الناصرة – «القدس العربي»: مؤخرا بادرت جمعية أبناء البصة بتنظيم مهرجان «للبصّة حنين وإلها راجعين» داخل بلدة كفر ياسيف في الجليل، وفيه التم شمل الكثيرين من أهالي البصة المنتشرين في البلاد كمهّجرين في وطنهم وبمشاركة فلسطينيين آخرين من الداخل. اشتمل المهرجان على معرض صور لأهالي البصة قضاء عكا قبيل نكبتها وهم في منازلهم ومزارعهم، كما عرض فيلم ومسرحية، وقدمت فقرات فنية بعد كلمات لأهالي البصة من الوطن والشتات التقوا على مبدأ التمسك بحق العودة.
كانت قرية البصة تقوم على السفوح الجنوبية لجبل المشقح الفاصل بين لبنان وفلسطين، وقد دمرتها إسرائيل عام 1948 وحولت مواطنيها إلى لاجئين ومهجرين في الوطن والشتات وعلى أنقاضها قامت مستوطنة شلومي.
شارك في المهرجان وفد من لجنة الدفاع عن المهجرين في الداخل والشيخ الصوفي عبد السلام مناصرة ابن قرية ندور المهجّرة قضاء الناصرة. وفي كلمته قال إنه يكبر إسرائيل بسبع سنوات وإن بلدته كنعانية جذورها ضاربة في عمق التاريخ. وعبّر عن أمنيات أجياله من المهجّرين داخل وطنهم (ربع فلسطينيي الداخل مهجرّون في وطنهم) بقوله إن أمنيته الكبيرة ما زالت العودة حيا أم ميتا لموطنه الصغير الذي تعني تسميته الكنعانية «عين الزمن». ودعا الشيخ الصوفي إسرائيل إلى التوقف عن منع اللاجئين والمهجرين من العودة لقراهم، وقال: «سنعود يوما وسيكون هذا عرس الأعراس ولن ننتقم من اليهود». كما عبّر الأب فوزي خوري من قرية فسوطة في أعالي الجليل عن لهيب حلم العودة للأوطان بإشارته لسحر قرية البصة وتميزها برقي وطيبة أهاليها رمز العلم والثقافة والتآخي الإسلامي المسيحي.
من جانبه تطرق الأب خوري إلى تحويل مسجد وكنيسة البصة إلى حظيرتين للأبقار وحرمان الأهالي من ترميمهما وصيانتهما. ودعا إلى عدم الاكتفاء بتحرير الكنيسة الكاثوليكية وموافقة السلطات الإسرائيلية على ترميمها، بل مواصلة النضال من أجل ترميم بقية الكنائس في البصة والمسجد أيضا باعتبارهما جزءا من التراث الوطني والإنساني. وتابع «علينا أن نقاتل سوية للدفاع عن مقدساتنا وتراثنا والتصدي للمتساوقين مع المخططات الإسرائيلية بفصل المسيحيين الفلسطينيين عن شعبهم وتحويلهم إلى عملاء أو أشباح».
وعرض في المهرجان فيلم وثائقي عن البصة بعنوان (أبو سليم وتستمر الحكاية) احتوى على صور نادرة وشهادات شفوية لشيوخ وسيدات استعادوا ملامح الحياة الريفية الوادعة في منطقة الجليل ذات الطبيعة الخلابة. يوضح الفيلم الذي أعده أحفاد المهجرين من البصة المتبقين في الوطن أن القرية كانت لبنانية حتى اتفاقية سايكس بيكو في 1916 التي جعلتها تابعة لفلسطين. الفيلم الذي يستعرض مشاهد وشهادات نادرة ترافقها موسيقى وأشعار بالعامية كتبها ابن البصة المهندس بشارة واكيم.
ويتساءل واكيم، وهو أحد معدي الفيلم، ماذا لو نجت البصة من يد الغدر والتدمير؟ ويجيب إنها «ستكون واحدة من منارات العلم والثقافة والتجارة واللحمة الوطنية تضاهي مدينة الناصرة بمكانتها وتعداد سكانها».
ويضيف واكيم، الذي ولد في قرية فسوطة الجليلية التي لجأ لها والداه بعد النكبة لـ «القدس العربي» ان البصة شعلة حنين لا تنطفئ، موضحا أن هناك من فارق الحياة وهو ينتظر العودة لها، وهناك من باتت أمنيتهم اليوم أن يدفن في ترابها لجانب والده أو والدتها وهذا ما دفعني للمساهمة في إحياء البصة وتراثها واكتشفت أن ذكريات أهلها لا تطفئ حنينهم لها بل تؤجّجه. ويتابع: «سنحول المهرجان لتقليد سنوي لترسيخ قناعتنا بالعودة وتأهيل أبنائنا لمواصلة حمل راية الحق والنضال من أجل استعادته ومواجهة مخططات الطمس ورهانات النسيان».
وعبر الفنان جمال الياس عن حنين الذكريات بوصلة فنية عازفا على العود مقدما أغنية من كلماته يقول مطلعها: باب نايم ومخزق.. من قلبه طل الزنبق… دايره مكسور وريحته بخور.. ومن قلبه شع النور.. وبتراب الأرض تعلق..».
وفي أغنية ثانية يقول جمال الياس «خذني على البصة مشوار واحكيلي شو بأهلك صاير.. لمن أدور على الحارة.. وغطتها الحجارة.. سمع الجامع يبكي محوّط سياج يشكي.. مع تكبير وصوت جراس… «.
إلى ذلك تحدث، عبر السكايب، للمؤتمرين في كفر ياسيف عدد من أهالي البصة في الشتات منهم إحسان الجمل من لبنان الذي أكد تمسك اللاجئين بحق العودة وتابع « لا تخافوا علينا رغم الأمواج العالية والعواصف العاتية لأننا لن نقبل بأقل من العودة إلى فلسطين». وتحدثت سفيرة فلسطين في بودابست أنطوانيت خليل الحلس ابنة البصة فقالت إنها تحس وهي تتحدث لأهل البصة بالهاتف كالطفلة التي أضاعت أهلها ولقيت أمها وارتمت في أحضانها. وأعلنت السفيرة عن تلبية الفاتيكان لطلبها بتحمل نفقات ترميم كنيسة في البصة تمت استعادتها بعد مسيرة قضائية مضنية ورددت السفيرة بيتا من شعر محمود درويش «يا أمنا انتظري أمام الباب إننا عائدون..».
وتواصل أحد أهالي البصة المقيمين في الولايات المتحدة ت مع المشاركين في المهرجان وكشف عن وجود 25 فلسطينيا من مواليد البصة في ميتشيغان و 75 من أبنائهم من مواليد لبنان و 100 من أحفادهم ممن ولدوا في أمريكا وهم جميعا يحافظون على تواصل ويقيمون احتفالات برعاية جمعية خاصة بهم تعنى بتعريف الأجيال على قرية البصة وتحثهم على زيارتها والعمل من أجلها.
واعتبر المحامي واكيم واكيم أن مشاركة عدد كبير من الشباب والأطفال في المهرجان دليل على فشل النظرية الصهيونية حول موت الكبار ونسيان الصغار.
وديع عواودة