اسطنبول ـ «القدس العربي» ووكالات: شنت الطائرات الحربية التركية لأول مرة عشرات الغارات الجوية المتزامنة، أمس الثلاثاء، ضد مواقع لحزب «العمال» الكردستاني، في مدينة سنجار العراقية أصاب بعضها بالخطأ مواقع لقوات البيشمركه وأخرى ضد للوحدات الكردية، شمالي شرق سوريا، في خطوة تمهد على ما يبدو لإطلاق عملية عسكرية واسعة للجيش التركي ضد مدينة سنجار، التي تقول أنقرة إن التنظيم يسعى لتحويلها إلى «قنديل ثانية» ومنطلقاً للهجمات ضد الأراضي التركية.
وتأتي هذه الغارات عقب سلسلة من التهديدات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق عمليات عسكرية جديدة في سوريا والعراق عقب الإعلان عن انتهاء عملية «درع الفرات» شمالي سوريا، وعقب حديث وسائل إعلام تركية عن استعداد الجيش لتنفيذ عملية «درع دجلة» ضد المتمردين الأكراد في العراق.
وهذه المرة الأولى التي تغير فيها الطائرات التركية على مدينة سنجار العراقية التي تقول إن مسلحي «العمال الكردستاني» المتمركزين في جبال قنديل شمالي العراق سيطروا عليها بحجة الحرب على تنظيم «الدولة»، كما تعتبر أول طلعات جوية ينفذها الجيش التركي في سوريا عقب الإعلان عن انتهاء عملية «درع الفرات» قبيل أسابيع.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه حكومة إقليم شمال العراق مقتل 6 من عناصر الأمن الكردي «البيشمركه» وإصابة 9 آخرين في الغارات التركية، قالت مصادر كردية سورية والمرصد السوري لحقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 18 شخصاً بينهم عسكريون قتلوا وأصيب آخرون في الغارات التركية.
وأعقب ذلك إعلان الجيش التركي مقتل 4 من جنوده في هجمات شنها «العمال الكردستاني» في مناطق شرق تركيا القريبة من الحدود مع العراق.
وحدات «حماية الشعب «الكردية التي تقول تركيا إنها الامتداد السوري لتنظيم العمل الكردستاني، قالت إن الغارات كانت واسعة وكبيرة وشملت مقر القيادة العامة لوحدات «حماية الشعب» ومؤسسات عسكرية بالقرب من مدينة المالكية السورية القريبة من الحدود التركية، في حين استهدفت عشرات الضربات الأخرى نقاطا عسكرية عدة داخل منطقة الحسكة.
وحسب مصادر عراقية، استهدف القصف التركي قوات أيزيدية متحالف مع «الكردستاني» تسمى «وحدات مقاومة سنجار»، حيث طال القصف «مجمع الايزيدين في جبال سنجار ومحطة اذاعة جرا شنغال، ومنطقة كلي شلو ومركز الايزيديين القريب من منطقة سنوني».
من جهته، بث الإعلام التركي صوراً لقائد الجيش التركي خلوصي أكار، وقيادات عسكرية كبيرة أشرفت على العملية من داخل مركز قيادة تابع للجيش التركي. وقال إن «المقاتلات التركية شنت في الثانية من فجر أمس الثلاثاء غارات جوية على «أوكار الإرهاب ـ التي تستهدف وحدة بلادنا وشعبنا ـ في جبل سنجار شمالي العراق وجبل قره تشوك شمال شرقي سوريا»، واعتبر بيان رئاسة أركان الجيش أن «الغارات تأتي في إطار حقوق تركيا التي يكفلها القانون الدولي».
ولفت البيان إلى أن «منظمة بي كا كا الإرهابية وامتداداتها في سوريا والعراق قامت بشكل مكثف خلال الفترة الأخيرة باستخدام سوريا وشمال العراق، من أجل إدخال الإرهابيين والسلاح والذخيرة والمواد المتفجرة إلى تركيا»، مشيراً إلى أن «المناطق التي استهدفتها الغارات تحولت إلى «أوكار للإرهاب».
قوات البيشمركه الكردية العراقية، اعتبرت أن قصف المقاتلات التركية لمواقعها في شمال العراق «غير مقبول»، وقالت في بيان لها: «استشهاد البيشمركه محل أسف كبير لنا، وقصف البيشمركه من قبل المقاتلات التركية، غير مقبول»، حيث من المتوقع أن تسعى أنقرة لتهدئة غضب حلفائها في حكومة إقليم شمالي العراق كون الغارة أصابت قواتها عن طريق الخطأ.
ورأت وزارة البيشمركه أن سبب المشاكل هو «تواجد» حزب العمال الكردستاني الذي رفض الانسحاب من جبل سنجار رغم أن جميع الأطراف طالبته بالمغادرة.
ودعت في البيان، العمال الكردستاني إلى «سحب قواته من جبل سنجار والمناطق المحيطة به».
كذلك، أدان المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء سعد الحديثي، القصف التركي على سنجار، مؤكدا أنه «انتهاك صارخ» للسيادة العراقية، على حد تعبيره.
وأعتبر الحديثي، في تصريحات إعلامية أن القصف التركي لسنجار يعد «انتهاكا صارخا» لسيادة العراق، لافتا إلى أن الحكومة تدين هذا القصف الذي استهدف منطقة جبل سنجار شمالي الموصل وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، مبينا أن الحكومة سترد على هذه التصرفات لمنع تكرارها في المستقبل.
وأضاف «نرفض التدخلات التركية في الشأن العراقي جملة وتفصيلا وما قامت به الطائرات التركية اليوم يعتبر انتهاكا لسيادة العراق والقانون الدولي».
كما دعا أنقرة إلى الحفاظ على حسن الجوار مع العراق الذي يحارب ويواجه الاٍرهاب، مشددا على أن «استهداف حزب العمال الكردستاني يجب أن يكون بالتنسيق مع الحكومة العراقية».
وطالبت وحدات حماية الشعب الكردية «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن بالتدخل لوقف «التعديات» التركية، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن قيادي كردي قوله: «نطالب التحالف الدولي بالتدخل لوقف هذه التعديات التركية»، معتبراً أنه «من غير المعقول أن نحارب على جبهة باهمية الرقة ويقصفنا الطيران التركي في ظهرنا».
ولم يعرف بعد الموقف الأمريكي من هذه العمليات التي طالت بالدرجة الأولى وحدات كردية مدعومة من قبل واشنطن و«التحالف الدولي» في سوريا، لكن مسؤولا عسكريا أمريكيا من «التحالف الدولي» تفقد المقر المستهدف، برفقة قياديين من الوحدات.
ومن المقرر، أن تتصدر ملفات سوريا والعراق، وخاصة خطط أنقرة لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة في سوريا وسنجار العراقية، مباحثات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي سيلتقي نظيره الأمريكي دونالد ترامب منتصف الشهر المقبل، لا سيما وأن ترامب أكد لأردوغان في اتصال هاتفي قبل أيام دعمه للحرب التركية على «العمال الكردستاني».
والشهر الجاري، قال أردوغان إن «بلاده تجري تحضيراتها لتنفيذ عمليات أخرى ضد المنظمات الإرهابية»، وقال: «مع تطهير مدينة الباب من العناصر الإرهابية، انتهت المرحلة الأولى من عملية درع الفرات، لكن ستكون هناك عمليات لاحقاً».
ولفت إلى أن «العمليات الجديدة ستحمل أسماء أخرى، ومفاجآت لكافة المنظمات الإرهابية، بي كا كا، وي ب ك، وداعش، وغولن، وأن الأشهر المقبلة ستكون ربيعًا لتركيا وشعبها، وشتاءً أسود للإرهابيين»، على حد تعبيره.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري كشف مصدر تركي مقرب من الرئاسة، رفض الكشف عن اسمه في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» عن وجود استعدادات سياسية وعسكرية فعلية من أجل القيام بعملية عسكرية كبيرة ضد المقاتلين الأكراد في سنجار.
وأوضح المصدر أن القرار السياسي «شبه نهائي»، وأن الخطط العسكرية قد وضعت وتجري استعدادات واسعة لها.
إسماعيل جمال