القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم تعدد الجوائز التي تحتفي بالأدب والأدباء في العالم العربي، سواء المحلية منها أو الدولية، إلا أنه بمجرد الإعلان عن جائزة هنا أو هناك يثور اللغط حول الجائزة واستحقاقها من عدمه للكاتب أو عمله الأدبي.
ومن ناحية أخرى هل تساعد هذه الجوائز على انتشار الأدب بين الجمهور، خاصة أن نسبة الأميّة في المجتمعات العربية تكاد تكون مُتفشية، فهل غيّر الأدب من فكر هذه المجتمعات، كما حدث مع أوروبا مثلاً؟ وهل ستوسم هذه الجوائز بعلامة من علامات النزاهة، أم أن التشكيك المُستمر في جدواها سيحولها إلى آفة أخرى من الآفات التي يتنفسها العرب. وربما تباين الآراء هنا يحاول أن يوضح الصورة أكثر ويكشفها، سواء أكانت هذه الآراء نابعة من تجربة شخصية للكاتب، أو من خلال رأي نقدي ونظري للأعمال الأدبية وطبيعة الجوائز الممنوحة لها.
فوبيا الجوائز
يبدأ الروائي والإعلامي السوري عدنان فرزات، الحديث عن نظرية المؤامرة التي يتنفسها العرب، قائلاً .. «لدينا نحن العرب ما يمكن أن أسميه فوبيا الجوائز، أو بتعبير آخر لدينا نظرية المؤامرة نطبقها حتى على الجوائز، وقبل أن أتحدث عن الجوائز العربية، أتطرق إلى نظرية المؤامرة التي يتعامل بها الأدباء العرب مع جوائز عالمية مثل جائزة نوبل، التي ألصقوا فيها كل التهم، علماً بأن معظم الذين حصلوا عليها غير مسيسين، نجيب محفوظ مثلاً.
أما الجوائز التي تقدمها مؤسسات عربية، فأنا مطلع عن كثب على معظمها، وشاركت في تحكيم بعضها وكانت في منتهى الموضوعية، وحتى جائزة البوكر، اطلعت على التحكيم فيها العام قبل الفائت، أي التي فاز فيها الكاتب الكويتي سعود السنعوسي عن روايته «ساق البامبو»، بحكم أن شقيقي علي فرزات كان أحد المحكمين وأعرف تماماً أن الجائزة مُنحت بموضوعية وبنقاشات واجتماعات بين أعضاء لجنة التحكيم، والكاتب السنعوسي كاتب شاب ولا علاقة له بالسياسة ولا بأي تيار.
كذلك سبق وشاركت بتحكيم جوائز دار سعاد الصباح وأعرف موضوعيتها، وأعمل في مؤسسة تمنح الجوائز، هي مؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشعري، وأدرك جيداً مدى موضوعيتها ومصداقيتها، لذلك فإن عدم حصول أحدهم على جائزة لا يعني أن يكيل لها الاتهامات».
والرأي نفسه يراه الروائي المغربي عبد الواحد استيتو، من حيث مسألة إنصاف لجان التحكيم، فهي مسألة نسبية جداً، فالأمر أشبه بلعبة كرة القدم. فقرارات الحكم ليست صائبة دائما، لكن لديه السلطة التقديرية التي قد لا ترضي كثيرين. وهذا ما يحدث مع لجان الجوائز.. فهم في آخر المطاف أشخاص لديهم خلفياتهم وآراؤهم وميولهم، وهذه العوامل كلها تؤثر طبعاً في منح الجائزة لهذا أو ذاك. هم يمنحون الجائزة لمن يرون أنه يستحق، والكاتب ليس عليه سوى أن يترشح وينتظر، فلا يد له في الموضوع إطلاقاً، ولا داعي لأن يحول الأمر لمأساة ومؤامرة إن لم يفز. إنما هي مسألة اختيار من طرف أشخاص لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
الجوائز والحراك الثقافي
ويرى الروائي والكاتب اليمني علي المقري، أهمية الجوائز بالنسبة للكتّاب والقرّاء على السواء ــ وحسب قوله ــ إن انتشار الجوائز الأدبية والثقافية في العالم العربي بادرة تستحق الالتفات، فهي مهمّة لجهة تشجيع الكاتب على مواصلة إنتاجه، ومن أجل انتشار الكتاب بشكل أوسع. وهذه المبادرات التشجيعية وجدت في أوروبا منذ قرون، وصاحبت الحركات النهضوية الفنية والأدبية.
وفي العالم العربي هناك جوائز تمنحها سلطات الدول، وأخرى تمنح من قبل المؤسسات التجارية، وبعضها تقوم برعايتها هيئات ثقافية مدعومة من جهات عديدة. طبعاً، لكل جائزة قوانينها وشروطها، وهذا ما هو معمول به في كل الجوائز في العالم. لكن الجوائز عادة ما تخضع للمتابعة والنقد من قِبل الأوساط الثقافية والقراء، لكونها تصبح إحدى الفعاليات الثقافية التي تهم كل المجتمع وليس المؤسسة المانحة للجائزة فقط.
ويبدو لي الجدل الذي يدور حول الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» صحيا ومهما، فبسببه صارت الجائزة من أهم الجوائز العربية، إذ لم تكن أبرزها لما تحدثه من حراك ثقافي عربي. فالجائزة تصبح مراقبة من الأوساط الأدبية والقراء، منذ أن تعلن عن قائمتها الطويلة، بل تكون لجنة التحكيم نفسها محل مساءلة وجدل، ويصبح أي قرار تتخذه اللجنة محل قراءة من القراء الذين لهم رأيهم أيضاً في العمل الذي يستحق الجائزة.
ولهذا لم يعد من السهل لأي جهة مانحة للجوائز أن تعطي الجائزة بحسب هواها الخاص، من دون عمل اعتبار للأوساط الاجتماعية الثقافية.
ويُشاركه في الرأي الروائي المصري نعيم صبري فيضيف أن جدوى الجوائز يكمن في التشجيع على التنافس الشريف والإجادة بين الأدباء، كما يرى في تباين الأعمال الفائزة بأن الفن في النهاية ذوق شخصي يتأثر بثقافة وذائقة مُحَكّمي الجوائز.
الطموح المادي للكاتب
وينظر الروائي المغربي عبد الواحد استيتو للأمر من وجهة أخرى، إذ يرى أنه لا ضير في مثل هذه الجوائز، بل لازالت محدودة وقليلة مقارنة مع كم الكتب والكتاب في الوطن العربي، ويتساءل عن جدوى النظرة الطوباوية للكتابة لدى البعض، وكأن الكاتب لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، وبالتالي هو ليس من حقه أن يكون له طموح مادي من وراء كتاباته، وإن كنا نتفق أنها ليست بالضرورة الهدف الأول من الكتابة.
الجوائز في العالم العربي من وجهة نظري ــ والحديث لاستيتو ــ هي بمثابة منحة إنتاجية، منحة تفرغ.. هي تمكّن الفائز بها من نسيان الهمّ اليومي لفترة والتفكير في الكتابة المبدعة، وهذا لا يتأتى من دون راحة مادية تكفلها أحيانا بعض الجوائز الدسمة، خصوصاً أننا نعرف وضعية الكاتب والمبدع العربي عموما.. فلماذا نكذب على أنفسنا وندّعي مثالية تبدو غير عقلانية بالمرة؟
بل في نظري من الأفضل أن تتضاعف هذه الجوائز مرّات ومرّات، كي تزداد فرص فوز أكبر عدد من الكتاب، وكي نعيد للكتب والكاتب قيمتهما التي فُــقدت. لو كانت نسبة القراءة في العالم العربي مرتفعة لربما كان الوضع سيكون مختلفا، لأنه عندها سيكون البقاء لـ»الأكثر مبيعا»، وبالتالي الأكثر دخلا، والحكم الأول والأخير سيكون للجمهور القارئ، كما هو الحال في الدول الغربية.. أما والحالة هاته، فليس للكاتب العربي سوى الجوائز، لعلها تعيد له بعضا من جهده وقيمته.
فضائح الجوائز ولجان التحكيم
يبدأ الروائي المصري رؤوف مسعد من تجربة شخصية مع الجوائز، ليصل إلى طبيعة لجانها والأعمال الفائزة، إذ يقول … إن الحديث والكتابة عن الجوائز، خاصة تلك العربية ــ المتعلقة بالإبداع المكتوب أمر حساس ويثير كثيرا من الالتباس لدى المتلقي، خاصة لو صدر عن كاتب مثلي لم ينل طوال حياته الأدبية التي تقارب النصف قرن سوى جائزة واحدة هي جائز الترجمة من اتحاد الكتاب المصريين، منذ سنتين تقريباً! ومادام (فتحنا) موضوع الجوائز فإني أعلن أني تقدمت من حوالي عشر سنوات بروايتي «بيضة النعامة «إلى جائزة العويس، فلم أصل حتى إلى القائمة القصيرة؛ فقررت بعدها عدم التقدم إلى جائزة الرواية أو القصة القصيرة. وحينما عرفت بجائزة الترجمة تقدمت بترجمتي لكتاب» الموالد والتصوف في مصر «لسبب أساسي أني كنت أساعد المؤلف في الترجمة المباشرة.
وبغض النظر عن «الأسباب السرية»، التي لم تُعلن، لعدم فوز روايتي في العويس وهي سبب تقديمي إلى العالم الروائي وأعيدت طباعتها عدة مرات وتمت ترجمتها إلى خمس لغات، وأستطيع أن أخمن بعض الاسباب التي لم تعلنها لجنة التحكيم، لذلك أستطيع القول مطمئناً إلى حكمي بان «معظم» الجوائز العربية وحتى تلك من الجامعة الأمريكية أصبحت «أخلاقية وسياسية»، وهذا ينفي مصداقية لجان التحكيم التي تنفجر أزماتها علانية بين وقت وآخر .. فلنتأمل فوز» عزازيل «مثلاً، وهي رواية تهاجم وتنتقد» الكنيسة الأرثوذكسية المصرية «ــ بالمناسبة مذهب عائلتي هو البروتستانتية ــ لكن رئيس لجنة التحكيم وقتها كان صموئيل شمعون العراقي الآشوري الذي ينتمي مذهبياً إلى كنيسة مناوئة للمصرية، وينتمي مذهبيا إلى المطران «نسطور «البطل الضد في عزازيل، إضافة إلى أن شخصين من لجنة التحكيم آنذاك كانا لا يجيدان العربية أحدهما هي السيدة البريطانية زوجة شمعون! ثم خذ عندك آخر الفضائح بفوز رواية خالد خليفة «لا سكاكين» بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، رغم الانتقادات القاسية التي واجهت الرواية من ناحية الحبكة والأسلوب. أقول معظم «الجوائز» لأنها قادمة من بلاد لا تنفي مواقفها الأخلاقية والدينية والسياسية التي أقل ما توصف بأنها «محافظة»، رغم فوز بعض الكتّاب العرب المعروفين بتقدميتهم ويساريتهم، ولعل السبب هو أن لجان التحكيم مُتغيرة وأنها من وقت لآخر تضم بعض المُحَكّمين المحسوبين على اليسار.
صراطنا المستقيم
ويستمر مسعد بقوله إنه يعتبر وجود الجوائز بغض النظر عن أسباب وجودها ميزة يجب أن نطورها نحن من ينتقدها، حتى نحولها إلى ما نتمناه لها من قيمة أدبية ومعنوية. فجوائز كهذه في عالمنا العربي يجب أن تكون ميزة وليست نقيصة، لأن الوضع الثقافي المتدني في بلادنا العربية ينعكس بالضرورة على المبدعين حتى لو حاولوا السباحة ضد التيار السائد، الذي يتم تقييمه بجوائز عالية القيمة مالياً، مما يخلق بالتأكيد نموذجاً لا نريد له السيادة الثقافية ..نموذج الأدب السطحي «الكيتش» الذي وصفه كونديرا بأنه يشبه الأدب! علينا إذن أن نكتشف «صراطنا المستقيم» في تقييمنا هذا، وأن لا نحيد عنه حتى لا نسقط يميناً فنقول ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولا نسقط يساراً فننتقد ونطالب بالإلغاء باعتبار الجوائز رجساً من عمل الشيطان!
