تبدو الكاتبة البيلاروسية سفتلانا ألكيسفيتش منشرحة وعلامات الرضى تبدو عليها بابتسامة عريضة وهي تحمل باقة ورد بألوان حمراء وبيضاء. كم هو جميل أن يأتيك خبر الفوز بجائزة عالمية من حجم جائزة نوبل للأداب. فور تلقيها الخبر عقدت ندوة صحافية في منسيك بأوكرانيا صرحت من خلالها «أحترم العالم الروسي في الآداب والعلوم ولا أحترم العالم الروسي لكل من ستالين وبوتين»؟ فمن تكون هذه الكاتبة؟
صحافية وكاتبة أعادت بلغة روسية، تمتح من الواقع الروسي والكوارث الدرامية، جزءاً كبيراً من هموم وقضايا ساكنة الاتحاد السوفييتي السابق، كما هي معاناة السكان في كارثة تشرنوبيل والحرب الأفغانية وصراعات الحاضر المريرة ضد الاستبداد والقهر والبؤس.
كاتبة وجهت سهام نقدها للحكومة البيلاروسية لزعيم روسيا بوتين، وتم منحها الجائزة «لأصواتها المتعددة، وهي شواهد من الألم والشجاعة في وقتنا الحالي»، كما أعلن القائمون على جائزة نوبل للأداب.
في كتابها الأخير «الشاهد الأخير» (2014)، تتحدث عن مآسي الحرب العالمية الثانية وعن الإنسان السوفييتي وما قدمه خلال هذه الحرب. في أبطالها حيوات نفسية وسياسية واجتماعية بذاكرة مجتمعية وتاريخية، يرافقها وعي حاد بالظروف القائمة. تؤسس الكاتبة من خلال شخصياتها لزمن مفتقد، ولكنه موجود وحاضر في النفوس «إننا سوفييتيون، ولانزال نحيا، ليس فقط روسا ولكن أيضا بيلاروسيون، تركمان، أوكرانيون، كازاخستانيون… الآن نعيش في دول مختلفة، نتكلم لغات مختلفة، لكن أيضا نحن لا تخطئنا العين، نتعارف بسرعة، نحن كلنا أبناء الاشتراكية». تقول بعزم ويقين كبير كأنها تحيي مجداً تليداً لا يندثر. وتضيف «نحن جيران بالذاكرة» وهي تنصت بتمعنٍ في كتابها «الزمن المستعمل» (2014) بشرف لكل المشاركين في الدراما الاشتراكية.
من بين شخصياتها المفضلة امرأة تتزوج بقاتل محكوم بالإعدام، تبرر من خلاله الكاتبة «حجم التضحية» لمفهوم الحب وما يستطيع أن يقدمه المرء في سبيل مبادئه.
الكاتبة سفتلانا لاتزال محاصرة بفضاء الاتحاد السوفييتي ورهينة له بحبٍ وبغضبٍ ومعاناة تستفسر عن مآله ونهايته ونهاية حضارة وأسطورة وأمل. تدور أعمال هذه الكاتبة حول هذا العالم بعوالمه الإنسانية والاشتراكية والحنين لزمن الاشتراكية، بكسر هذا المفهوم في مصائر مختلفة ومشتركة، وقبل كل شيء في المآسي المحسوسة والكارثية التي تعرض لها الإنسان بقسوةٍ في الاتحاد السوفييتي. تتحرك الكاتبة في محيط المأساة وتكشف التجارب الأكثر جزعاً ورهبةً مراراً وتكراراً حتى الموت. سنة 1989، نشرت الكاتبة «أولاد الزنك»، وذهبت إلى أفغانستان لكتابة هذه التجربة الحياتية واستجوبت أمهات الجنود الذين قتلوا في تلك الحرب. وفي سنة 1993 ناقشت فكرة عميقة تمتلكها وتستحوذ عليها كلياً حول أولئك الذين لا يستطعيون البقاء على قيد الحياة بنهاية فكرة الاشتراكية في «مفتونون بالموت».
وفي سنة 1983 كتبت «الحرب لا تعرف محيا امرأة» وهو تجربتها الأولى في عالم الكتابة، تتساءل فيها عن مفهوم البطولة في العهد السوفييتي بنوع من القسوة، في ظل إصلاحات البرسترويكا التي قادها الرئيس ميخائيل غورباتشوف. الكاتبة متأثرة بالكاتب أليس أداموفتش الذي تعتبره أباها وأستاذها الكبير.
تستعمل الكاتبة أسلوب المونتاج الوثائقي في موضوعاتها، وتترك تدفق الأصوات والمونولوجات الداخلية بصوت التجارب الشخصية كما في «الرجل الأحمر» و»الدخان السوفييتي» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولدت الكاتبة البيلاروسية سفتلانا ألكيسفيتش في أوكرانيا، وهي ابنة جندي سوفييتي، من أصول بلاروسية ، حينما خرج والدها من الجيش استقرت العائلة في بلاروسيا، وهناك درست الصحافة في جامعة منسيك واشتغلت في عدة وسائل إعلامية.
من كتبها التي نالت شهرة وترجمت للكثير من اللغات «أصوات تشرنوبيل» (1997)، تتحدث فيه عن كارثة تشرنوبيل وما تعرض له السكان من إبادة وقهر وتهجير.
انتقدها الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاتشينو، وهي دائمة الترحال وتقيم حاليا في ألمانيا ومنحت جائزة السلام هناك سنة 2013، ورغم أنها فوجئت بالجائزة فإن الجائزة لا تخلو من نفحة سياسية في ظل صراع الاتحاد الأوروبي مع روسيا البوتينية حول منسيك وجزيرة القرم والصراع في أوكرانيا.. فهل من المصادفات الغريبة أن تمنح الجائزة لكاتبة تعارض روسيا بشراسة وتقيم في المهجر.. تلك حال الجوائز.. طقس ومناخ..
كاتب وناقد سينمائي من المغرب
عبدالله الساورة