واشنطن ـ «القدس العربي»: يسود اعتقاد في واشنطن ان الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا يملك أي أستراتيجية في سوريا وان سياسته تكتيكية فقط وهي هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» ولكن الإجراءات الروسية الأخيرة في البلاد أظهرت ضرورة الحاجة إلى استراتيجية فعلية. حيث تفيد التقارير بشكل يومي تصاعد الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى حد القيام باعمال عسكرية نيابة عن نظام الأسد.
التحرك الروسي في سوريا كشف في الواقع السياسة الفقيرة لأوباما في مكافحة الإرهاب والشرق الأوسط بشكل عام وتركيزها ببساطة على القضاء على تنظيم الدولة، هذه الضحالة في الرؤية أدت إلى ارتباك في واشنطن بطريقة درامية تقترب من الغطرسة والاهمال الشائن، ففي حين رد السكرتير الصحافي لوزارة الدفاع بيتر كوك على سؤال حول موقف الولايات المتحدة من الدعم الروسي ضد تنظيم الدولة بالقول ان الإدارة الأمريكية ترحب بكل من يريد المساعدة في التحالف ضد الجماعة المتطرفة، إلا ان السكرتير الصحافي للبيت الأبيض جوش ارنست قال في لهجة غير دبلوماسية ان الرئيس الروسي فيلادميير بوتين «يستميت» من أجل الجلوس مع أوباما وان طلباته المتكررة لعقد اجتماع مع أوباما تبرز مدى «جوعه» لعقد اجتماع كوسيلة لتعزيز مكانته على الساحة الدولية.
الإدارة الأمريكية تعتقد بشكل جازم وفقا لأقوال ارنست ان الروس أكثر يأسا وان اهتماماتهم الوحيدة هي اجراء محادثات مع أوباما مع الإشارة بطريقة جافة إلى ان أوباما لم يتخذ قراره بعد فيما اذا كان الأمر يستحق في هذه المرحلة التعامل مع بوتين، ولكن أوباما سيلتقي بالفعل بوتين رغم هذه التصريحات خلال اجتماعات اللأمم المتحدة المقبلة بعد أيام.
الطريف في الأمر ان أوباما يريد فقط مناقشة الموضوع الاوكراني مع بوتين وحث روسيا على الالتزام بوقف اطلاق النار في اوكرانيا، في حين قال الكرملين ان المحادثات ستركز على التعزيزات العسكرية الروسية في سوريا، وهكذا يظهر قادة العالم، أوباما وبوتين في مشهد مألوف مثل أطفال أصابهم العناد أمام قضية تهدد بتفجير منطقة الشرق الأوسط وربما تنذر بمواجهة كارثية بين الولايات المتحدة وروسيا.
وتأتى هذه التعليقات كعلامة على التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والعلاقة الفاترة بين أوباما وبوتين ولكن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري كان أكثر وضوحا بالتحذير من خطورة ما يحدث في سوريا بعيدا عن ردود الفعل الصبيانة من البيت الأبيض، حيث حذر كيري في أكثر من مناسبة من ان الدعم الروسي لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد قد يؤدي إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا. وقال ان التحركات الروسية الأخيرة يمكن ان تثير المزيد من التصعيد في الصراع ومن الخسائر في الأرواح البريئة وتدفق اللاجئين، ناهيك عن مخاطر المواجهة مع التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.
وأضاف كيري في تعليقات تعبر عن القلق الأمريكي من التواجد العسكري الروسي في سوريا ان الدعم الروسي المستمر للأسد ينطوي على خطر تصعيد النزاع ويقوض هدفنا المشترك المتمثل في مكافحة التطرف وهي النتائج التي سنحصل عليها، أيضا، إذا لم نركز على إيجاد حل سياسي.
الحكومة الأمريكية ترصد بقلق بالغ تدفق القوات والمعدات الروسية إلى سوريا منذ الاسبوع الماضي، حيث أسست موسكو على ما يبدو قاعدة قرب اللاذقية كما رصدت الأقمار الصناعية مواقع غير معروفة في السابق تستعد لاستقبال قوات روسية. وكما هو معروف فان روسيا حليف قوي للرئيس الأسد الذي طالبت الولايات المتحدة بتنحيته للمساعدة في وضع حد للحرب الأهلية الدامية.
وتقدر التقييمات الأمريكية ان لدى روسيا أكثر من 25 مقاتلة وطائرة هجوم و15 مروحية وتسع دبابات وثلاثة أنظمة صواريخ أرض ـ جو و500 على الأقل من القوات الروسية كما لوحظت زيادة كبيرة في الطائرات المقاتلة الروسية قرب اللاذقية.
