الرياض ـ «القدس العربي»: تكثر التكهنات في المملكة العربية السعودية، لاسيما بين المقيمين فيها، حول نظام «البطاقة الخضراء» الذي أعلن ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن نية الحكومة السعودية منحها خلال السنوات الخمس المقبلة للمقيمين في المملكة.
ولكن لم تتضح حتى الآن ملامح هذا النظام الذي سيحل مشاكل عديدة لعشرات الآلاف من المقيمين منذ سنوات طويلة في السعودية، وليس لهم أي بلد آخر يلجأون إليه سوى المملكة التي هاجروا إليها وولد وتربى وتعلم أبناؤهم فيها.
والتكهنات التي تدور حول نظام «البطاقة الخضراء» في الحقيقة تعبر عن آمال، ولكن لم يتضح أي شيء بشأن هذا النظام، حتى ان وزير العمل مفرج الحقباني، حين سئل عن نظام «البطاقة الخضراء» أجاب بان ليس عنده أي معلومات وان وزارته بانتظار التعليمات حول دورها في تطبيق هذا النظام. الأمير محمد بن سلمان أشار إلى ان «البطاقة الخضراء» ستعطي المقيم حق الاستثمار في المملكة ، وهذا ما يأمله الآلاف من المقيمين الذين استطاعوا ان يوفروا مبالغ مالية خلال عملهم في المملكة تسمح لهم بالاستثمار، حتى يستطيعوا الاستمرار في الاقامة والعيش في السعودية.
و»البطاقة الخضراء» المزمع منحها للمقيمين في السعودية هي على غرار البطاقة الخضراء «الغرين كارد» التي تمنح للمقيمين النظاميين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بموجب البطاقة الخضراء يحصل حاملها على إقامة دائمة في الولايات المتحدة (قد تؤهله للحصول على الجنسية الأمريكية) ويمنح الحاصل عليها حق العمل والاستثمار والتعليم، مقابل ان يدفع ضرائب للحكومة مثله مثل المواطن الأمريكي.
بالطبع في المملكة قد لا يكون الوضع مماثلا، لاسيما انه لا توجد ضرائب، ولكن من الممكن ايجاد نظام ضريبي، مثلما هو مطبق على شركات الاستثمار الأجنبية.
والغريب انه في الوقت الذي كانت وما زالت تسعى فيه السلطات السعودية لتشجيع الاستثمار الأجنبي داخل المملكة، ممنوع على المقيمين فيها الاستثمار، وكثيرون منهم لجأوا إلى انهاء اقاماتهم والعودة بتأشيرة «استثمار» جديدة.
وفي الوقت الذي يشكو فيه الإعلام السعودي من التحويلات المالية «الضخمة» للعاملين والمقيمين في المملكة إلى دولهم، لم تشجع السلطات السعودية هؤلاء على الابقاء على عوائدهم المالية في المملكة، مثلما يحصل في دبي والإمارات بشكل عام، وتقول التقديرات المبالغ فيها ان حجم هذه التحويلات يصل إلى 20 مليار دولار سنويا.
فمثلا من الغريب انه في الوقت الذي تشجع فيه دول أخرى الأجانب على تملك العقار، بل وتقدم لهم عروضا مغرية، كانت السلطات السعودية تمنع المقيمين من تملك العقار، وقبل سنوات سمحت للمقيم تملك عقار واحد يسكن فيه، ولكن التعقيدات الإدارية والأمنية تجعل ذلك صعبا على المقيم.
كل هذه الموانع كانت أسبابها «قصيرة النظر» في رأي رجل الأعمال السعودي احمد العنزان الذي اوضح ان سببها «الخوف من شطارة وخبرة المقيم غير السعودي في التجارة وإدارة الأعمال».
ولكن العالم تغير الآن، والسعودي أصبح أكثر كفاءة ودراية تجاريا وإداريا ويستطيع ان ينافس في مجال الاستثمار المالي وإدارة الأعمال، لذا لم يعد هناك مبرر للخوف من الأجنبي، بل بالعكس يجب تشجيع الأجنبي لاسيما إذا كان مقيما على استثمار مدخراته في المملكة بدلا من ان يحولها إلى بلاده.
ويرى أحد رموز الجالية الأردنية في السعودية طايل خير الذي قدم للمملكة منذ نحو خمسين عاما «ان هذا يتطلب إعادة النظر في أنظمة العمل والإقامة في المملكة لاسيما للمقيمين سنوات طويلة فيها الذين عملوا باخلاص فيها وشاركوا المواطن في بناء بلده، وهؤلاء يكنون كل الولاء والود لبلاد عاشوا فيها وولد أبناؤهم وتربوا ودرسوا فيها، فللاسف يعامل المقيم منذ عشرات السنين – نظاميا – مثل الوافد الأجنبي القادم من يومين للمملكة».
والمقيم في المملكة لا يشعر انه مستقر في حياته ومعيشته لانه في ظل نظام توطين و»سعودة « الوظائف من الممكن ان لا يجدد تصريح العمل له وبالتالي لا تجدد إقامته ومطلوب منه ان يرحل.
لذا ترى قليلا من المقيمين ممن يعيشون باستقرار معيشي يسمح لهم بان يحولوا أموالهم إلى الخارج لاسيما في ظل مبدأ «من لا عمل له لا إقامة له» وفي ظل ما قاله وزير العمل الحالي «نريد من المقيمن الذين عاشوا بيننا وعملوا عندنا بعد هذه السنوات ان يعودوا إلى بلادهم بالسلامة».
حتى ان الحديث عن المقيمين – للأسف – لم يكن يرد في الخطاب السعودي (سوى أحيانا حين كان الملك سلمان يتحدث حين كان أميرا لمنطقة الرياض عن انه يجب ان «لا ننكر دور مقيمين ساهموا معنا في بناء بلدنا)، والإعلام السعودي الذي كان يتحدث عن مشاكل المواطن وهمومه، لم يتحدث عن هموم المقيمين إلا نادرا، بل كان يتحدث عن «المشاكل التي يسببها المقيمون».
ولكن يبدو انه مع العهد الجديد في المملكة والانفتاح الذي يريد ان يحققه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لاقامة الدولة السعودية القوية، تغيرت الأمور، والذي يطالع نص بنود «رؤية السعودية 2030 « يلاحظ انه في العديد من فقراتها هناك حديث – ولأول مرة – عن المقيمين، وعن توفير وطن آمن ومستقر»للمواطن والمقيم» وعن توفير الترفيه «للمواطن والمقيم «.
ولاشك ان تفكير الدولة السعودية بمنح المقيمين «البطاقة الخضراء «- التي لاشك انه ستوضع لها شروط – يعكس النظرة الإنسانية والواقعية للملك سلمان نخو مقيمين خدموا المملكة وشاركوا المواطن السعودي في بنائها، وهذه النظرة عبر عنها الملك سلمان في بداية عهده حين قال «هناك مقيمون عملوا معنا وشاركوا في بناء المملكة، وهؤلاء يودون الاقامة عندنا فأهلا وسهلا بهم بيننا».
ولاشك ان منح المقيمين «البطاقة الخضراء» ممن تنطبق عليهم الشروط هو الترجمة العملية لكلام الملك سلمان، وما يأمله المقيمون في المملكة ان يتم وضع نظامها والعمل بها قريبا.
سليمان نمر