انعكس توتر العلاقات المزمن بين حكومتي إقليم كردستان وبغداد على العلاقة بين القوتين العسكريتين للبشمركه الكردية والحشد الشعبي الذي باتت قياداته تفرض سيطرتها على القرارين الأمني والعسكري للحكومة العراقية، كما يرى مراقبون.
يذكر، ان العلاقات بين حكومتي بغداد واربيل، تشهد حالة من عدم الاستقرار منذ عدة سنوات على المستويين السياسي والاقتصادي؛ وقد انعكست تلك التوترات على الوضع الميداني العسكري في المناطق التي تشهد تواجدا مشتركا للبشمركه الكردية من جهة والحشد الشعبي والجيش العراقي من جهة ثانية.
وتعد محافظتي كركوك وديالى أهم مناطق العمل القتالي المشترك لقوتي الحشد الشعبي والبيشمركه؛ وبحسب الباحث في الشؤون العسكرية، محمد الانباري، المقيم في أربيل قبل ان يغادرها إلى الفلوجة قبل أكثر من عام، كما قال لـ «القدس العربي»: ان «ثمة تحالفا بين الحشد الشعبي والبيشمركه في محافظة كركوك لاستعادة المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية»، وهو «تحالف هش»، كما وصفه، طالما ان حكومة إقليم كردستان «متمسكة بضم كركوك إلى الإقليم؛ وهو ما ترفضه القيادات الشيعية التي تهيمن على الحشد الشعبي الذي يطمح لفرض سيطرته على كل العراق خارج الحدود الإدارية لإقليم كردستان».
ورأى، ان استمرار تمسك حكومة إقليم كردستان بضم مدينة كركوك النفطية «من شأنه زيادة حدة الخلافات التي قد تؤدي إلى تفكك التحالف مع قوات البيشمركه التي قاتلت جنبا إلى جنب مع قوات الحشد الشعبي لفك الحصار عن ناحية امرلي، التي يقطنها الشيعة؛ كما هو الحال في مدينتي السعدية وجلولاء في محافظة ديالى القريبة من العاصمة بغداد، والتي تقع على الحدود الإيرانية من جهة، وعلى حدود إقليم كردستان من جهة أخرى، كما انها تضم الكثير من الأراضي المتنازع عليها بموجب مواد الدستور العراقي بين العرب والأكراد»؛ وشدد على «ان كركوك والأراضي المتنازع عليها هي أراض عراقية مختلف على عائديتها بين العرب والأكراد، وهي خلافات يتم حلها عبر المؤسسات الدستورية العراقية، لا بفرض الأمر الواقع؛ وبالتالي لا يمكن القبول بضم كركوك إلى أراضي الإقليم»، حــســـب قوله معبرا عن وجهة نظر الحشد الشعبي الرسمية المعلنة.
جدير بالذكر، ان رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، أعلن «تمسك حكومة إقليم كردستان بمدينة كركوك والسيطرة عليها نهائيا، وعلى المناطق الأخرى المتنازع عليها مع الحكومة العراقية؛ وأنّه لمْ يَعدْ هناك مجال للحديث عن مناطق مُتنَازع عليها بعدَ دخول قوات البيشمركه الكردية إليها»، كما صرح في مؤتمر صحافي جمعه مع وزير الخارجية البريطاني، وليم هيغ، في 27 حزيران/ يونيو 2014.
وتنقسم قوات البيشمركه الكردية إلى قسمين يقود أحدهما، رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، والقسم الآخر بقيادة الرئيس العراقي السابق، جلال الطالباني؛ ويتولى القسم الأول مهام حماية الأمن الداخلي في محافظتي دهوك واربيل، ومناطق التماس مع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة نينوى؛ فيما يتولى القسم الآخر الذي يقوده، جلال الطالباني، مهام الأمن الداخلي في محافظة السليمانية، ومناطق التماس مع مقاتلي تنظيم الدولة في محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى على الحدود مع إيران.
وحسب محللين عسكريين وخبراء متابعين للشان العراقي، «تحظى قوات البيشمركه التي يقودها رئيس الإقليم برعاية خاصة من الولايات المتحدة التي ترى فيها حليفا استراتيجيا مضمون الولاء لها كونها قوات منظمة تحكمها عقيدة قومية يمكن الاعتماد عليها بعد تدريبها وتأهيلها كقوة محترفة قادرة على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية إذا توفر لها غطاء جوي من طيران التحالف الدولي»، حسب رأي محمد الانباري، الذي أضاف «وعلى النقيض من هذا؛ فان الولايات المتحدة لا تثق بقوات البيشمركه التي يقودها جلال الطالباني بسبب عمق علاقاتها وتنسيقها مع إيران التي تخوض معها صراعا على النفوذ في العراق».
وعن طبيعة علاقة جناحي قوات البيشمركه مع الحشد الشعبي أوضح، ان قيادات البيشمركه الكردية التابعة لرئيس الإقليم، «ترفض المشاركة في أي عمل قتالي مع قوات الحشد الشعبي الذي تأسس بفتوى المرجع الشيعي، علي السيستاني؛ لذلك تحرص تلك القوات على بناء قوة قتالية من المتطوعين الايزيديين، والمتطوعين من قومية الشبك، وهم أكراد شيعة على الأرجح، إضافة إلى بعض العرب للقتال في جبهات عدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعيدا عن الحشد الشعبي أو قوات البيشمركه التي يقودها الطالباني، وأيضا بعيدا عن وزارة الدفاع العراقية».
وقال الأنباري، ردا على سؤال حول موقف الحشد الشعبي من دعم الولايات المتحدة لقوات البيشمركه التابعة لرئيس الإقليم فقط «ان الحشد الشعبي عبر أكثر من مرة عن رفضه لسياسات الولايات المتحدة في دعم فصيل من البيشمركه دون اخر، وما قد يؤدي إليه تعزيز تلك القوات من الدفع باتجاه تحقيق طموحات رئيس الإقليم لاعلان دولة كردية مستقلة عن العراق مقطوعة عن أي ارتباط إقليمي أو دولي، باستثناء الولايات المتحدة» كما قال.
وأكد ان عدم توفير الدعم الأمريكي لقوات البيشمركه التابعة للرئيس العراقي السابق، جلال الطالباني «وعدم توفير الغطاء الجوي لها، جعل جبهاتهم ضعيفة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية رغم انتشارهم إلى جانب الحشد الشعبي، مقارنة بالجبهات الأخرى التي تقاتل فيها قوات البيشمركه التابعة لرئيس الإقليم، مثل قضاء سنجار، الذي حظيت معركة استعادته بغطاء جـــوي مكثف من طيران التحالف».
وعلى الرغم من التحالف بين البيشمركه التابعة لجلال الطالباني والحشد الشعبي، إلا أنه «تحالف سوف لن يكتب له الدوام، وهو تحالف مرحلي» حسب تعبير الباحث في الشؤون العسكرية، محمد الانباري، الذي أضاف، ان الحشد الشعبي الذي «يقف اليوم في خندق واحد إلى جانب البيشمركه الكردية في مواجهة تهديد تنظيم الدولة، لا يزال ينظر إلى أي قوة كردية خارج سيطرة الحـكــومة المــركـــزية، بمثابة خطر يضاف إلى خطر العرب السُنّة».
من جانب آخر، تحاول إيران، صاحبة النفوذ الأكبر على سياسات الحشد الشعبي، الحد من «تنامي قوة التحالفات الكردية الأمريكية أو الكردية التركية التي يسعى رئيس الإقليم لتعزيزها، وهو ما تراه إيران تهديدا حقيقيا لنفوذها الذي قد يتراجع مع سعي الولايات المتحدة عمليا لتقوية نفوذها في العراق منذ إعلان التحالف الدولي» حسب رأي الأنباري.
لكن حتى الآن، ليس هناك ما «يثير الخشية من احتمالات صدام مسلح بين الحشد الشعبي من جهة، وجناح أو أكثر من قوات البيشمركه من جهة، فالجميع يدرك أهمية عدم اثارة أي خلافات في مرحلة القتال مع تنظيم الدولة الإسلامية؛ لكن هذا لا ينفي تلك الاحتمالات على المدى البعيد، خاصة ان تحالف رئيس الإقليم مع تركيا لا يمكن ان يكون محل رضا الحشد الشعبي من جانبه الطائفي، كتحالف سُنّي سُنّي، أو من جانب الصراع الخفي بين تركيا وإيران على مساحات النفوذ في العراق» حسب تعبير الأنباري.
وائل عصام ورائد الحامد