الشللية الثقافية وعواقبها
يتساءل بدر الدين عرودكي الناقد والمترجم السوري عن الجوائز التي تمنح اليوم في العالم العربي، من حيث اختلافها وبالتالي طريقة استقبال الفائز بها وتبعات ذلك، فيرى أن هناك بصورة عامة الجوائز التي تمنحها الدولة لكتابها وفنانيها وعلمائها بعد مسار حافل بالعطاء والإبداع، تتويجاً لسنوات من جهد أعطى ثماره ونال ما يستحقه من احترام الجمهور واعترافه. وهناك الجوائز التي تمنحها، إما مؤسسات عامة تابعة للدولة، أومؤسسات خاصة أو ذات طابع خاص أو شبه رسمية عن عمل أو مجموعة من الأعمال في مجال الإبداع الأدبي، في الرواية أو في الشعر أو في البحث، وكذلك في مجال الترجمة. وإذا كانت الجوائز الأولى التي تمنحها الدولة لا تضيف شيئاً سوى تسجيل الاعتراف العام بصورة رسمية بمسار فني تحقق وفرض نفسه في الحياة الثقافية أو الفكرية أو الفنية وكان له جمهوره، فإن الجوائز الأخرى ــ وهي خصوصاً موضوع سؤالك كما فهمته ــ ليست بالضرورة كذلك. فهي تستهدف عموماً التعبير عن اعتراف بهذه الموهبة أو تلك في مجال الإبداع الأدبي بما يكفل ــ من حيث المبدأ فقط ــ التعريف بالكاتب روائياً كان أو شاعراً أو مسرحياً .. إلخ.
بينما أشرف الصباغ الروائي والمترجم المصري، يُخضع الأمر إلى تقسيم آخر قريب.. الأول يعتبر جواز مرور للكاتب الشاب أو الذي على بداية الطريق، ما يسمح له بالانضواء تحت «خيمة المثقفين» والاستفادة من امتيازات تلك الطبقة. والثاني اعتراف بجهود وإنتاج الكاتب الكبير المشهور، ما يكرس لوجوده ويضعه في مصاف الكتاب الأجانب والاستفادة من مزايا هذه الشريحة.. الجوائز الأدبية موجودة في كل دول العالم تقريبا، ومنها ما تعدى حدود الدولة التي ظهرت فيها لتمنح تحت هذا المسمى أو ذاك لكاتب من دولة أخرى. هناك معايير مشتركة للجوائز الأدبية في العالم كله، مثل جودة العمل، وقيمته المعرفية، وتأصيله لهذا التوجه أو ذاك، واتساقه مع المعايير الإنسانية العامة. وربما تكون المعايير نابعة أساسا من طبيعة الجائزة التي تمنح على عمل واحد، أو على كل الأعمال والإسهامات، أو على النزعة الفلانية العامة في أعمال هذا الكاتب أو ذاك، ولكن كل ذلك يتغير نسبيا وبدرجات متفاوتة عندما يصل إلى لجان التحكيم وتركيبتها وتوجهاتها، أو يبدأ بالتفاعل مع طبيعة الوسط الثقافي الأدبي وطبيعة تكوينه، أو يصطدم بفهم وتناقضات الصحافة الثقافية الأدبية والقائمين عليها وطبيعة الشلل والمجموعات.
فالنقطة الأكثر إثارة للقلق، والتي تدعو إلى التفكير الجدي، ليست إطلاقا الجائزة بطبيعتها أو معاييرها، وإنما إلى العقليات القائمة عليها بداية من مجالس تلك الجوائز إلى لجان التحكيم، وشكل تعامل هذين الهيكلين مع الإنتاج الأدبي وصاحب الإنتاج. فالنوع الأول من الجوائز الذي يمنح لكاتب ما على أول عمل له، والضجة الإعلامية التي تقام حول الكاتب، ثم العمل، تضعنا أمام سؤال: إذا كان الكاتب فاز بجائزة على أول أعماله، فعلى ماذا سيحصل مقابل العمل الثاني والثالث؟ ونحن هنا لا نشكك إطلاقاً في قدرات المبدع، بقدر ما نحاول أن نلفت الانتباه إلى التراكم الإبداعي وظهور توجه أو منهج لكي يأخذ العمل الأدبي حقه الطبيعي، ثم الكاتب وليس العكس. أما النوع الثاني من الجوائز، الذي يمنح لكبار الكتاب من حيث السن وكثرة الإنتاج، فهو نوع مراوغ نسبيا، لأنه مُعرّض دائما للتشكيك، فأحياناً تكون الأسماء محددة سلفاً قبل عدة سنوات وبالترتيب، لكي لا يغضب هذا الكاتب أو ذاك، أو تثور «مجموعته» الأدبية أو شلته العاملة في الصحافة الثقافية.
