الناصرة ـ «القدس العربي»: أحمد كنعان فنان تشكيلي فلسطيني من أراضي فلسطين 48 حقق شهرة عالمية منذ سنوات بعدما أنطق الحجر وطوّع الحديد ويعبّر في لوحات مدهشة بدقتها وجماليتها وطاقتها عن بيئة حياته وواقع شعبه.
يقول المثل «كالنحت في الصخر» تعبيرا عن قسوة العملية أو المهمة لكن «القدس العربي» وجدت أحمد كنعان(48 عاما) داخل ورشته في مدينته طمرة، يمتلئ فرحا وانفعالا وهو يمارس النحت حتى وهو يحاور أصلب أنواع الصخور.
يبدأ أحمد بتحويل الصخرة الصماء إلى شكل يتكلم بعدما تكون الفكرة قد اختمرت ونضجت ولا يبدأ بمحاورتها قبل أن يبني مجسما لها من كرتون أو طين أو مواد خفيفة أخرى ثم يصبها في قالب لتصبح مجسما معدنيا (ألومينيوم أو نحاس..الخ) وذلك كي تبقى نموذجا.
في المرحلة الثالثة تبدأ عملية نحت في الصخر يحاكي المجسم المصغر. أما أصعب أعمال النحت بالنسبة لأحمد فهو النحت بالحجر لكونه عملا شاقا ينطوي على مخاطر صحية ومع ذلك فيه متعة كبيرة. «لا أكترث للإرهاق والغبار والمخاطر وأبقى كل الوقت ملهوفا ومنفعلا حتى أرى كيف تنتهي عملية النحت».
من مشغله في منطقة «ملاهي التوت» داخل طمرة وهو يعتمر قبعته الفلسطينية (المصنوعة من قطع من ثوب فلسطيني مطرز) يقول «أن المنحوتة الواحدة تستغرق مدة طويلة تتراوح من أسبوع إلى شه»ر. ويوضح أن هذا مناط بالتفاصيل وبنوع الصخر وعادة هو يستخدم الصخر الكلسي، صخر الجليل ونادرا ما ينحت بحجر البازلت أو الحجر الرملي القاسي جدا.
أنت ترقص بعرسين فأيهما أقرب إلى قلبك النحت أم الرسم؟
«المهم هو الإبداع منبع المتعة التي تبلغ ذروتها عند الإنتهاء من العمل» اعماله تعرض في الصالات والمتاحف وتدخل في دراسات الباحثين والمؤرخين. أما مصادر الإيحاء فهي متنوعة منها التاريخ فقد دفعه اسمه للبحث عن الجذور والرموز الكنعانية- الفينيقية فيسقط عليها أفكاره بإبداعاته. يتجلى ذلك في سفينة لاجئين فينيقية منحوتة من الصخر يطل في ساريتها «مفتاح العودة» الفلسطيني المصنوع من الألومينيوم واليوم هي تزيّن ميدان «الدوار الخامس» في عمان.
الفارس «موتيف» مهيمن على أعمال كنعان كما يظهر في واحد من أجملها وهو مجسم معدني للقائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي المكوّن من 1000 حصان واقتناها مواطن في طمرة زيّن بها حديقة منزله. وعن سر الحضور الدائم لصورة الفرس والفارس، لصلاح الدين المنتظر في أعماله يقر أحمد باستبطانها مقولة يتوقعها المتلقي وهي «حاجتنا للبطل أو القائد المفقود» وهي على ما يبدو تعبير عن شوق لسنوات الشموخ ..سنوات كان فيها العرب على ظهر الحصان..
بطن الحوت
في منحوتة حجرية أخرى تصطف بيوت على رأس إنسان والى جانبها منحوتة مطابقة من الخشب وكلاهما يرمزان للمنازل الفلسطينية. وفي اخرى تصطف البيوت تحت جناحي طائر تعبيرا عن بقاء فلسطينيي الداخل في وطنهم كما في بطن الحوت أما البيوت فوق الأجنحة ذاتها فهم الفلسطينيون في الشتات دلالة على حلمهم بالعودة لديارهم. وقد أنجز هذه المنحوتة الرمزية في معرض مهرجان النحت العربي في دبي وقد اجتذبت عددا كبيرا من المشاهدين.
في مهرجان عيلبون للنحت عام 2012 صوّر النكبة يوم اقترفت الصهيونية مذبحتين في منحوتة حجرية ضخمة يطل فيها سبعة أشخاص من اليمين وسبعة من اليسار وجوههم بدون ملامح ويتوسط مجموعتي الشهداء خوري البلدة فاردا ذراعيه وهو صاحب الفضل في عودة مهجري عيلبون من لبنان عام 1949.
هاجس البيت
كنعان الحائز على جوائز كثيرة يوضح أن الحضور اللافت للبيت في أعماله يرمز للوجود الفلسطيني وفيه يعبّر عن انتمائه لوطنه وأرضه وعن الصراع الدائر حول الأرض وما عليها. ويتابع متحمسا «البيت بالنسبة للفلسطيني هو رمز لكل اللاجئين الحالمين بالعودة مثلما هو رمز للبقاء في الوطن. كما أنه هاجس في ظل المخاوف من عمليات الهدم الإسرائيلية بذريعة البناء غير المرخص، وبناء البيت هو المشروع الأكبر بالنسبة للفلسطينيين. هذا شعوري أنا شخصيا حينما بنيت بيتي في طمرة».
وينوه أن وطنه غني بمصادر الإيحاء الفنية فيستطيع أن يستلهم الأفكار كيفما تحرك في ظل الصراع وإفرازاته إضافة لثراء تاريخه. وردا على سؤال يوضح إنه لا يقول عن نفسه «أنا وطني أو عاطفي» مكتفيا بالإشارة لكونه ابن المكان «بجغرافيته وتاريخه». لكنه يحس بعذابات شعبه ويسعى للتعبير عنها عبر ريشته ومطرقته. في منحوتة أخرى يصف مأساة آلاف العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل بشروط عبودية غير إنسانية يضطرون فيها للمبيت في العراء.
بداية المشوار
ولد احمد كنعان في 1965 وأنهى دراسته في أكاديمية الفنون والتصميم(بتسلئيل) في القدس عام 1985 لكن هواية الرسم تجلت مبكرا جدا، في فترة المدرسة.
أحمد صاحب أكثر معارض فنية في البلاد يستذكر بداية المشوار موضحا أنه درس في المرحلة الثانوية في حيفا وهناك ارتاد معارض الرسم وتأثر خلال تلك الفترة بمنجر أشقائه لكن ابن مدينته الرسام البارز خليل ريان أثّر عليه وكان له أبا روحيا شجعه على دراسة الفن في الاكاديمية.
يرسم كنعان بيته، بيئته وكل ما تراه عيناه فيبدو وكأنه مؤرخ يوثق الواقع وخلفية لوحاته تزينها عادة أطر مزخرفة. وحتى زميلاته الرسامات وزوجته ملكة وغيرهن وجدن أنفسهن في لوحات جميلة داخل صالة عرضه. وكما يعمل الفنانون العالميون الكبار وثّق أحمد حبه لزوجته بعدة أعمال جميلة أسماها (ملكتي) وكأنه يقول فيها إن حبهما متجدد كالفصول لا يشيخ أبدا. والنساء حاضرات في لوحات كنعان بقوة ففيهن يجد ضالته وهو الباحث عن الوجه الجميل للحياة.
في تعليقها على أعمال كنعان تقول عايدة نصر الله من مدينة أم الفحم إن كل إمرأة فلسطينية في نظره تستحق مرتبة العلو والتقدير. وتتابع «إن المرأة وهي تشرب قهوتها الصباحية على شرفة بيتها وتبدو طبيعة القرية وراءها،هو مشهد يومي عادي، وبهذا يمتزج الحلمي بالواقعي». وفي ما يخص الأسلوب والتقنيات تشير «أن كنعان يتميز بمزجه بين التشخيصي والتجريدي وأخذ وحدة زخرفية من الفن الإسلامي وتكبيرها، وقلب الاسلوب التشخيصي للوحدة الزخرفية».
«أسرق اللحظة المواتية وأوثقها بالكاميرا ولاحقا أبدأ برسمها» يقول أحمد الذي يعتمد الأسلوبين الواقعي والتجريدي في الرسم وهو يتحدث فرحا عن مرسمه وكأنه عائد من رحلة مثيرة في بلد بعيد وساحر بطبيعته.
ويمتاز كنعان بقدرة فائقة على تصوير ما تراه عينه بدقة في اللوحة حتى تكاد تكون نسخة عن الواقع. داخل مرسمه تجد لوحات لزوجته وأصدقائه وبعض الشخصيات العامة المألوفة وهي تكاد تجالسك وتحادثك لشدة إتقانها.
ويكفي أن يرى شيخا يبيع القهوة هدم منزله مرتين، الأولى عام 48 والثانية في اجتياح الضفة عام 2002، يظهر في فيلم «جنين جنين» للمخرج محمد بكري حتى يوثقه في لوحة موحية رسمها بالالوان الزيتية.
المشربية
وتشكل «المشربية» (سياج خشبي أو اسمنتي على شرفات المنازل لحجب رؤية الناس عنها)عنصرا في أعماله وهي الشبابيك التي تحجب النظر، وفي إحدى لوحاته تطل مجموعة نساء خلفها. في مثل هذه اللوحات المشحونة برسائل للمتلقي كأنه يقول «إن النساء العربيات ما زلن محاصرات بأقفاص تقاليد متآكلة وليس فقط بقيود الاحتلال».
ويبدو أحمد مسكونا بهاجس الهجرة واللجوء منذ أن ترعرع وكبر وتعرف على مسيرة عائلة والدته التي هجرت للبنان وسوريا ولما عادت إلى حيفا وجدت أملاكها قد صودرت. ويروي أن جده اقتنى بيتا جديدا في حيفا وأن أمه وشقيقتها تزوجتا في طمرة عام 1956 لكن عائلة جده ما لبثت أن تركت حيفا نحو موطنها الأصلي، اليامون. ولم ير أحمد وأمه بعض أخواله سوى في 1994 وهو مقتنع أن هذه الذكريات تنعكس باختياراته وأفكاره ومجمل إبداعاته. كل هذه الهواجس والذكريات تنبعث من جديد في أعمال فنية جماليتها عالية رسالتها واضحة وفيها لا تجد جنديا أو شرطيا إسرائيليا لأن ما يهمه شعبه.
كما عاشت والدة أحمد ردحا طويلا من حياتها بلا أم وأسرة تلتقيها وتتواصل معها فإنه هو ايضا فنان بلا أم من ناحية الرعاية والدعم فيضطر الى أن يعتمد على نفسه في ظل غياب وزارة ثقافة تؤازر المبدعين. حينما سألناه عن هموم المعيشة لدى الفنانين الفلسطينيين في الداخل قال متوددا «المعيشة من الفن كالنحت في الصخر». لكنه متفائل في ازدياد وعي وتقدير مجتمعه المحلي للفن وهكذا أيضا في دول عربية واجنبية يقيم فيها معارضه ويبيع بعض أعماله.
وديع عواودة