أهم ما يميز النقد الأدبي المعاصر أنه يفيد في مناهجه الفكرية وفلسفته السيكولوجية الإطار المعرفي للعلوم الإنسانية جميعها، لإبراز الأهمية الأساسية القائمة على تحليل النص الأدبي وفق ما يتناسب مع تطلعات الناقد والقارئ، سواء أكان يعكس هذا النص حياة صاحبه، أم بما كان لحياة المبدع من أثر في طبيعة النص.
ومما لاشك فيه أن التعامل مع النص وفق المعطى النفسي لدى الكاتب يقتضي المزيد من سبر منظومة الصيغة الفنية التي تحمل في ثناياها رؤية لعالم الإنسان الخفي، هذا الإنسان المبدع الكامن في مدارات الحياة، موضوع تواصل واتصال يحاكي لدى الدارس ضرورة استدعاء تجليات اللاشعور عبر الاستفادة من معاناة المبدع التي يكون حضورها فيضا ً متألقا يستمد قوته من الإحساس عبر وجود الذات في طبيعة هذا العمل الفني … هذا الأخير الذي يعدُّ شبكة دقيقة البنى من الحالات الانفعالية والتجارب اليومية التي عاشها أو عايشها في فترة زمنية معينة تقتضي اختزالها في نصوص أدبية فنية تتوافق وتجاربه وتطلعاته ومنجزاته، وفق جملة من التفاعلات والانفعالات المتداخلة ما بين الذات والعلاقة الزمكانية التي تربطه بها… فيصبح بذلك للفرد حضورا يمثله الواقع وبنية تؤطرها معطيات فطرية وأخرى مكتسبة، لأن تأويل النص في إطاره النفسي يقتضي التسرب داخل نفسية صاحبه عبر الأثر الفني، لما لذلك من رموز واستنباط واستحداث واستدلال وتعليل، بغرض معرفة مدى العلاقة بين العمل الأدبي ومبدعه، لما لذلك من دور أساس في استجلاء القيمة النفسية في النقد العربي المعاصر، من خلال استكشاف معالم السيرة الذاتية، وما له من معطى يرفد وعي التشكيل الفني للقصيدة وبحثا عن الملامح النفسية لطبيعة النص الذي تحركه شبكة العلاقات الخارجية والداخلية للذات المبدعة.
وبالتالي فإنّ التوقف عند الأبعاد النفسية لجمالية الصورة في القصيدة الحديثة يجعل العملية الإبداعية للقصيدة المعاصرة من منظور نفسي أكثرَ تأثيرا في ذات المتلقي، إضافة إلى إسهام جمالية الصورة التخيلية في نقل مشاعر الذات المبدعة وما يكتنفها من صراع داخلي يشكل العاطفة السائدة لعظمة خيال المبدع .. كما نستنتج أن العمل الأدبي ليس بمعزل عن العقل، فهو من العقل وإلى العقل، وإن أيّ نوع من الأدب يتمثل في النشاط الذي نبذله، أما القارئ فهو عنصر فعّال في عملية القراءة، الذي تتم داخل نفسه – عملية إعادة بناء العمل الأدبي وتشكيلـه ـ من جديد وفق المكونات الثقافيـة والنفسية والاجتماعية. أما المؤلف حسـب مقولة النظرية القديمة (الفن صناعة) فقد أثبتت الدراسات السيكولوجية للإبداع أن مؤلف العمل الأدبي ليس صاحب القول الفصل في تحديد معانيه، لأنّه يتحول بعد الانتهاء من إبداع عمله، الذي يتم غالباً في حالة من اللاوعي – إلى مجرد قارئ آخر لعمله، قد لا تزيد معرفته بالعمل الأدبي عن معرفة غيره به.
وثمة فلسفة راسخة أن الفكرة الأدبية تعبير أنطولوجي عن الظواهر البيئية التي تتشكل في منجزات صورية وذهنية تحيل على المحيط وقوانينه، وتعين على الوعي بهما ومن ثم السيطرة عليهما، وتأتي اللغة لتجسد الفكرة وتيسر تداولها تحدثاً أو كتابة، لتصبح بذلك على علاقة وطيدة بالبيئة النفسية للكاتب من خلالها، حتى تلتحم اللغة، أصواتاً ورموزاً، بالفكر.
٭ كاتبة مغربية
سناء الحافي