البنية عليلة والحبّ مبكر

حجم الخط
1

 

طفولة: خرجت من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبّلي. أمّي حاولت التخلص مني في الشهور الأولى من حملها بي. حاولت وكررت المحاولة، ولكنها فشلت.
تاريخ ميلادي ضاع في ضباب السنين. أسأل أمي، تجيب ضاحكة: كنت يومها أطهو «عكوب»، هذه شهادة ميلادك الوحيدة التي أحملها! وجدت أن سمات مواليد برج الحوت تنطبق بشكل غريب على طباعي وميولي، فوضعت نفسي في برج الحوت.
لم تكن الظروف الحياتية التي عاشتها طفولتي مع الأسرة لتلبي حاجاتي النفسية، كما أن حاجاتي المادية لم تعرف في تلك المرحلة الرضى والارتياح. لقد ظللتُ أتلهف للحصول على دمية تغمض عينيها وتفتحهما، وكنت أستعيض عنها بدمية تصنعها لي خالتي أم عبدالله أو ابنة الجارة علياء من مزق القماش وقصاصاته الملونة. حتى تلك الدمى توقفتُ عن التعامل معها منذ زجرتني أمي بقولها: «مسخك الله، كفاك انشغالا بالدمى، لقد كبرت». كنت يومها في الثامنة من عمري!
ولم أكن أحبّ ملابسي، لا قماشاً ولا تفصيلاً، فقد كانت أمي تخيطها بنفسها، ولم تكن تتقن هذه الصنعة. أما بنيتي فكانت عليلة منهكة بحمى الملاريا التي رافقت سني طفولتي. وكان شحوبي ونحولي مصدرا للتندر والفكاهة وإطلاق النعوت الجارحة علي: تعالي ياصفراء.. روحي ياخضراء !
كنت أسمع عن أشياء مثيرة تميز ليلة القدر دون سواها من ليالي العام، كانفتاح السماء للدعوات التي تصعد من القلوب الملهوفة فتُستجاب. وهكذا كنت أنزوي في ليلة القدر عند ركن في ساحة الدار المكشوفة أو عند شجرة من أشجار النارنج، وأرفع وجهي إلى السماء ضارعة إليها أن تجعل لخدّي لوناً جميلاً مشرباً بالحمرة، حتى يكفوا عن تسميتي بالصفراء والخضراء! كنت أتلهف للحصــــول على شيء غير الطعام: «حلق» ذهبي أو سوار أو فستان جميل ثمين أو دمية من دمى المصانع.. كنت أتلهف للحصول على حبّ أبوي واهتمام خاص وتحقيق رغبات لم يحققاها لي في يوم ما.
كثيرا ماسمعت أمي تذكر طرائف ونوادر عن طفولة أخوتي، مما كان يثيرنا نحن الصغار فنضحك. وكنت أنتظر أن تروي شيئاً عن طفولتي، ولكن دوري لم يأت قط. فأبادرها بالسؤال بلهفة طفولية: إحك لنا يا أمي شيئا عني، ولكنها لم تكن لتبلّ غليلي ولو بذكر طرفة تافهة، فأنكمش في داخلي، وأحس بلاشيئيتي، أنني لا شيء وليس لي مكان في ذاكرتها (…)
في هذا البيت وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة «الحريم» الموؤدة فيه، انسحقت طفولتي وصباي وجزءا غير قليل من شبابي.

مراهقة

حين وصلت سن البلوغ، كنت قد تعافيت من حمى الملاريا، وسعدت بنعمة العافية، ولفت نظري تفتّح جسدي.. خفت وخجلت.. أربكني نموّ صدري الذي أصبح الآن ملحوظاً، فكنت أعمل على إخفاء هذا النمو، ورحت أراقب الأمر كله بحياء شديد، كما لو كنت ارتكبت ذنباً مخجلاً أستحق عليه أشد العقاب.
وجاء الربيع، وعرفت هذا الشيء المسمّى حبّاً.
امتلأت الأعماق بعطر زهرة الفلّ الغامض العجيب، وحرّك مشاعري شيء يستعصي على التفسير. وراح القلب يذوب تحت تأثير أغاني محمد عبدالوهاب المترعة بالعاطفية: «تعاليْ نُفني نفسينا غراما».. «منك ياهاجر دائي».. «قلب بوادي الحمى خلّفتِه رمقا»..
فقدت شهيتي للطعام، وعرفت الأرق الجميل، المليء بالأخيلة والتصورات الهانئة، ولأول مرة عرفت كيف يغطي وجه انسان ما كل الوجوه الأخرى، ويكتسح الوجود بكامله. كان غلاماً في السادسة عشرة من العمر، ولم تتعد الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وإيابي، فما كان لمثلي أن تزوغ يميناً أو شمالاً، كانت الطاعة من أبرز صفاتي، وكنت مسكونة دائماً بالخوف من أهلي. كان التواصل الوحيد الذى جرى لي مع الغلام هو زهرة فلّ ركض إلي بها ذات يوم صبيٌ صغير في «حارة العقبة» وأنا في طريقي لبيت خالتي.
ثم حلت اللعنة التي تضع النهاية لكل الأشياء الجميلة. كان هناك من يرقب المتابـــعة، فــــوشى بالأمر لأخي يوسف، ودخل يوسف علي كزوبــــعة هائجة: «قولي الصدق». وقلت الصدق لأنجــــو مـــن قبضتي يوسف الذي كان يمارس رياضة حـــمل الأثقال. أصدر حكمه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يـــــوم مماتي، وهددني بالقتل إذا ما تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام. حملت عمتي وأفراد أسرة عمي منظارهم المكبر لينظروا من خلاله إلى الحادثة الصبيانية البريئة، فيعطوها حجماً أكبر من حجمها. شرعوا يسلطون عليَّ نظراتهم المتشككة ويحملون عني أفكارا جائرة. انزرعت في نفسي الغضة الطرية فكرة سيئة عن نفسي، خلقت فيّ عادة السير وأنا مطأطئة الرأس لا أجرؤ على رفع عينيّ نحو وجوههم التي كانت تلقاني صباح مساء بالعبوس والكراهية. لقد شوهوني أمام نفسي.
(٭) من «رحلة جبلية، رحلة صعبة: سيرة ذاتية» ـ الجزء الأول. دار الشروق، عمّان 1985.

رائدة.. في مرحلة شائكة

تمتعت الشاعرة الفلسطينية الراحلة (1917ـ 2003) بالحُسنَيَيْن: أنها كانت امرأة كتبت الشعر من قلب بيئة محافظة، ومن وراء أستار وأسوار بيت عريق تسيّجه تقاليد صارمة؛ وأنها كانت فلسطينية عاشت، قرابة ثلاثة عقود، تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. مكانتها المتميزة في حركة تطوّر الشعر العربي الحديث تتضح، خصوصاً، حين تُوضع نصب الأعين حقيقة أن تجربة طوقان تبدّلت وتحوّلت وتقدّمت تارة، وسكنت وجمدت وارتدّت طوراً، وذلك على امتداد خمسة عقود تقريباً.
وتكفي هنا إشارة أولى إلى أنّ صوت الراحلة كان منفرداً بالفعل، أيّاً كان الحكم على خصائصه ومعطياته، وكان خاصّاً بها وحدها في مرحلة شائكة من حياة الشعر العربي، حين لاح أنّ «شعر الريادة» نصّ واحد متماثل في الشكل، متقارب في الأسلوبيات الأساسية، متغاير بهذا القدر أو ذاك في الموضوعات والمضامين والأغراض!
وبهذا المعنى، ومع تحفّظ مبدئي طفيف على روحية التعميم، يمكن اعتبار رأي الشاعرة والناقدة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي واحداً من الآراء القلــــيلة التي وضعت تجربة طــــوقان في سياق سليم متحلل من ضغوط الفضيــــلة المزدوجة المشار إليها أعلاه: «في الخمسينيات والستينيات، استطاع كثـــير من الفلسطينيين (حيثما وجدوا أنفسهم) القيام بدور ناشط في خلق شــعر طليعي ونقد شعري. ولكن، في نهاية الأربعينيات كانت طاقتهم الإبداعية متجمّدة.
ولم يبق في الضفة الغربية من الأردن سوى صوت شعري مهم واحد، هو صوت ، أخت ابراهيم الصغرى. وفدوى فتاة رقيقة ذات موهية وخلق قوي، استطاعت خلال السنوات اللاحقة أن تواصل كتابة شعر يتميز بجزالة غير متوقعة وصدق عاطفي في معقل المحافظة في نابلس، حيث ولدت ونشأت. لكن وجهة نظرها لم تكن في ذلك الوقت من الشمـــولية، ولا دراستها من التمكن، بحيث يعينـــــها على القيام بدور رائد في التغيرات العــــامة فـــي الرؤيا والأسلوب التي كانت على وشك الحدوث، في الشـــعر العـــربي».
أعمالها الشعرية تعـــاقبت منذ مطلع الخمســـينيات: «وحدي مع الأيام»، 1952؛ «وجدتها»، 1959؛ «أعطنا حبّاً»، 1961؛ «أمام الباب المغلق»، 1967؛ «الليل والفرسان»، 1969؛ «على قمة الدنيا وحيداً»، 1973؛ «كابوس الليل والنهار»، 1974؛ «تموز والشيء الآخر»، 1978. وفي الأعمال النثرية: «أخي إبراهيم»، 1946؛ «رحلة جبلية، رحلة صعبة: سيرة ذاتية»، 1985؛ و»الرحلة الأصعب»، 1993. وقد تُرجمت أعمالها إلى لغات عديدة، بينها الإنكليزية والفرنسية.

فدوى طوقان

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية