تحصل جيروم فيراري، الكاتب الفرنسي من أصول كورسيكية على جائزة الغونكور سنة 2012 عن رواية «موعظة سقوط روما»، قبل هذه الرواية تحصل على جائزة فرنسا التلفزيون سنة 2010 عن روايته «حيث تركت روحي».
يعود سبب اختيار الرواية الثانية إلى أنها تتحدث عن الجزائر، عن جروحات الذاكرة، ببساطة لأنها تطرق موضوع التعذيب، الذي لا نكاد نجد له نصا متخيلا، سواء في الأدب الجزائري أو الأدب الفرنسي.
يمكن إدراج هذه الرواية في مجال الكتابة عن الذاكرة ، التي تعد مجالا أدبيا مهما للكثير من النقد والكتابات الأدبية مابعد الكولونيالية. تختلف رواية الذاكرة عن الرواية التاريخية اختلاف التفصيلي عن التعميمي، فإذا كان النص التاريخي يحاول استعادة ماضي الأحداث من منظور إجماع كوني فإن نص الذاكرة يتسرب مع التفصيلات الدقيقة إلى أتون الماضي، باحثا عن المهمش والمسكوت عنه ومستنطقا المضمر والمبطن.
حينما نقرأ رواية جيروم فيراري نشعر وكأن الشخصيات تعيش حالات من الانشطار بسبب الضمير الشقي الذي ولد حالات من التناقض تتجلى عند الكاتب مرات في الحوارات البوليفونية وتتجلى مرات في حالات من المونولوغ الذي يقوم على مبدأ الاستبطان.
فتح فيراري نصه على شخصيتين، النقيب دوغورس والملازم الأول أندرياني. تتجلى الشخصية الأولى في النص كذات تعيش أزمة داخلية بسبب الضمير الشقي الذي ينتابها من حين إلى آخر. لقد عاشت ثلاث حروب: الحرب العالمية الأولى وحرب الهند- الصينية وحرب الجزائر. رغم أن زمن الحكي تحدد بثلاثة أيام متتالية من شهر مارس (27- 28-29) سنة 1957، إلا أن الزمنين السابقين على حرب الجزائر، جاءا على شكل استذكار. بين هذين العسكريين يفصح النص عن شخصية الطاهر، الذي يشبه كثيرا شخصية العربي بن مهيدي التاريخية. لقد كان الطاهر على رأس قائمة المطلوبين عند مجموعة دوغورس، وبما أن هذا الأخير كانت وظيفته نزع المعلومات عن طريق الاستنطاق (رغم أنه لا يشارك فيه) سقط بين أيدي جلاديه شخص يطلق عليه القبائلي، كان سببا مباشرا في القبض على السي الطاهر. يختلف دغورس عن الجلادين الآخرين بالبسيكولوجيا، فهو يضغط على ضحاياه باحثا عن نقطة ضعف هنا أو هناك كامنة في أعماق النفس، لهذا كان يعتقد دائما بأن كل مستنطَق لابد أن يكون له مفتاح ما، لا يوجد شخص يستطيع التصدي للتعذيب، يتطلب الأمر من الجلاد أن يجد المفتاح بطريقة ذكية.
إن الطريقة التي جعل بها هذا النقيب القبائلي يعترف هي الشرف، في هذه اللحظة بالذات ينهار القبائلي ويدل على بيت السي الطاهر، بعدما تم القبض على هذا الأخير أقام ضباط الجيش ضجة إعلامية كبيرة، على الرغم من أن دوغورس كان فرحا لإنهاء قائمته إلا أنه شعر بنوع من الانقباض بسبب عدميته القاتلة، فبعد القبض على الرأس المدبر للعمليات الفدائية في العاصمة وبعد الوصول إلى يقينية إنهاء معركة الجزائر، إلا أن هذا النقيب شعر بنوع من المواساة والطمأنينة اتجاه السي الطاهر، فهذا العدو اللدود كان يشعره بوجوده وبتناقضه الداخلي.
صور دوغورس السي الطاهر في الكثير من الأحيان في صورة المسيح. لهذا نجد العلاقة الموجودة بين النقيب والسي الطاهر علاقة معقدة من طبيعة مانوية تصل مرات إلى حد الانشطار، إن السي الطاهر هو العدو وهو القريب في الوقت نفسه. يمكن إرجاع الأسباب المباشرة المساهمة في إنتاج هذا التناقض النفسي الحدي إلى السجل الثقافي الذي ينطلق منه دوغورس في تعيينه لفكرة الحق. إن هذا السجل ديني وعلماني في الوقت نفسه، فالمسيحية في نسختها الكاثوليكية ككل الديانات السماوية وغيرها تطالب الفرد بالاعتراف بأخطائه وتعده شجاعة لابد من القيام بها لكي تحسم قضايا الظلم. دوغورس يعترف في الكثير من هسهساته النفسية بأن ما يفعله جنوده وما يقوم به أندرياني بعيد كل البعد عن تعاليم المسيح.
أما عن السجل العلماني فدوغورس يعرف جيدا أن الجمهورية منعت التعذيب لتأسيس دولة القانون منذ الثورة الفرنسية، فهذه الثورة التي اغترفت من فلسفة الأنوار التي تروم أنسنة الحياة، انطلاقا من تقعيد مبدأ الأخوة والمساواة والحرية حسمت مسألة التعذيب وجعلت القانون الناموس الكوني الذي يطبق على الجميع. لقد اقتنع مؤرخو قضية التعذيب بأن إخفاء ما كان يحصل في الجزائر المستعمرة، كان سببه رفع التناقض بين الجانب النظري في الجمهورية والجانب التطبيقي المفعم بالأيديولوجية الكولونيالية، لقد نشأ في الجزائر في فترة الحرب نظام بوليسي جديد وزع الإدارة العقابية توزيعا جديدا. حاول جيروم فيراري في نصه أن يعتمد تقنية تداخل النصوص، لكي يضفي نوعا من البوليفونية. إن شخصية دوغورس تجلت كثيرا في الحوارات وفي المونولوغ، بل كانت تبنى في كثير من الأحيان عن طريق سارد خارج الحكي مما يضفي عليها توازنا بين البراني والجواني. لم يبن فيراري شخصية أندرياني انطلاقا من هذه التقنية، بل قولبها في صوت يتجلى في النص عن طريق تقنية الرسائل. كتب أندرياني عدة رسائل لدوغورس يعبر فيها عن حبه وكراهيته له في الوقت نفسه. تجلت شخصية أندرياني انطلاقا من صوته الرسائلي كشخصية متزنة تجسد الذات العالمة بما تفعل منذ قتلها للجندي الإيطالي، ومنذ انخراطها في المقاومة ضد النازية وذهابها إلى حرب فيتنام. إن الأزمنة التي تجلت في رسائل أندرياني تتراوح بين زمن الحرب العالمية الثانية وزمن حرب التحرير وزمن الإرهاب الأعمى في التسعينات. يرسل هذه الملازم رسالة إلى نقيبه يبين له فيها بأن الجزائر التي تحيزت لها في الأخير ليس بخير الآن. تحاول هذه الرسائل سرد الأحداث الرهيبة التي حصلت في القرى النائية عن طريق حوار مع سائق أجرة يبكي الجزائر المستقلة، التي وصل فيها الجزائري إلى قتل أخيه الجزائري بكل بساطة.
حاول أندرياني أن يربط بطريقة أو بأخرى بأن ما يحدث في الجزائر أثناء التسعينات لا يختلف عما كان يقوم به جنود جبهة التحرير الوطني، لهذا حاول أن يذكر دوغورس بحادثة ماخور القصبة عندما وجد جنوده رأس بلقاسم (صاحب الماخور) مبتورا ووجدوا نساءه منحورات. بطريقة ذكية بنى فيراري شخصية أندرياني التي تعكس الشخصية المستعمرة المشحونة بالأيديولوجية الكولونيالية، وتجلت هذه الأيديولوجية في أن الجزائري مهما كان فهو قاصر عن قيادة بلده بعيد الاستقلال، لأنه لا يمتلك الأدوات والعقلانية التي بواسطتها يتسنى له التحكم في تاريخه. حينما نقترب من شخصية أندرياني نشعر وكأننا أمام ما يسميه المؤرخ المعروف بنيامين سطورا بعبور الذاكرة. فعلا حاول هذا المؤرخ معالجة القضية ببحث ما تبقى من أيديولوجية كولونيالية في خطاب السياسات العنصرية، خاصة الحزب الفرنسي بقيادة لوبان، ولكن حينما نقرأ رواية فيراري فلا نجد أن ظاهرة العنصرية المولدة من ذاكرة استعمارية موجودة فقط في المجال السياسي، بل نجدها كذلك عند جماعات يمكن أن تكون خلايا ميتة عاشت مرحلة الحرب، تكبدت فيها خسائر جمة، لهذا فهي تعيش الانتقام مرة والضمير الشقي مرات أخرى.
كيف تتجلى الصورة المنمطة في الرواية التي تشتغل على الذاكرة؟ حينما نعود إلى الدراسات الكولونيالية وما بعدها يتبين لنا أن الرواية أخذت حصة الأسد في تشكيل الإمبراطورية، فالنص السردي له قدرة رهيبة على إنشاء استمرارية في الذاكرة بين تمثلات البارحة وتمثلات اليوم. نفهم من هذا القول المستدل به بأن النص الروائي حينما يكتب عن الإمبراطورية يعيد لا محالة إنتاج صور ساهمت في تشكيلها وفي تثبيتها الكثير من الخلفيات التاريخية. إن هذه الصور لا تتجلى فقط في شعور النص، بل يمكن أن نجد في نص ما صورا مسربة بطريقة لاشعورية. لهذا يذكرنا إدوارد سعيد بأنه يجب ألا ننخدع دائما بالنصوص التي تبدو أليفة مع الآخر، وهي تخفي ما يطلق عليه صاحب كتاب «الثقافة والإمبريالية» اللاشعور الكولونيالي. حينما نقرأ رواية «حيث تركت روحي» نلاحظ أن جروم فيراري حاول مليا كتابة نص يخترق به الإمبراطورية، إن المغامرة في الكتابة عن موضوع التعذيب يعد ضربا من الشجاعة الكبيرة، لقد حاول فيراري رأب صدع كبير موجود في الذاكرة المتداخلة بين فرنسا والجزائر.
تبين رواية فيراري من حيث الوعي التاريخي موقفا إنسانيا من قضية شائكة وصعبة، ففي ظل تصاعد ما يسمى بالإسلاموفوبيا، وانطلاقا من الواقع الجمهوري الفرنسي المتهرئ وغير القادر على مواجهة تاريخه بسبب نظرته اليعقوبية، استطاع فيراري أن يفتق خطابا منكفئا على نفسه ومؤدلجا، لهذا تعد موضوعة التعذيب في سياق كهذا دعوة إلى مراجعات لابد أن تقوم بها الجمهورية في مواجهة ماضيها المليء بالطغيان والجبروت والحيف الإمبريالي. ولكن، هل استطاع فيراري فعلا تجاوز اللاشعور الكولونيالي، هل يعد مجرد الكتابة عن أخطاء الذات تكفيرا عنها من الناحية الرمزية؟ على العكس تماما من كامو سمح فيراري للعربي أن يتكلم، ولكن الفخ الكولونيالي الذي وقع فيه فيراري يكمن في أنه لم يوزع الأصوات المتجاذبة (صوت النقيب دوغورس مثلا والسي الطاهر) وفق توازن سردي بوليفوني عادل. حينما نقرأ رواية فيراري يتجلى لنا بأن دوغورس وأندرياني أخذا كل مساحات الكلام، لأننا نجد صوت السي الطاهر يظهر مرات فقط أثناء حوارات مع النقيب. إن التوزيع غير العادل للصوت، بحيث يصبح النقيب والملازم من الأكثرية البوليفونية في النص والسي الطاهر أقلية بوليفونية حوّل موضوع التعذيب إلى قضية فرنسية صرف، وليست قضية فرنسية وجزائرية في الوقت نفسه. لقد فشل فيراري في طرح مسألة التعذيب من منظور الضحية والجلاد في الوقت نفسه.
إن التقنية السردية التي جعلت رواية «حيث تركت روحي» تقع في فخ الهيمنة السردية الصوتية هي التبئير، لقد بأر فيراري نصه حول الشخصيات الفرنسية مما جعل العالم الروائي يميل إلى كفة واحدة، ويفتح سؤالا مابعد كولونياليا هو الكتابة المضادة.
يستدعي نص فيراري كتابة من الذوات المستعمَرة لكي تعالج قضية التعذيب من منظور سردي مغاير ومختلف، فنص فيراري على الرغم من أهميته الجمالية والسياسية، إلا أنه لا يمكنه أن يوصلنا إلى صورة مكتملة عن التعذيب، لأن نص «حيث تركت روحي» سردية أحادية الاتجاه.
باحث جزائري
وحيد بن بوعزيز