التاريخ لن يغفر إذا انهار قطاع غزة

حجم الخط
0

قابلت محمد (3 سنوات)، الذي يعاني من مرض خطير في الجهاز الهضمي والتنفسي، في مستشفى «الرنتيسي للأطفال» في مدينة غزة. وقد ذهبت إلى هناك في نيسان 2017 في زيارة في إطار بحث حول تأثير تفاقم أزمة الكهرباء في أعقاب تقليص تزويد الكهرباء من إسرائيل إلى قطاع غزة.
محمد هو طفل دائم الابتسام، وفي كل شهر يتم علاجه في المستشفى مدة عشرة أيام. وبسبب مرض في الرئة فهو يحتاج إلى التنفس الصناعي بين الفينة والأخرى.
والدته تقول إنه منذ فترة غير بعيدة أصيب بنوبة ليلية وعانى من ضيق في النفس واحتاج إلى جهاز تنفس اصطناعي يعمل بالكهرباء، ولكن ذلك حدث في الوقت الذي لم يكن فيه كهرباء. وقد أخذه والداه مع الجهاز والأدوية وركضا في الشوارع الضيقة في حي يافا بحثا عن نافذة مضيئة دليلا على وجود الكهرباء، إلى حين وصلوا إلى صيدلية مضاءة بوساطة مولد خاص. هناك قاموا بتشغيل جهاز التنفس حتى مرت النوبة.
والد محمد نجار في مهنته، وقد عمل في المهنة إلى حين تدمير منجرته في القصف في عملية «الرصاص المصبوب» في 2009. ومنذ ذلك الحين هو يعمل مع شقيقه في بيع الخُضَر في غزة. في كل صباح يشترون الخُضَر ويملأون العربة وبعد ذلك يتجولون طوال اليوم في شوارع المدينة لبيعها. مكاسبهم هي 20 ـ 25 شيقل في اليوم. قبل ستة أشهر كان الوالد يكسب نحو 50 شيقلا في الصباح، اليوم الوضع لا يحتمل. وهو يقول إنه لا يوجد مال للناس من أجل شراء الاحتياجات الأساسية للعيش، وهو يحتاج إلى 800 شيقل في الشهر لشراء الدواء والحليب الخاص والحفاضات لمحمد. واليوم هو لا يستطيع الوصول إلى هذا المبلغ وهو غارق في الديون للصيدليات والبقالات.
وضعه الاقتصادي لا يسمح له بوضع شبكة شمسية في بيته، كي يستطيع انتاج الكهرباء منها وتشغيل جهاز التنفس الاصطناعي الذي ينقذ حياة محمد. وهو لا يعرف إذا كان سيكون معه ما يكفي من المال لسيارة عمومية في حالة الحاجة إلى الإسراع بمحمد الصغير إلى المستشفى.
كل الجهات ذات العلاقة تعرف الكارثة الاقتصادية والإنسانية في القطاع، كلها تعرف أنها من صنع البشر.
طالما أن إسرائيل تبيع لغزة فقط 60 ٪ من كمية الكهرباء التي كانت تبيعها في السنوات السابقة، فقد كان الأمر يتعلق بأزمة مؤقتة. ولكن الآن عندما يصل تزويد الكهرباء لثماني ساعات فقط (ويأتي بعدها 12 ساعة انقطاع) كقاعدة طبيعية، فلا يمكن النظر إلى الأمور بهذه الصورة.
الأمر يتعلق بقاعدة خطيرة غير مقبولة. ليس فقط عندما يدور الحديث عن عائلة طفل مريض، بل عن مجمل العائلات والاقتصاد والجهاز الطبي، وبالأساس البنى التحتية المنهارة في القطاع ـ تزويد المياه، تكرير مياه المجاري، صرف مياه الأمطار.
وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية مليئة بوصف الوضع الإنساني في القطاع والدعوات للتغيير. تقارير عاموس هرئيل في «هآرتس» عن جهات في الجيش وكأنها تنتظر كارثة لا يمكن منعها من أجل العمل، تسببت بردود مذعورة. الانطباع السائد هو أنهم ينظرون إلى غزة على أنها ظاهرة خطيرة وليس كبيت لسكانها.
قيادة إسرائيل والسلطة الفلسطينية وقيادة حماس في غزة وكذلك أيضا في مصر وفي المجتمع الدُّولي يعرفون كل ما يجب معرفته، بما في ذلك الحلول الممكنة والحاجات الطارئة. وهم أيضا يجب أن يعرفوا أنه إذا لم يستيقظوا بسرعة فإن التأريخ لن يغفر أخطاءهم بحق المليوني نسمة.

هآرتس 30/1/2018

التاريخ لن يغفر إذا انهار قطاع غزة

محمد عزايزة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية