التبجح الإسرائيلي والإعتزاز الفلسطيني !

حجم الخط
2

تستمر مسرحية الانتخابات الإسرائيلية قدما ً بفصولها المعقدة والمتشابكة ( فنومينولوجيا ً ) أي ظاهرتيا ً فقط ، لأن الاستراتيجية الصهيونية لا يمكن المساس بها أبدا ً مهما شاب العمليات الانتخابية أية شائبة ، وهذا يسجل لحساب الديمقراطية المزعومة التي تتبجح بها هذه الدولة الغاصبة ، والتي تحاول أن تظهر بمظهر الدولة المتحضرة ، والتي يستوجب على العالم أن يدعمها ويساندها بكل الإمكانات لأنها ضحية الهولوكوست النازي الألماني .
( إسرائيل ) تستغل الظروف والمتغيرات التي تحصل ببعض الدول العربية المجاورة ، ولاسيما المتاخمة لحدود فلسطين التاريخية ، ففي كل أزمة تكون لها يد في الخفاء ، تتقدم بالمسرحية الهزلية للأمام لتثبت للعالم بأنها الدولة الوحيدة التي تمارس الديمقراطية على أكمل وجه ، فيما دول الجوار تكون بأشد الحاجة لها ، أي بعبارة أخرى لا مفر لهذه الدول إلا بالتطبيع المباشر معها والاستفادة من تجربتها ، والغاية النهائية معروفة .
الفلسطينيون يراقبون دائما ً العملية الانتخابية ، وللآسف يضعون كل ثقتهم بالأحزاب الإسرائيلية التي تشارك في العملية ، وتراهن على المتغير في جسم الكيان الصهيوني ، والحزبين الكبيرين الليكود والعمل الإسرائيليين كانوا مسيطرين تماما ً على المشهد قبل أن يظهر حزب ( كاديما ) فاتحا ً المجال لتكاثر الأحزاب اليسارية واليمينية ، والتجربة طيلة فترة الاحتلال مع الحزبين مريرة وشاقة حتى هذه اللحظة . والاعتقاد السائد لدى الأوساط الفلسطينية بأن المتغير قد يتأتى من داخل الكيان الصهيوني وبالانتخابات حصرا ً متناسين العقلية الشايلوكية الثابتة والتي تقول : لا شيء مقابل لا شيء .
إن الحقيقة التي يجب أن تقال في هذا الصدد ، العملية الانتخابية الإسرائيلية في أي زمان ومكان لا تعنينا نحن العرب عموما ً والفلسطينيين خصوصا ً ، لأن المراهنة ومضيعة الوقت كل ذلك يأتي في مصلحة العدو ؛ وبدلا ً من عملية التسقط المضنية في سلوكيات من هنا وهناك ، يجب التركيز على قدراتنا وإمكاناتنا وتقويتها ، والعمل على تفعيل الوحدة الوطنية الفلسطينية ، وعدم الاستغناء عن الحاضنة الإسلامية والعربية ، والحفاظ على مركزيتها في الأذهان العربية على أقل تقدير ، والبحث عن كافة السبل لمحاسبة ( إسرائيل ) على جرائمها المرتكبة بحق الشعب العربي الفلسطيني ، ولاسيما بعد انضمامها كعضـو مراقـب بالأمـم المتحـدة.
الفلسطينيون أيضا ً بشقيهم الفتحاوي والحمساوي ، يمارسون عمليات انتخابية ؛ لكن هذه الانتخابات لا تشابه الانتخابات الإسرائيلية ؛ لأنها تجري دون التركيز عليها إعلاميا ً، وذلك لعدم أهميتها وقراراتها الطوباوية المعتمدة على العواطف والتمنيات ، و( إسرائيل) لا تعيرها انتباه .. ومن العيب القول : أن أحزابا تحررية تحت الاحتلال تكون على خلاف .. فالخمول الذي أصابهم يعزى للاعتزاز بالماضي والوقوف على الأطلال ، فشر العالمين ذوو خمول ، إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا .
من هنا يجد الاعترار الإسرائيلي له متنفسا ً ، وهو يلتحم باليمين واليسار ، لا مشكلة ، ما دام في الطرف الآخر الكثير من الخلافات والاختلافات ، والتي لا يمكن أن تزول على المدى القريب والبعيد ، أي مستمرة ومتفرعة .. والفلسطينيون لا يمكن أن يشكلوا كدرا ً لهذا الصفو الإسرائيلي ، إلا إذا تحاملوا على أنفسهم وتنازلوا ، ووضعوا خلافاتهم واختلافاتهم جانبا ً ، وأعتقد جازما ً بأنهم بعيدون جدا ًعن هذا الأمل .
الوضع الإسرائيلي بعد الانتخابات ماض في سياسته بالاستيطان ، وسياسة القهر والجور ماضية أيضا ً ، فنتنياهو ( الاستيطاني ) لم يجد رد فعل حقيقي على تصريحاته ووعوده بعدم قيام دولة فلسطينية ما دام هو في رأس الهرم الصهيوني ، والمبادرة العربية والاتفاقات المبرمة في السابق كلها تنكر لها ، وبالعربي بلوها واشربوها ، فالاستراتيجية الصهيونية لا تنظر بأي حال من الأحوال لرئيس الوزراء هذا أو ذاك فحسب ، بل تعتبرهم بالمكملين لها ، وعليهم التنفيذ والتقيد بحذافيرها ، واسحق رابين أكبر شاهد ، عندما قرر أن يجمح عن الاستراتيجية الصهيونية .
و( الاستراتيجية ) الفلسطينية مستمرة أيضا ً في الاعتزاز بالماضي ، والركون على التحالفات العربية الناشئة ، والتهافت على العواصم العربية لعقد المؤتمرات وملف المصالحة العالق ، ولاسيما المتغيرات التي فرضتها ما يسمى ( عاصفة الحزم ) وظهور السعودية بمظهر الدولة التي بها تنفرج الكرب !! وتنحل العقد !! وهي التي ومن أدبياتها محاربة الفكر التحرري بالمطلق .

محمدعياش – كاتب وإعلامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية