تحررنا والحرية أشكال. فلا جدوى من تحرير الأرض بدون تحرير الإنسان، تحرير النفوس والعقول والأفكار من الأوهام. كثير منا طليق الحركة لكنه سجين الأفكار والرؤى والخيالات والأنانية التي تدمره وبالتالي تدمر معه وطنا وأمة، الكتابة ليس ترفا أو حبا في شهرة أو تباهيا أو استعراضا إنما هموم ونظرة فاحصة لواقع وثقافة رديئة وتدهور ملحوظ وهرولة إلى ما لا يحمد عقباه. تفرض علينا إنسانيتنا ووطنيتنا أن نساهم في إيقاف هذا التدهور، في إصلاح المسار بالإشارة إلى مواقع الخلل، نقاط الضعف لكبح التهلكة. نطلق سراح أفكارنا عسى أن تتحرر رؤانا. نواجه صعوبة، نواجه اتهاما، نواجه مفاهيم خاطئة، قراءة متعصبة تصل حد تهديد للحياة. لن توقفنا ما دام الوطن يسكن الوجدان والهم العام يشغلنا. علينا أن نخترق الزمن والقدرة في السباحة في مياه ضحلة، نرى أخطاء يراها البعض مجرد هزل ودعابة وهي قاتلة في تدمير هويتنا. الكتابة فن العبور وتجاوز المعوقات والتغلغل في الأذهان والقدرة على النمو لصنع واقع سليم لتجديد الحياة وإنعاش الروح.
كتبنا ونكتب وسنكتب لثقافة أرادوا لها أن تباد وثقافة أرادوا ترسيخها عن تشوه واضح لقيم ومفاهيم ترسخت في أذهان جيل حتى صارت واقعا رديئا وبائسا. إنه السم الزعاف الذي حقن فينا طويلا، ونرى أثاره في جسد بلدنا المتهالك. إنها المصيدة التي اصطادونا بها ليعيشوا متسيدين. إنها المناطقية والطائفية والانتقاص الآخرين والفرز الخبيث في المجتمع على تلك الأسس المقيتة، الرفض الواضح للآخر، رفض للتنوع الفكري والسياسي والثقافي فكيف لمجتمع أن يثرى وينمو وينهض دون تنوع؟ وكيف للسياسة والديمقراطية أن تترسخ وتتجدد وتنهض دون أدواتها التنموية وهي الأحزاب بكل أطيافها وتنوعها. البعض يدعي أنه مدني ديمقراطي مثقف نوعي وهو يمارس تعصبا سياسيا وفكريا ويحرض على صراعات سلبية، ويدمر أدوات التنموية السياسية وهي الأحزاب. يقتل فينا التعددية وحرية الانتماء الحزبي بل يشحن المجتمع بصراعات ترفض قبول الآخر والتعايش وفن التعامل مع المختلف. يرى الآخرين شياطين وهو الملاك الطاهر وحقيقته رجيم.
هم ذاتهم اليوم يستهويهم استغلال ما يحدث من صراعات واختلافات. وبدون خجل يوصمونها بالمناطقية. وما يجعلك تشعر بخطورة ما يحدث خاصة أنها تصدر عن مثقفين وكتّاب وسياسيين بل صحف ومواقع يفترض بها أن تكون منابر نور لا فتنة، في الشارع العام تسمع هرطقات ما يطرحونه ويرمون الآخرين به من أخطاء وفرز مناطقي حزبي مسموم، هم وقهر على عدن المدينة المسالمة، عدن التعايش والتنوع والحب والتسامح هي اليوم في أردأ حال، هم وقهر على مستقبل أولادنا وأحفادنا الذي ينهار أمام أعيننا، تشوه لثقافتها ومدنيتها وسلميتها وتعايشها، شحن وحقن سيْ بين أوساط الشباب والمجتمع بحقد وكره وثقافة رافضة لقبول الآخر والتعايش. اليوم بدأت تسري فينا على شكل سموم، تمتد لتطال الجميع وتمزق المجتمع إلى كانتونات صغيرة كل يوم تضيق لتصل للمنطقة الأضيق وقد تصل للقرية. علينا أن نوجه نقدنا لأشخاص بعينهم هم مسؤولون عن سلوكياتهم وأخطائهم دون أن نعممها مناطقيا وحزبيا لأنها تمثل الشخص ذاته لا المنطقة ولا الحزب حتى لا نرتكب أخطاء استراتيجية معيقة للنهضة وأدواتها السياسية والثقافية والفكرية، بينما عدونا عصابة مارقة ناهبة متغطرسة فيها من كل المناطق وكل منطقة لها نصيب وعضو فاعل في هذه العصابة. هم متفقون وموحدون ونحن ممزقون على أسس مناطقية مقيتة، أسس هم من صنعوها وأشاروا إليها ويحتمون بها ووجدوا من يدافع عنهم ويحميهم على الأسس ذاتها. إن وجهنا نقدا لفلان برز المناطقيون يدافعون عنه ويعتبرون هذا النقد هجوما يستهدف منطقتهم. وها نحن اليوم بشكل واضح وجلي في صراع مع هؤلاء، وفي مواجهة معهم يحاولون أبعادنا عن حربنا المصيرية ضد الفساد والفاسدين والمنافقين والطغاة والمستبدين وأدواتهما، وتجرنا لصراع سلبي مدمر مناطقي لا يرتضيه كل وطني غيور وإنسان سوي ومثقف متنور وعقل متفتح. حقيقة يجب أن نشير لها ليعي كل من يرمي هنا وهناك كلاما ولفظا وتوصيفا واتهاما مناطقيا هدفه إخراجنا عن مسار النضال. نحن بأوهامنا نحاصر الآخرين وندفعهم لاختيارات لا تخدمنا، ندفع بالأمور نحو تحالف الشر وشركاء حرب 1994. على كل وطني غيور محب لهذه الأرض أن يرفض الانجرار خلف الدعوات المشبوهة المناطقية والحزبية التي قد تدمرنا عاجلا أم أجلا وحينها لا ينفع الندم.
٭ اليمن
أحمد ناصر حميدان