عدم جدوى الجوائز
ويتعرض عرودكي إلى المشكلات التي تطرحها هذه الجوائز.. فهي من ناحية تقدم في أغلب الأحيان مبلغاً مجزياً من المال لمن ينالها وينتهي الأمر عند ذلك، إذ أن صداها ــ من ناحية ثانية ــ لا يزال يقتصر على جمهور المتنافسين عليها وعلى من يلوذ بهم من الصحافيين ومن الناشرين، وأنها، من ناحية ثالثة، لم تنجح حتى الآن في أن تطال جمهور القراء الواسع، وهو ما يجب أن يكون الهدف الأول والأساس لأي جائزة من هذا القبيل أصلاً.
ولنأخذ جائزة الجونكور، على سبيل المثال، التي تمنح في فرنسا منذ عام 1903، وهي ليست الجائزة الوحيدة بالطبع. قيمة هذه الجائزة النقدية التي تعطى لمن ينالها لا تتجاوز مبلغ 10 يوروات. لكن عدد النسخ التي تطبع من الرواية التي تنال الجائزة يمكن أن يصل، وغالباً ما وصل ويصل، إلى ثلاثمئة ألف نسخة. هذا يعني أولاً أن قراء العمل الفائز سيبلغ على الأقل ضعف عدد النسخ المطبوعة إن لم يكن الضعفيْن، وهو الهدف الأمثل والأهم، وثانياً أن الجزاء المادي سيتضاعف إلى حد لا يقارن مع أي مبلغ يمنح مثلاً من قبل مختلف الجوائز العربية بفعل حقوق المؤلف على المبيعات من كتابه، وثالثاً أن هذه الشهرة التي نتجت عن أصداء منح الجائزة تفتح الطريق واسعاً أمام انتشار وتوزيع أعمال الكاتب القادمة، بما يكفل له جمهوراً واسعاً ودائماً.
من السهولة بمكان والحالة هذه أن نتصور الحالة الثقافية التي تنتج عن منح الجواز خلال موسم كامل كل عام، حيث تنشط دور النشر والكتابات النقدية في الصحافة وتزدهر المكتبات.. إلخ. وهذه حالة لم يعرفها العالم العربي حتى الآن، رغم أن الجوائز التي تشير إليها تمنح منذ عشرات السنين إلى الآن. ومن هنا فإني لا أرى صراحة أي أهمية لهذه الجوائز التي لا تقدم شيئاً في مجال إثراء الحياة الثقافية ولا تقوم بالتشجيع على القراءة ولا تؤدي إلى ترويج هذا المبدع أو ذاك من خلال اجتذاب أعداد جديدة من القراء.
الجوائز ومدى استقلالية الكاتب
حول هذه العلاقة المُلتبسة دوماً يقول الشاعر المصري مُهاب نصر.. أتصور أن السؤال نفسه يحمل نوعا من التوجس، التوجس من كون «الجائزة» أي جائزة تتعارض بقدر ما مع فكرة لدينا عن استقلالية الكاتب وتنزهه، وهذه الفكرة وإن ظلت راسخة لعقود ربما لم تعد بالقوة نفسها، ومع ذلك فقد تركت فراغا في معنى «النزاهة» والاستقلالية.. ماذا نقصد بهما؟ وهل هما مطلوبان أصلا؟
أتذكر حوارا مع كاتب صديق كان يرى أن الأدب مهنة مثل كل مهنة، وأن «نزاهة» المهنة هو أن تؤدى بشكل جيد، هكذا ليس مطلوبا مني إلا أن أكتب رواية جيدة أو قصيدة مميزة، ومن الطبيعي أن أحصل من ذلك ككل صاحب مهنة على أجر. لكن المسألة ليست بهذه البساطة، فمن يدفع الأجر ليس مجتمع من القراء عادة، بل جهاز دولة أو مجموعة من الأثرياء قافزين فوق فكرة المجتمع أصلا.
ومن ثم، من الذي يحكم بأن عملا ما جيدا أو رديئا، ومن ثم يستحق صفة النزاهة كما يقول صديقي؟ انهم غالبا نخبة مغلقة على نفسها تتداول الأفكار والمعايير المجردة بمعزل عن أي قدرة تمثيلية لها في الواقع، لاحظ أن كلمة تمثيل، وثيقة الصلة بالأدب، يمكن استخدامها نفسها في ما يتعلق بالحكم بمعناه السياسي، هذا التمثيل غير موجود. حين تمنح الجائزة من قبل لجنة تحكيم ما يبدأ التشكيك فورا، وهو تشكيك في محله، وإن كان لأسباب أخرى غير المتداولة: انه تشكيك بسبب غياب المعايير، تلك المعايير التي كان ينبغي أن تتراكم بكل دلالاتها الفنية والتاريخية في سياق ممتد لتطور النوع الأدبي. هكذا تجد في مسوغات الجوائز كلاما عجيبا قد لا يعجبك، لأنه في النهاية تعبير عن ذائقة نظرية مجردة، يختار ناقد رواية مثلا لأنها تتحدث عن الاقليات، أو تتعرض لقهر السلطة للمواطنين، أو تكشف المستور، أو أنها ما بعد حداثية.. مع أن هذه الأحكام لا علاقة لها بمساهمة هذه الرواية في تطور النوع بما يفتح سؤاله مجددا على مجتمع أوسع وأرحب.
الفساد الثقافي
ويستكمل الصباغ الحديث، فيرى أن الكارثة الكبرى عندما يبدأ الكاتب حياته بأن تترجم أولى أعماله، ثم تتجاهله الجوائز، لتبدأ المعارك الكبرى على اعتبار أنه حصل على صك الشهرة والاعتراف العالمي، بينما الجوائز تمنح لمن لم تُتَرْجَم أعمالهم.
وغالبية المعارك لا تدور حول قيمة العمل الأدبية والمعرفية، وإنما حول الجائزة نفسها كمحدد لقيمة الكاتب في السوق الثقافية/الأدبية. هكذا تتغير طبيعة ومعايير الجوائز التي نراها عظيمة على الورق وفي الإعلانات والوثائق الخاصة بها، لتتحول إلى شكل من أشكال المحاصصة والثمن العيني للكاتب وليس الكتاب أو العمل الأدبي. وقد ينطبق ذلك على الجوائز الشهيرة، والكبيرة في قيمتها المادية، أكثر مما ينطبق على الجوائز المتواضعة. هذا الكلام لا يعني إطلاقا أن كل الجوائز تعاني من المرض.
فالأمر من وجهة نظري يتعلق بطبيعة مجلس الجائزة ولجنة التحكيم، والمسافة من الشللية والمحاصصة والتوزيعات الإقليمية، وربما الطائفية، أو الظروف المحيطة بصحة هذا الكاتب أو سطوة ذاك الكاتب ونفوذه. ما يحيلنا مرة أخرى إلى نوع من أنواع الفساد الثقافي الأدبي وإهدار حتى قيمة الكاتب شابا كان أو كهلا، ذلك بعد أن تكون قيمة العمل الأدبي قد أهدرت أولا.
فشل محتوم
ويُضيف الشاعر مُهاب نصر أن المشكلة ليست في الجوائز، وإنما في كونها استسلاما لفشل في أن يكون للأدب جمهور، وهذه هي الجائزة الحقيقية، أم يكون مؤثرا ومغيرا لما استقر في وعي الناس من مفاهيم جمالية. الجائزة تضع معنى الجمال بين قوسين كتقنية أو مضمون يمكن أن تكرره لتنال جائزة أخرى، حالة من التسليع والانتاج لحساب الغير تنهي فكرة الأدب أصلا.
الأدب مساحة رجراجة ومراقبة لمساحات أخرى لنشاط الانسان، انه دائما أبعد بخطوة او متأخر بخطوة لينفتح على ممارسات الناس ويعينها على فهم نفسها. تحجيم الأدب داخل «وصفات» الجوائز» ينتهي به إلى كونه مهنة، كما قال صديقي، ولكن غير ذات قيمة إن لم أقل غير شريفة، لأنها تزيف المعنى الأصلى للأدب كتمثيل وفضح للتمثيل. ليست المشكلة مجددا في الجوائز، ولكنها في مضمون فعل ممارسة الأدب ذاته في مجتمع لا يفهم حتى معنى التمثيل ومقصده.
أنظمة حُكم بائسة وجوائز أكثر بؤساً
وأخيراً نستعرض رأي الكاتب والناشر السوري وليد خليفة الذي يسرد انطباعه من خلال تجربته في النشر والأوساط الثقافية العربية، فيقول في ما يُشبه الشهادة… في الثلاثين الأولى من عمري التي قضيتها بين دمشق وبيروت والقاهرة وطرابلس الغرب والجزائر، كنت أنظر بريبة للأوساط الثقافية الرسمية ومحيطها المتخم بنقائض الحياة والمتسلقين البائسين من كل القياسات والأحجام، متأبطين كتبا تحمل أسماءهم، هكذا دارت بي الدنيا وكنت شاهداً صامتاً على مهرجانات صدف أن مررت بقربها في تلك العواصم وحفلات توزيع جوائز كنت أمر بجانبها بابتسامة سخرية على شفتي.
كانت الهجرة الإرغامية تحملني من مدينة إلى مدينة، وطالما تعثرت بهؤلاء المحظوظين بجوائز بائسة على أرصفة عواصم عربية كثيرة، كنت أسير بلا هدف، ولكن ضوضاء هؤلاء الفائزين ولجان الترشيح والتربيط كان يثير حالة غثيان لديّ، مصدرها الشفقة على النفاق الذي تعانيه المجتمعات العربية لحظها العاثر بوجود نخب من هذه القياسات وبكثرة في عواصمها، نخب لا تفرق بين تاجر سلاح وأعضاء بشرية ودماء، وبين مثقف له ما له وعليه ما عليه.
كانت النخب العربية وما زالت تفضل تاجر السلاح والأعضاء البشرية والدماء على كل ما عداه من قائمة المغمورين باهتمامات أعضاء المحفل الثقافي العربي.
من ناحية أخرى كانت الجوائز والمهرجانات العربية في بداية القرن العشرين تشبه حال النخبة العربية، مهرجانات غسيل أموال تجار السلاح، وغسيل وجوه أنظمة بائسة خربة وتوسيع دائرة الفراغ، لم تخرج جائزة واحدة أو مهرجان واحد عن تلك الدائرة المخزية، وكنت شاهد عيان من قريب على تلك المكارثية التي ستتواصل.
هجرت دنيا العرب مرغما عام 2007 ليستقر بي الحال في باريس، حيث الثقافة العربية يتم تقديمها في صورتها، كما هي في دنيا العرب.. عبر مراكز وشخصيات متشابكة مع النخبة العربية ومحيطها المندغم في عالم السلطة والمال السياسي، معهد العالم العربي وبعض وجوه النخبة العربية المشرفة على تنظيم المهرجانات.
مرة أخرى أقف على مسافة كافية للنظر ومتابعة بؤس ورثاثة هذا المشهد، جوائز تستند إلى جذع العلاقات العامة والوجبات السريعة والمشاركة في وليمة الخراب وتوسيع دائرة الخواء، حتى حضرت موجة ما سُمي بالربيع العربي، هنا كانت الفضيحة أكبر من أن تعتذر نخبة لا تعرف الاختلاف فكيف تعرف الاعتذار؟ نخبة تسير خلف أنصاف ساسة وأرباع تجار حروب وكأنها كومبارس فاقد لأي دور سوى معاودة العبارات المكلف بها، نخبة لا يمكن أن تنتمي لحلم دولة وإنما حلم سلطات متخمة بالوباء .
طبعا لم تعتذر أفراد جوقة المهرجانات والجوائز على عملها تحت راية القذافي أو بشار الأسد أو غيره من رموز القتل والفساد، رغم أن جل أفراد النخبة قلبت ظهر المجن لماضيها، وكأنها ليست هي ذاتها التي كانت مسؤولة عن جوائز القذافي ومهرجاناته، كما كانت مع غيره، إنها اللجان نفسها التي مدحت هذا الغول الدموي وذاك تاجر السلاح التي تمنح جوائز على قدر معارفها وذائقتها في منح المغانم على المقربين وأقنية التواصل مع سلطات وأوساط لم ولن تنظر للثقافة إلا بمثابة ديكور مُهمَل في زاوية من زوايا أصحاب المال، ولم تسلم الجوائز العالمية المعرّبة من وباء لجان التحكيم التي تحمل وزر ثقافة تعاود إنتاج الخراب وتبتعد عن المعرفة كل يوم أكثر فأكثر.
محمد عبد الرحيم