مزار شريف (أفغانستان) ـ «القدس العربي»: في واحدة من أقدم الرياضات في العالم يُحدث الفرسان سحابة من الغبار قبل ركوب خيولهم والانطلاق بسرعة حيث يصطدمون ببعضهم بعضا.
إنها رياضة يتبارى فيها حصان ضد حصان وفارس ضد فارس وسوط ضد سوط. وفي مكان ما في منتصف هذا الجنون تقبع جثة عجل مقطوع الرأس على الأرض، هي ما يتقاتلون عليه. وهكذا يقضي سكان مدينة مزار شريف بشمال أفغانستان بعد ظهيرة يوم الجمعة. فشوارع المدينة خالية، لكن المنطقة المحيطة بالملعب، ليست سوى مساحة ترابية على أطراف المدينة، مكتظة بالناس، الذين يتابعون موسم البوزكاشي على قدم وساق.
وتعني البوزكاشي «شد الماعز» أو «جر الماعز» في اللغة الدارية، اللكنة الفارسية الأكثر شيوعا في أفغانستان، حيث تعتبر البوزكاشي الرياضة الوطنية. وفي بعض الأحيان يتم لعبها بجسم عجل، الذي يتحمل العنف بشكل أفضل من الماعز، وتستقطب الرياضة التي تقام كل يوم جمعة في فصل الربيع، مئات المشاهدين وعشرات المتسابقين. وتمارس هذه الرياضة في أفغانستان ودول أخرى في آسيا الوسطى منذ عدة قرون. ويقول بعض الناس إنها تعود إلى الأيام التي اجتاحت فيها جحافل جنكيز خان القرى على ظهور الخيول ويجرون النساء أو الماشية. وفي الوقت الذي تشبه فيه الرياضة لعبة البولو، وإن تم استخدام جثة بدلاً من كرة، إلا أن البوزكاشي أكثر خشونة وأشد خطورة. ويقترب عرض الفرسان في بعض الأحيان من السيرك، فيقوم المتسابقون بانتزاع جثة الحيوان، التي يمكن أن يصل وزنها إلى 40 كيلوغراما، من الأرض أو من أيدي المنافسين. ومن أجل الفوز، فإنه يتوجب على الفارس حمل الجثة حول علم عند أحد طرفي الملعب، ثم يقذف بها إلى داخل دائرة مرسومة بالطباشير، وهي بمثابة المرمى أو الهدف، أمام المدرجات في الطرف الآخر. ويتعين على المتسابق القيام بكل هذا خلال مقاومته لخيول الفرسان المتنافسين، الذين يحظر عليهم القيام بثلاثة أشياء فقط: ضرب المتسابقين الآخرين على الرأس، ومحاولة إلحاق الألم عمدا، والسيطرة على لجام الخصم.
ولا يوجد أي تشابه بين الأحصنة المشاركة، التي تخضع لتدريبات صارمة، وتلك التي تجول في الشوارع الأفغانية. فهذه تتراوح تكلفتها بين 10 آلاف إلى 40 ألف دولار. وألجمتها مطرزة بالألوان، وأغطية السرج الخاصة بها مصنوعة من السجاد المزخرف. واما الفرسان فالوضع مختلف، فلا يميزهم أي شيء فاخر. إنهم يرتدون قمصانا مبللة بالعرق تحت سترات مبطنه، وأحذية مغبرة. ولا يرتدي أحد خوذة، لكن بعضهم يرتدي قبعات سائقي الدبابات، تركة عقود من الحروب والصراعات شهدتها أفغانستان.
وانتقل فريق من الفرسان إلى منتصف الملعب في الوقت الحالي، ولكنهم سيعودون إلى المدرجات، حيث يكون المال. ويجلس رئيس البرلمان الإقليمي (الذي يملك سبعة خيول بوزكاشي) هناك على كرسي بلاستيكي، إلى جانب وزير سابق (ويملك هو الآخر عشرة خيول)، بالإضافة إلى تاجر قماش يرأس رابطة بوزكاشي الشمالية (وله ثلاثة خيول). وهم يرتدون قبعات مصنوعة من صوف الخراف الناعم ومعاطف شيبان مخططة باللونين الأخضر والأزرق التي تميز السادة (أو أمراء الحرب) في شمالي أفغانستان. على الأجناب، يقف حراسهم الشخصيين ومعم أسلحة آلية. ويخرج راكب من المشاجرة وينطلق بجثة العجل. ولا يضع لاعبو البوزكاشي المتمرسين الجثة عند رقبة الحصان ولكن يحملونها بأنفسهم أو يعلقونها على الحصان بأرجلهم. ويقوم الفارس بالوصول إلى المرمى أمام المدرجات مع الجثة. فالوزير السابق، مالك الحصان، يميل إلى الأمام ويقول شيئا بهدوء للمذيع. ويقول المذيع في الميكروفون: «سيحصل الفارس نجيب الله على 100 دولار مكافأة من السيد أيلاكي… الفرقة الغنائية ستؤدي أغنية الفارس نجيب الله، ونحن نقول مبروك!». ويرقص طفل في الغبار على الموسيقى، بينما ينطلق حصان بلا فارس إلى الشارع. وآخر، ذو عيون متسعة، يصعد إلى المدرجات. ويقول البعض إن البوزكاشي رياضة تعكس الفوضى في أفغانستان: الجميع ضد الجميع، حرب على ظهور الخيل. لكن الحرب الحقيقية في أفغانستان مميتة، فقد أودت بحياة أكثر من 10 آلاف مدني وحوالي 8 آلاف جندي العام الماضي فقط. ويقول رئيس رابطة البوزكاشي الشمالية، إنها تجعل الناس سعداء. إنه شغف يناسب الملوك. ويحصل الفائز على جثة الحيوان. فبعد كل السحب والشد، حيث يقال إن اللحم يصبح طريا للغاية.