كان على المقولة الأخيرة أن تكون أكثر وضوحًا وتصديقًا على النحو التالي: كن طاغيةً يخدم مصالح أمريكا كبشار الأسد يرضى عنك الأمريكان. كن زعيمًا وطنيًا يخدم مصالح أمريكا كأردوغان يتآمر عليك الأمريكان.
غير أن نفاق أمريكا «الديمقراطية» لم يتجلَّ في موقفها الازدواجي تجاه هذين الطاغيتين (على اعتبار أردوغان طاغيةً بالمنطق الأمريكي) فحسب، بل تجلى كذلك في موقفها الازدواجي تجاه طاغيتين مجاورين آخرين منذ أكثر من نصف قرن، ألا وهما محمد رضا بهلوي وصدام حسين – وهنا التاريخ يعيد نفسه فعلاً فيما يخص تلك الذرائع الإستراتيجية البراغماتية التي تصنِّعها أمريكا في الخفاء. تذكر أن وكالة الاستخبارات المركزية عمدت في سنة 1953 إلى الإطاحة بحكومة إيران المنتخَبة ديمقراطيًّا، آنئذٍ، وإلى إصرارها على بقاء نظام الشاه الديكتاتوري بين عشية وضحاها. تذكر أيضًا أن هذا الديكتاتور المستبد هو الذي صنَّعته أمريكا ونصَّبته شاهًا على إيران وقدَّمت له كلَّ الدعم اللازم لكي يؤدي دوره المعيَّن، على الرغم من أن سجلَّه فيما يخص حقوق الإنسان كان من أسوأ سجلات تلك الحقبة على الإطلاق. وما إن أطاحت الثورة الإيرانية بهذا الشاه سنة 1979، حتى تحوَّل الدعم الأمريكي إلى الديكتاتور المستبد الآخر في المنطقة، صدام حسين، الذي لا يقلُّ سجلُّه فيما يخص حقوق الإنسان سوءًا على سجلِّ سابقه. وكان لصدام حسين دوره المعيَّن، هو الآخر، فقد ازداد الدعم الأمريكي له أضعافًا مضاعفة إبان حربه المرسومة على إيران. ومنذ ذلك الحين، وتحديدًا منذ أيام الثورة الإيرانية، وأمريكا تفرض شتى أنواع العقوبات الاقتصادية على إيران بغية إضعافها وإنهاكها اقتصاديًّا، أولاً. وما الغاية من العمليات العسكرية الكبيرة التي قامت بها أمريكا في الدول المجاورة والمتاخمة حتى هذا اليوم سوى زعزعة المنطقة المحيطة بإيران من أجل تهديد أمنها واستقرارها، ثانيًا.
هكذا، إذن، يتجلى النفاق التاريخي المعهود لدى أمريكا «الديمقراطية» والغرب «الديمقراطي»، بوجه العموم. فإيران لا تزال العدوَّ الأكبر (أو «الشيطانَ الأعظم» في التعبير السياسي الدارج) فوق كل شيء. والاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني إنما هي، كما قلتُ في البداية، ذريعةٌ إستيراتيجية براغماتية تمَّ اللجوءُ إليها لمنع إيران من حيازة أيٍّ من المواد اللازمة لتصنيع الأسلحة النووية، على الأقل لمدة جيل كامل، ولردع كافة الجهود والمساعي التي يمكن لإيران أن تبذلها من وراء الكواليس بغية التسليح النووي.
حي يقظان