيه عسل جاء من البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما وصف الأطباء، إلا بعد أن جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس وقال لهم «لن أستخدمه إلا إذا أذنتم لي، وإلا فهو عليّ حرام. فبكى الناس إشفاقا عليه.. وأذنوا له جميعاً «.
سجن أم الدنيا
الطريقة التي جرى بها التعامل مع ليليان داوود، مؤخراً أغضبت الكثيرين من بينهم حسام مؤنس في «التحرير»: «توجهت قوة أمنية لمنزلها بعد ساعات قليلة من إعلان إنهاء تعاقدها، واقتيدت لمطار القاهرة، من دون حتى أن تتمكن من أخذ متعلقاتها الخاصة باستثناء حقيبة يد، ومنعها من الاتصال بمحامين أو أصدقاء لها، وترحيلها على أول طائرة مساء اليوم نفسه لتعود إلى بيروت، وترك ابنتها الوحيدة التي تحمل الجنسية المصرية، ويرى الكاتب انه حتى إن كانت المبررات القانونية التي تقدم غطاء لهذا التصرف صحيحة، رغم أن هناك الكثير من التعليقات حولها في حالة ليليان داوود، التي امتنعت السلطات عن تجديد إقامتها طوال الشهور الماضية، رغم أنها كانت لا تزال على قوة العمل في القناة، ورغم أن لديها ابنة مصرية، ومن هنا فقد كانت الطريقة تعبر بوضوح عن تعمد الإهانة، واستخدام للمبرر القانوني في تصفية الحسابات السياسية لدى بعض الأطراف في السلطة، التي ترى في الإعلامية اللبنانية صوتا مقلقا لها أو مختلفا مع توجهاتها، وهنا تبدو القضية متجاوزة هذه الحالة التي تعد رغم فجاجتها غيضًا من فيض، لتمتد إلى المنهج ومن وراءه، فقد أهانت تلك الطريقة مَن مارسوها وفكّروا فيها ومثلت لهم فضيحة بأيديهم لا بأيدى غيرهم، وخطيئة في حق الدولة كلها التي تسارع إلى ترحيل إعلامية بمجرد إعلان انتهاء تعاقدها مع القناة التي تعمل بها، ثم يعود البعض ليحدثك عن حرية الإعلام والإعلاميين، وعدم التدخل في شؤونه أو في توجهاته! ويؤكد التدخل في شؤون الإعلام، وتوجيهه، وتعمد التضييق على أي أصوات مختلفة فيه، له دلالات أكثر من أن تعد وتحصى خلال العامين الأخيرين، وتكفي متابعة موقع كثير من الإعلاميين ومقدمي البرامج الذين كانوا يملأون شاشات القنوات الخاصة قبل 30 يونيو/حزيران وبعدها بأشهر قليلة وأين ذهب كل منهم، كما يمنع من السفر كثير من الناشطين والحقوقيين وغيرهم، لتتحول مصر بالتدريج إلى سجن قد الدنيا».
شهر المغفرة
يحتفل المسلمون الليلة بليلة القدر وهو ما دفع أحمد عمر هاشم في «الأهرام» ليذكرنا بفضلها: يرى بعض العلماء أن معنى القدر الذي أضيفت إليه الليلة هو التعظيم، كقول الله سبحانه وتعالى «وما قدروا الله حق قدره». فهي ذات قدر وتعظيم لما نزل فيها من القرآن الكريم.. أو أن العظمة والقدر لما يحدث فيها من نزول الملائكة، وأيضا لما ينزل في هذه الليلة من رحمات الله تعالى وبركاته وغفرانه وفيوضاته، أو أن الذي يحييها يصبح ذا قدر وشرف ومنزلة كريمة. والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا» أي تصديقا بوعد الله تعالى بالثواب، فقد وعد رب العزة بثواب الصائمين وتكفل به، كما جاء في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به واحتسابا أي طلبا لوجه الله سبحانه وتعالى وثوابه، وطلبا للأجر لا لشيء آخر من رياء أو نحوه.
والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به. وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: غفر له ما تقدم من ذنبه ما يفيد الإطلاق فيشمل الصغائر والكبائر. والمعروف أنه يختص بالصغائر، وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة النصوح بشروطها وهي: الندم على ما فات، والعزم على عدم العودة والإقلاع عن الذنب، ورد الحقوق لأصحابها. وفي بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لجزاء الصائم بغفران الله له ما تقدم من ذنبه، قيد هذا الجزاء بأن صيامه «إيمانا واحتسابا» لينفي عن ساحة الصائم الرياء وحب الظهور وغير ذلك من الدواعي التي تقلل ثواب العبادة، بل أحيانا تحبطها».
حسام عبد البصير