التفسيرات الأمريكية غير الرسمية لزيادة التواجد العسكري الروسي في سوريا كانت مختلفة ولكن الإجابة البسيطة هي ان روسيا بدأت تشعر بان النظام السوري على وشك الانهيار، مما يعنى حرمانها من قاعدتها البحرية في طرطوس التي تعتبر المنشاة العسكرية الوحيدة لروسيا خارج نطاق دول الاتحاد السوفييتي السابق. والأهم من ذلك رغبة بوتين في اتخاذ موقف سياسي ودبلوماسي واضح حول معارضة روسيا لتغيير النظام السوري وحتى لو تم التوصل لصفقة سياسية بهذا الأمر فانها تريد ان تكون وسيطا رئيسيا من موقع القوة وإعادة مكانة روسيا كدولة عظمى وانهاء المواجهة بين روسيا وأمريكا على اوكرانيا، وهنالك وجهة نظر تقول بان بوتين يرغب بالإشارة إلى روسيا كشريك حيوي في الحرب ضد تنظيم الدولة والمنظمات المتطرفة.
وأشار محللون إلى شعور الروس بالتعرض للخيانة من قبل الولايات المتحدة على ما حدث في عام 2011 عندما اطاحت واشنطن بالرئيس الليبي معمر القذافي حليف موسكو وانهم لا يريدون تكرار المشهد مع حليفهم الأسد في سوريا، وعلاوة على ذلك، لدى بوتين اهتمام كبير بهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية « والابقاء على نفوذ في الشرق الأوسط.
وأدى القرار الروسي بزيادة وجودها العسكري في سوريا إلى ضغوط سياسية داخلية بما في ذلك الحزب الديمقراطي على إدارة أوباما حيث طلب السناتور روبرت كيسي من وزير الخارجية جون كيري تكثيف جهود الولايات المتحدة لمكافحة الأزمة الإنسانية في سوريا وإنهاء الحرب الأهلية وقال في رسالة لكيري ان عليه اتخاذ خطوات على ثلاث قضايا هامة هي المفاوضات السياسية والمساعدات الإنسانية والمساعدة في جهود الأمم المتحدة كما طلب من إدارة أوباما إلى تنشيط جهودها العامة للتوصل إلى اتفاق لانهاء الصراع السوري قبل ان تفقد واشنطن القدرة على ذلك بسبب زيادة التواجد العسكري الروسي في البلاد.
وقال السناتور ديك دوربين ان الإدارة الأمريكية تبحث عن وسيلة لإحداث تغيير في سوريا ولكنه لا يعرف إذا كانت هناك فرصة مع بوتين، مشيرا ان الروس يسعون لحماية مصالحهم هناك وانهم قلقون من انهيار نظام الأسد. وفي لغة قاسية، اتهم المرشح الرئاسي ماركو روبيو أوباما بعدم القدرة على توقع التحركات المقبلة لبوتين وقال ان بوتين يعمل ضد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط واوكرانيا وان السياسة الأمريكية تجاه روسيا فاشلة جدا منذ الإعلان التاريخي لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في عام 2009 عن «إعادة إحياء» العلاقات مع موسكو مشيرا إلى ان هذه السياسة أطالت أيضا، الكابوس الإنساني والاستراتيجي لسوريا.
واضاف روبيو ان أوباما لا يزال «لا يفهم» أهداف بوتين الحقيقية وانه لا يرغب في شيء أقل من الاعتراف بروسيا كقوة سياسية، مشيرا إلى انه حقق هذا الهدف في أوروبا ويسعى لتحقيق الهدف نفسه في الشرق الأوسط واستغلال ضعف أوباما في القيادة. ولاحظ روبيو ان مشاركة روسيا مع النظام السوري أمر مقلق للغاية بشكل خاص وانه من المرجح ان تزيد من العنف الناجم عن الحرب الأهلية الوحشية في سوريا.
في نهاية المطاف، تدخلت الولايات المتحدة في العراق وكانت النتائج كارثة مكلفة، وتدخلت في ليبيا لتزيد الامر سوءا، وتدخلت في سوريا لتتحول الكارثة إلى كوارث مستمرة. ومع اصرار موسكو على ان الأسد هو الخيار الأفضل لمحاربة تنظيم الدولة، سيكون من المخجل ان تخضع الولايات المتحدة لحالة يكون فيها الأسد الخيار الوحيد لتحقيق الاستقرار وتجنب مواجهة عالمية.
رائد صالحة