البشر حائرون: فيم يتقاتل المسلمون؟

في محاولة فهم القضية الأليمة والمحيرة التي سمتها «القدس العربي»، في افتتاحيتها قبل أيام، بـ»النكبة العربية الكبرى» نشرت مجلتان فرنسيتان أخيرا ملفين موثقين عن علاقة حاضر العرب والمسلمين البئيس التعيس المتشظي بما حفل به تاريخهم من نزاعات وتناقضات لم تحسم، ولم يعد من السهل أن تفهم. اهتمت مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» ببحث سؤال: «لماذا يتمزق الإسلام؟» (أي لماذا يتقاتل المسلمون؟)، بينما اهتمت مجلة «لوبوان» بالعرب و«جذور مأساة اليوم».
وقد تزامن نشر ملف «لماذا يتمزق الإسلام» مع تنظيم لونوفيل أوبسرفاتور ندوة في تونس استغرقت يومين بعنوان «أيام تونس: تحديات الديمقراطية».
وتنظيم ندوات «الأيام» في مدن مختلفة وحول قضايا متنوعة سنّة دأبت عليها هذه المجلة منذ أعوام. وقد كتب رئيس التحرير ماتيو كراوسندو عقب انتهاء الندوة، في افتتاحية بعنوان: «لا بد من مساعدة تونس»، أن «المشاركين من الأوروبيين أعربوا عن إعجابهم بما تم إحرازه من تقدم. فأجاب التونسيون المهذبون: الآن بالضبط صرنا نحتاج لكم». وتساءل: «ماذا ننتظر للانتقال من الأقوال إلى الأفعال؟ على هذا الجانب (الأوروبي) من المتوسط، تكثر الحكومات من خطب التشجيع والكلام المعسول. أما هناك، فإنهم ينتظرون أعمالا ملموسة، أي إقبال المستثمرين وقدوم كثير من السياح. لا يسع فرنسا وأوروبا الاكتفاء طويلا بترديد عبارات التأكيد على مدى أهمية نجاح هذه التجربة الديمقراطية التونسية الفتيّة بالنسبة لحسن سير الأمور في العالم. بل إن عليهم إثبات ذلك، وبسرعة. إذ إن الأمر يتعلق بإنقاذ الديمقراطية في المنطقة. إنه يتعلق بقدرة بلد صديق على البقاء!»
أما قبل الندوة، فقد كتب مؤسس المجلة جان دانيال أن تونس «بلد متوسطي، ذو رمزية عالية، حيث أن أساطيره تقرّبه من اليونان (المرجح أن المقصود هنا هو ديمقراطية نظام الحكم أثناء العهد الفينيقي، وثناء أرسطو على دستور قرطاج). إنه بلد له الحجم الذي كان يحلم به جان ـ جاك روسو لإقامة جمهوريته المثالية. وهو مصدر عديد من المساعي الرامية لإصلاح الإسلام (المقصود طبعا هو إصلاح الفكر أو الخطاب الديني). إنه أقل البلدان عنفا وأكثرها فنّا في مغرب (عربي) يبدأ في موريتانيا وينتهي في برقة. ثم بفضل هذا اللقاء العجيب بين رجلين مثل بورقيبة ومنداس فرانس، ارتمى هذا البلد في الحداثة انطلاقا من أولوية التخلص من الاستعمار الفرنسي». 
ولا يتردد جان دانيال ـ الذي شارف الخامسة والتسعين من العمر، حيث كان مولده في الجزائر بعد سبعة أعوام من مولد صديقه ألبير كامو ـ في القول «إنني لست موضوعيا عندما أتحدث عن هذا البلد (تونس) الذي تشجني به مشاعر كأنها الجذور». ثم يذكّر بأن «المفكر العربي محمد أركون اكتشف في ممارسة العرب للسياسة قبل الإسلام أنه لم تكن هناك بالطبع انتخابات، ولكن كان هناك تداول للرأي بين الملأ» (يبدو أن المقصود هو المشاورات التي كانت تعقدها قريش في بيت الندوة)». 
أما في بحث سؤال «لماذا يتمزق الإسلام؟»، فإن الباحث جان ـ بيار فيليو ينبه القارئ الغربي، العارف بـ«الحروب الدينية» التي اندلعت بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السادس عشر، أن الصراع بين السنة والشيعة ليس أزليا، مثلما يظن في العادة، وإنما هو «صراع حديث جدا». حيث أن الحروب التي وقعت بين السلطنة العثمانية والدولة الصفوية، التي أسست عام 1502، لم تكن حروب شعوب أو مذاهب بل كانت مجرد حروب بين حكام. وقد ظلت الحدود بين الامبراطوريتين (التي هي تقريبا الحدود ذاتها الفاصلة اليوم بين العراق وإيران) طيلة القرون التالية «من أكثر الحدود استقرارا في العالم الإسلامي».
 وتذكّر الباحثة صبرينا مرفين أنه لما تحالف السلطان العثماني مع ألمانيا في بدء الحرب العالمية الأولى وأعلن الجهاد ضد روسيا وبريطانيا وفرنسا، فإن علماء الحوزة في النجف كانوا أول من لبى النداء.
وتشير المجلة إلى أن عالما من علماء الشيعة هو الذي أم المصلين في المسجد الأقصى أثناء مشاركتهم في المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس عام 1931 بمبادرة من مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني والزعيم التونسي الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وتعلق المجلة بأن هذا «حدث غير قابل للتصور اليوم». 
صحيح. إلى درجة أن من الصعب التذكر الآن أن المسلمين اتحدوا أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، فاستجاب الشيعة منهم لدعوة «حزب الله» بأن يؤدي الجميع صلاة الجمعة في بيروت خلف عالم الدين السني فتحي يكن رحمه الله. 

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية