«البيت الأفريقي» للروائية سلمى كجك: نجاحات وخيبات مهاجر لبناني

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: رواية «البيت الأفريقي» للكاتبة اللبنانية سلمى كجك، المولودة في ساحل العاج (أفريقيا) الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «LaMaison d’Afrique» عن دار «AlfAbarre» في باريس، تروي حكاية مهاجر لبناني ترك بلاده في مطلع القرن الماضي، بسبب الفقر والعوز المنتشرين آنذاك، خصوصاً في جنوب لبنان، مسقط رأسه، ونتيجة للمآسي الإنسانية التي واجهها.
تصف سلمى كجك المشاعر والتفاعلات النفسية لجميل طرّاف، الشخصية الأساسية في روايتها، في الأيام السابقة لهجرته، ثم لأحاسيسه خلال رحلته على سفينة من مرفأ بيروت ظناً منه أنه ينتقل إلى أمريكا، فيما تغيرت وجهة رحلته خلافاً لرغبته عندما وصلت الباخرة إلى مرسيليا في جنوب فرنسا وانتهت رحلته رغماً عنه في ساحل العاج. وتسرد الكاتبة هذه الأحداث بسلاسة ورقة وإنسانية وتُشعر القارئ وكأنها ترافق جميل في الرحلة، وتضعنا كقراء في لهفة لمعرفة ماذا سيحدث لجميل بعد كل مرحلة من رحلته، مما يجعل من الصعب علينا التوقف عن القراءة.
ولكن قدرة الكاتبة لم تنحصر في التشويق والعقدة القوية والمحبوكة، بل أيضاً في الأسلوب المتفوق في وصف الأماكن التي يمر فيها جميل خلال رحلته نحو المجهول. وبالتالي، تضع قراءها في الواقع الاجتماعي لقرية جميل في جنوب لبنان وبيروت العاصمة ومرسيليا وشاطئ العاج، في مطلع القرن الماضي، عبر وصف الشوارع التي يتمشى فيها في قريته وفي بيروت، في الأيام السابقة لانطلاق السفينة من مرفأ بيروت، وعرض لقاء جميل الأول مع العاصمة، وهو ابن بلدة الزرارية القريبة من نهر الليطاني في جنوب لبنان. كما تضعنا في الجو نفسه عندما يتمشى جميل وصديق تعرّف إليه في الباخرة المتوجهة إلى فرنسا، في شوارع مرسيليا بانتظار حصولهما على التأشيرة إلى أمريكا، التي لم يحصل جميل عليها وانتهى في أفريقيا.
ولا يخلو الكتاب من لقطات إنسانية مؤثرة، وبعضها تراجيدي، مما يؤكد أن أسباب الهجرة من الوطن قد لا تقتصر فقط على الأوضاع المالية والاقتصادية والفقر والعوز. فجميل تزوج في قريته، قبل بلوغه العشرين، وحملت زوجته منه، ولكن طفلهما أصيب بحمّى لمدة 5 أيام بعد ولادته وتوفي. وشعر جميل بفقدانه أن التصاقه الحميم بأرضه وبلده انتزع منه، رغم أنه ظل يحب زوجته وعائلته حتى بعد السنوات الطويلة التي عاشها في المهجر.
ولا تتحدث الكاتبة فقط عن المشاعر الإنسانية والاختبارات الاجتماعية، بل تصف الواقع السياسي الإقطاعي لجنوب لبنان في الفصل الأول من الرواية، أي في الفترة التي قرر خلالها جميل الهجرة حيث تقول: «البيك من عائلة الأسعد (على الأرجح تتحدث عن أحمد الأسعد، والد كامل الأسعد رئيس المجلس النيابي اللبناني الراحل) حصل على لقبه من الدولة العثمانية، بعدما دفع مبلغاً كبيراً من المال من أجل ذلك… وقد قيل إن آل الأسعد كانوا يملكون 23 بلدة وقرية في منطقة جبل عامل في جنوب لبنان.. لقد كانوا يملكون الأراضي والناس الذين عاشوا وعملوا في هذه الأراضي.. وهذا عامل آخر جعل جميل يرغب في أن يكون في مكان آخر».
كل هذه الأفكار كانت تمر في خواطر جميل وهو يتنقل من بستان إلى آخر في المناطق المجاورة لبلدته قبل سفره. وتنجح الكاتبة في رسم المشاهد الطبيعية مندمجة بالوقائع الاجتماعية، وهذا ما يرفع مستوى أدائها الفني. فقدرتها في الكتابة بالفرنسية عائدة إلى دراستها في صغرها في مدارس ساحل العاج الفرنسية، وبعد ذلك تخصصت في الأدب واللغة في فرنسا، وهي حالياً تحاضر في الجامعة اليسوعية في بيروت عن أصول كتابة الرواية، مع أنها في مطلع أربعينياتها. ولكن قدرتها في الوصف الفاعل والمؤثر وجذب القارئ إلى روايتها أمر لافت، إذ أنه يتعدى الحرفية… ففي مقطع تصف فيه الكاتبة تأثير وفاة الطفل كامل على والدته زينب (زوجة جميل) تقول: «منذ وفاة كامل لم يعد جميل يشعر بأنه يعرف زوجته. فقد حبست نفسها في المنزل ولم تعد تتكلم مع أحد، حتى أنها فقدت القدرة على البكاء، وكأن الضوء انطفأ في عينيها ولم يعد يشع.. ولعل ذلك ساهم في عودة مشروع الهجرة إلى حياة جميل المعتمة».
وفي مقطع آخر مؤثر ورَدَ في الفصل الثاني، تظهر الكاتبة نزعتها ونزعة شخصيتها الرئيسية المناهضة للإقطاع بوضوح، والمقطع حديث وداعي بين جميل وأحد أقربائه. يقول له ابن خالته علي: «ليس من الضرورة الهجرة إلى الخارج للنجاح، بإمكاننا تدبير أوضاعنا هنا، إذا رغبت سأجد لك وظيفة بعد أن أتحدث مع معلمي في العمل». ولدى سماع جميل كلمة «معلمي» يجيب: «لا أريد معلمين بعد الآن، لا أريد زعماء وأصحاب ألقاب البيك والأفندي، سأرحل لأصبح مديراً لأمري، حراً في مواقفي وأعمالي.. لقد حاولت والدتي تغيير رأيي عن السفر، ولكنها عندما تأكدت تصميمي على ذلك أعطتني قطعتين من الذهب من جهازها عندما تزوجت وقدمت إليّ بَركتها وبركة والدي».
وبالنسبة للزوجة زينب، لم يجب جميل على سؤال علي بل تنفس نفسا طويلا وأدار وجهه إلى الجهة الأخرى.
وهنا نجحت المؤلفة في وصف واقعة الموقف ودراميته ومحبة جميل لزوجته من دون الحاجة للكلمات. فبدا المقطع وكأنه لقطة في فيلم سينمائي مؤثر وعميق.
وفي الرحلة إلى مرسيليا بالباخرة، كان جميل، حسب الرواية، يفكر طوال الوقت بابنه كامل الذي توفي بعد ولادته بخمسة أيام وبصرخة زوجته زينب لدى اكتشافها موته. لم يكن يفكر بالملايين التي سيجمعها في أمريكا أو أفريقيا، بل في كامل وزينب. وهنا تظهر الكاتبة تفوّق وتجاوز العامل الإنساني على العامل المادي في قرار المهاجرين آنذاك، حتى لو كانوا من الفقراء مما يجعلنا نتفاعل مع كل المهاجرين في الماضي والحاضر.
وتطرح كجك السؤال التالي: لو بقي الطفل كامل على قيد الحياة، هل كان جميل سيستمر في تنفيذ مشروعه للهجرة؟ وتترك الجواب للقارئ. وهنا أيضا الصمت أقوى من الكلام!
ومن اللافت أن سلمى كجك لا تورد تفاصيل عن التواريخ المهمة في الرواية، إلا في منتصفها. فلا نعرف أن جميل هاجر في عام 1912 عندما كان في الثامنة عشرة من عمره حتى الصفحة 55 من الرواية، عندما يقدم جميل أوراقه في القنصلية الأمريكية في مرسيليا حيث يتم رفضها وإرساله على سفينة متوجهة إلى أفريقيا. هذه التفاصيل، ليست بأهمية الحدث والعناصر الإنسانية الأخرى في الرواية (في نظر الكاتبة) التي تنطبق على كثير من المهاجرين الآخرين من لبنان ومناطق أخرى من العالم وفي الماضي والحاضر، وهنا تكمن قدرة الكاتبة ومهارتها في سلسلة فصول الرواية وأحداثها. وبعد وصفها لردود فعل جميل المحبطة لدى سماعه خبر رفض منحه التأشيرة إلى أمريكا، تذكر الكاتبة باقتضاب أن حجة الرفض كانت إصابته بمرض «التراخوما» الذي يصيب العينين والذي «أظهره» الفحص الطبي، مع أن جميل لم يشعر بأي عوارض لهذا المرض في حياته. ولم يستطع الاعتراض على رفضه الذهاب إلى أمريكا ولا مراجعة القرار الآخر بعدم بقائه في فرنسا ووضعه كأمر واقع في سفينة متوجهة نحو أفريقيا. ورغم كل ذلك، استمر في رحلته وتوجه إلى أفريقيا وتواجه مع كل الصعوبات هناك وتجاوزها وأصبح تاجراً ناجحاً. ومن داكار في السنغال، توجه جميل إلى شاطئ العاج، حيث ساعده تجار لبنانيون كانوا مقيمين هناك في الحصول على عمل بسيط تطور مع الوقت وأصبح عملاً جدياً مثمراً بعد ذلك.
وفي وصفها للأعمال التي مارسها جميل هناك تصف الكاتبة بالتفصيل الحياة في أفريقيا في تلك الحقبة وحقبة الحرب العالمية الأولى، حيث كانت بعض هذه الدول الأفريقية ما زالت مستعمرات فرنسية. وبدت كجك وكأنها باحثة في سوسيولوجيا وانثروبولوجيا أفريقيا آنذاك.
كما تُدخِل كجك إلى الرواية شخصية امرأة فرنسية أقام جميل علاقة جنسية معها وهما متوجهان في الباخرة من مرسيليا نحو أفريقيا، لتزيد عنصر التشويق والواقعية في الرواية.
ونرى عودة لهذه الامرأة (ماريان) في نهاية الرواية إلى حياة جميل، وحدوث مفاجأة كبيرة من الأفضل ترك تفاصيلها للقارئ الذي يرغب بقراءة الرواية والتمتع بخاتمتها.
وكانت علاقة جميل الجنسية بماريان الأولى له خارج الزواج خلال هجرته، ولكنه تعرّف إلى امرأة أفريقية اسمها فطومة، في ما بعد، وتزوجها، وأنجبت منه ولداً سمّياه مروان. وقد أحبه جميل كما كان سيحبُ ولده الأول كامل، وكان يغني له أغاني غناها لكامل، وكان قد تعلمها في صغره في الزرارية من والدته. وقد اعتنى جميل بمروان عناية فائقة وشاملة وأرسله إلى أفضل الجامعات للدراسة. ومروان امتلك «بيت جميل الأفريقي»، بعد والده، حسب عنوان الرواية.
وعن حياة جميل وعلاقاته، في السنوات التالية التي قضاها في أفريقيا، هناك الكثير من التفاصيل والأحداث والاسماء. ولكن الأهم في الفصول التي تتطرق إلى هذه المرحلة كونها تضعنا في الصورة وتفسر لنا الكثير عن حياة اللبنانيين المهاجرين إلى أفريقيا في تلك الفترة، والصعوبات التي واجهوها والتي ما زال بعضهم يواجهها، حتى بعد نجاحهم المادي في المرحلة الحالية من التاريخ.
وتنجح كجك في وصف تفاصيل اللقاءات الجنسية الحميمة بين جميل وماريان في السفينة وبين جميل وفطومة في أفريقيا، في ما بعد من دون أن تركن إلى الابتذال في هذا الوصف.
وقد أمضى جميل ثلاثة عقود من حياته في ساحل العاج وصار أحد الشخصيات المرموقة في الجالية اللبنانية هناك، قبل عودته إلى الزرارية وزيارة عائلته وكأنه قائد منتصر.
وهنا أيضاً، من المفيد ترك تفاصيل العودة ونهاية الرواية للقارئ، بيد أن المؤلفة تستمر في وصفها الرائع للتحولات التي طرأت على الزرارية وبيروت بعد العودة ولاستمرار ارتباط جميل العاطفي بعائلته وقريته ومحبتهما له، حيث أطلق عليه لقب «الأمريكي العائد» وحيث استُقبل بحفاوة وترحاب حتى من زوجته الأولى زينب، بعد فراقهما الطويل.

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية