لندن – «القدس العربي»: هل يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق ما وعد به «صفقة» القرن الكبرى وتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وهل سيكون قادراً على عمل هذا وهو يشعل الحرائق اليومية؟
فبعد الحظر على مسلمي ست دول إسلامية والخروج من معاهدة باريس للتغيرات المناخية وقطعه المساعدات عن المعارضة السورية، ها هو يتلاعب بالملف الذي يريد حله، ويعلن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وسط تحذيرات من قادة المنطقة ومخاوف من تغذية الإرهاب وتعقيد مهمة صهره ومستشاره جارد كوشنر الذي وكله بمتابعة تفاصيل ما سيعلنه لاحقاً.
ومن هنا ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أنه في أي نقاش حول تسوية محتملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين فلا يوجد موضوع يثير العواطف أكثر من القدس. فهل يجب أن تكون للإسرائيليين وحدهم أم أن للفلسطينيين فيها حصة؟ وتقول إنه في غياب أي محادثات جدية يقوم ترامب بتحقيق أمنية الإسرائيليين ويصيب الفلسطينيين بالذهول ويعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وينقل السفارة من تل أبيب، وبهذه الطريقة يرمي في الهواء عقوداً من الدبلوماسية الأمريكية الحذرة، ولأجل ماذا؟ وتشير لما أكده ترامب أنه ملتزم بتحقيق تسوية «نهائية» في الشرق الأوسط وهي التسوية التي فشل أسلافه من الرؤساء الأمريكيين بتحقيقها. ولكن قراره بحرف الميزان لمصلحة إسرائيل في هذه المرحلة الحرجة وقراره الذي أخبر به قادة العرب يوم الثلاثاء سيجعل من إمكانية تحقيق تسوية أصعب وسيثير الشكوك حول نزاهة أمريكا وعدالتها وسيطاً شريفاً في المفاوضات. وسيؤدي لزيادة التوتر في المنطقة، إن لم يحرض على العنف. وبرغم نقل إسرائيل مكاتبها إلى القدس منذ البداية إلا أن الأمم المتحدة لم تعترف بهذا، وحتى بعد احتلال الجزء الشرقي في عام 1967 الذي كان تحت الحكم الأردني. وبعد محادثات أوسلو جعل موضوع القدس من بين قضايا الحل النهائي. وكان الفلسطينيون يأملون بأن يكون هذا الجزء مقرًا لعاصمة دولتهم المقبلة والسيطرة على المقدسات الإسلامية فيه، إلا أن إسرائيل سرعت من بناء المستوطنات وأسكنت نحو 200.000 مستوطن بين السكان العرب، ما عقد من عملية الحل. وتعلق الصحيفة ساخرة على مزاعم ترامب بأنه صانع صفقات ماهر ولكن التاجر الذكي لا يقدم تنازلات قبل بداية المفاوضات كما فعل الرئيس هنا. وترى أن الرابح الأكبر سيكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لم تظهر حكومته المتشددة أي اهتمام بحل الدولتين، على الأقل الحل الذي يحظى بدعم الفلسطينيين. وتشير هنا لردود الفعل السريعة من القادة العرب، فقد حذر الرئيس محمود عباس من «التداعيات الخطيرة» على العملية السلمية. فيما تحدث العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بلغة حذرة وأكد أن القدس قضية رئيسية في تحقيق الاستقرار بالمنطقة.
وهددت تركيا بقطع العلاقات مع إسرائيل وجاءت تحذيرات من الجامعة العربية وفرنسا وأخبر الملك سلمان ترامب أن أي قرار بشأن القدس قبل تسوية سلمية سيؤدي للتوتر بالمنطقة. وتعلق الصحيفة إن التحذير السعودي متوقع لأن القدس فيها المسجد الأقصى ويحمل الملك السعودي لقب خادم الحرمين الشريفين، وهناك خطة سلام سعودية على الطاولة تدعو للتطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل.
السعوديون يبتعدون
ولكن السعوديين يبتعدون على ما يبدو عن هذه الخطة. فللأمير محمد بن سلمان، ولي العهد علاقة قوية مع كوشنر الذي يقوم بإعداد مسودة حل شامل. وبرغم أن الخطة لم يكشف عن تفاصيلها بعد إلا أن ابن سلمان أخبر على ما قيل الرئيس الفلسطيني عباس أنها متحيزة لإسرائيل أكثر من خطة قدمتها إدارة أمريكية في السابق. وتمنح الخطة سيادة محدودة على الضفة الغربية التي سيتم الاحتفاظ فيها بكل المستوطنات تقريبا. ولن يحصل الفلسطينيون على القدس عاصمة لهم ولكن حي أبو ديس ولن يكون هناك حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين. وأي زعيم فلسطيني يقبل بأفكار كهذه لن يحتفظ بشعبيته مع أن الأمريكيين والسعوديين نفوا وجود خطة كهذه. وهناك الكثير من المحللين يشككون في مصداقية ترامب وبحثه عن حل سلمي بقدر ما يريد غطاء سياسيا لإسرائيل والدول العربية السنّية من أجل تشكيل تحالف ضد إيران. وتقول الصحيفة إن قاعدة ترامب من الإنجيليين والداعمين المتشددين لإسرائيل يطالبونه بتحقيق وعوده الانتخابية. وقد قدم الرؤساء السابقون وعوداً كبيرة لكنهم وضعوها على الرف عندما وصلوا للمكتب البيضاوي وفضلوا المسار الدبلوماسي. وبرغم أن بعضهم يقول إن قراره قد يخفف الضرر في قضايا أخرى مثل حدود الدولة الفلسطينية إلا أن سجل ترامب حتى الآن لا يعطي ثقة به وأنه قادر على تقديم موقف واضح.
إبراهيم درويش