البلم الذي لا يغرقك ينفيك

حجم الخط
0

خمس سنوات مضت
تعلمت فيها الكثير
سافرت… نفيت…
استوطنت مدنا هي بالكاد تستوعب أهلها
فكيف بي أنا اللاجئ؟
تعلمت أن الموت ليس بالضرورة انقطاع
النبض.
من الممكن أن نتنفس ونحن أموات!
هي معلومة يجب إضافتها للموسوعة الطبية .
مشيت على خطى أسلافي المنفيين
أن تسافر إلى المجهول بدون حقائب
هي الخطوة الأولى كي تكون لاجئا
في هذه البلاد البلاستيكية بكل شيء
حتى الهواء يمر بأجسادنا ..
ولسان حاله يقول :
لا تستحقون النسمة التي تتنفسون
الطرقات تكرهنا ..
المباني تتقيؤنا ..
شاخصات الطرق تدلنا على الأماكن الخاطئة
حتى نحن نكره أنفسنا ونحاول خنقها ليلاً
وهي نائمة
تحت جسر أو في حديقة عامة والبحر… ياه ه

من البحر.. كان رحيماً بأرواحنا
هناك على الشاطئ حيث لا تجد إلا سترات
النجاة
تنجينا من الموت تحت الأنقاض الخشنة على
أجسادنا
لتدفننا بمياه ناعمة طرية
تموج كسريري الهزاز الذي ورثته عن أخي
على الشاطئ .
لوحة مكتوبة بدماء السابقين
«من هنا طريق المنفى»
«عزيزي النفر
البلم الذي لايغرقك ينفيك «
«الوطن ليس فندقا نهجره عندما تسوء الخدمة»
«مع تحيات إخوتكم اللاجئين القدامى «
حتى هم يكرهوننا ويتمنون لنا الحياة
فالموت دائماً رحمة
الفنادق لا يهجرها إلا المفلسون
في مدينتي حيث التقطت أنفاسي الأولى
والأخيرة
لا يوجد فندق.. المرتحلون يقظون
يفترشون قطعة القماش التي تستر عوراتهم
ويلتحفون النجوم
قبل الخمس سنوات الماضية
أقامو لنا فندقا بأربعة طوابق يطل على كراج
لحافلات السفر
ليبقى المقيم في الفندق في حالة تأهب نفسي
للمغادرة
لم ينعم أحد بالإقامة هناك
سوى صاروخ احتل جناحا في الطابق الثالث
وأعاد تشكيل واجهة البناء بما يليق
بالحرب
ومايزال صامدا يحتفظ ببقاياه
ليصبح سجنا لا يمكن هجره عندما تسوء
الخدمة
ويردد في سره
الوطن سجن كبير نهجره عندما تسوء الخدمة

…….
اليوم
نتكاثر
على رصيف ممزق
كجراد حقل
نستجدي ابتسامات عطف من المارة
لا يعرفوننا ..
لا يتحدثون لغتنا
ولن نتحدث لغتهم
نحن مليونان ونصف
صخرة نتعثر ببعضنا
نتدحرج إلى المجهول
ونرتطم بسلك شائك
يمنعنا
من العودة إلى حيث اقتلعنا
لا شيء جديد
سوى أني أرش الرذاذ في عيون الوقت
وأحمل عقارب الساعة
صعوداً ونزولاً
أعدُّ المحطات لكي أقول في كل محطة
أنا مازلت حياً
الوقت كالسيف
يقطع رقاب الأبرياء
الوقت كذبة خلقت لكي نتعجل في الحلم ليلا
قبل الاستيقاظ
لكي نتعجل بفطورنا صباحاً لكل ثانية لقمة
وغصة
الوقت سياط في أيدي مراقبي الدوام
ولص يسرق اللحظات الجميلة من جيوب العشاق
الوقت كالسيف إن لم يقطعك
قطعك
آه ما أجمل ذلك النص الذي تكتبه
وأنت فاقد لقواك العقلية والجسدية
ومتحرر من سلطة العاطفة
تكتبه بروح مجردة من الأحلام
وعقل فارغ إلا من علبتي بيرة لا تمسها
ابتسامات
القارئ الصفراوية
هكذا يكتب الشعر ياعزيزي
من الفراغ الساكن في غرائزنا

٭ كاتب وشاعر من سوريا

البلم الذي لا يغرقك ينفيك

حسين الضاهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية