التحولات الإقليمية وتداعياتها على المنطقة العربية

حجم الخط
0

■ شهدت العقود الأخيرة العديد من التطورات التي ساهمت في قلب موازين القوى، وما رافقته من تغييرات بنيوية ونقلة نوعية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والتكنولوجية، التي عملت بدورها على إحداث تأثيرات في الأصعدة السياسية والأمنية، كانت عاملا مساعدا للعصف بمجمل هذه التطورات، التي كانت هي الأخرى عامل خراب على المنطقة، بدل أن تكون أساسا للتطور والنماء.
وقد برز ذلك بشكل جلي إبان العقدين الأولين من الألفية الثانية، لاسيما مع بروز تيارات سياسية ذات نزعة تميل للعنف، لحلحلة القضايا الشائكة على صعيد بؤر التوتر في العالم، وقد ارتبطت هذه المقاربة بالعديد من القضايا الدولية المعاصرة مثل، العراق – أفغانستان – سوريا – ليبيا – اليمن.. وإن كانت الأهداف الحقيقية للعصف بأنظمة سياسية وتعويضها بأخرى، أو الانقلاب على نظام سياسي قائم بشرعية انتخابية، تبدو غير واضحة، أو أنها مشوبة بغياب أدلة واقعية، من شأنها إقناع كافة المشككين بتدخلات القوى الإقليمية والدولية في شؤون هذه الدولة أو تلك، وانتهاك سيادتها الوطنية، وتدمير طاقاتها البشرية فكريا. ساهمت هذه التطورات مجتمعة في خلق تغييرات بنيوية على الخريطة السياسية والجغرافية للدول التي كانت معقلا لها، من خلال موجات «العنف المضاد»، التي رافقت محاولات تغيير واقع المشهد السياسي وبنية النظام السياسي المشكل له.
ومن بين أهم المخرجات المركبة لهذه المعادلة المعقدة، التي تنسج في دواليب الفعل الميداني وأزقته المظلمة، يعمل بموجبها الفاعلون الخفيون لهندسة إحداثيات وحدود خريطة الشرق أوسطية والشمال أفريقية الجديدة، إلى ما يلي:
أولا: استقرار وجمود الإصلاحات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في مستوياتها الحالية. إن من شأن التطورات التي طالت البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من وعي سياسي لدى الفئة الحاكمة أو الطامعة في بلوغ سدة الحكم، أن يشوبها نوع من التقهقر، مرده أساسا تصدع البنيات الفاعــــلة في بلوغ المستويات المستحسنة التي عرفتها أسس التنمية الشاملة، مستحسنة بالنظر للواقع الهش الذي لازال يطغى على وحداتها ويميز خصوصيتها. مقابل المستويات الأرقى من الإصلاحات التي عرفتها الأنظمة الغربية وبعض دول شرق آسيا.
وبالنظر إلى أحداث «الربيع/الخريف» العربي التي شهدتها معظم الدول العربية، ولو بوتيرة متفاوتة، ترجع أساسا لطبيعة الأنظــمة السياسية الحاكمة (ملكية/ جمهورية)، ولنسب وعي الشعوب، ثم لمستويات الممارسة الديمقـــراطية التي بلغتها هاته الدولة أو تلك. وما خلفته من نتائج تتأرجح بين الايجابية على مستوى التصور، والسلبية على مستوى مخلفات الأجرأة، تبرز تمثلات مشهد جديد يُحيطه الحذر البَيّن والاندفاعية الخافتة، لإرساء دعائم توجه جديد يختلف عن سابقه، بمرتكزات قديمة مُستجدة، ووسائل مستوردة، موجهة خصيصا لمن اعتادوا استهلاكها.
من شأن هذه التغيرات أن تقطع مع التطورات التي عرفتها الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على اعتبار أن الإصلاحات التي تنشدها هذه الفئة أو تلك ممن بلغوا سدة الحكم، بفضل شرعية انتخابية مشبوهة، أو بمباركة ممن اشرفوا على حيثيات المشاهد السياسية الحديثة، لم تعد – هذه الإصلاحات- سوى مشاريع لتأزيم الأوضاع أكثر مما هي عليها الآن، وأن الوعود المرهونة بها ليست سوى آليات لتصريف الكذب، ليس إلا.
خصوصا أن مخرجات «الخريف» العربي الذي قادته الشعوب وما حملته من رهانات حقيقية لمستقبلها، قابله «ربيع» للأنظمة السياسية من شأنه أن يَرْهَن كافة الآمال والأماني اللتين بنتهما طموحات الفئات الشعبية المقهورة أو المتضررة من مراحل حكم الأنظمة السياسية السابقة. وتمثل هذه المقابلة العكسية لخريف الشعوب بربيع الأنظمة، أحد أوجه طمس معالم التحديث المسجل ولو بشكل سطحي، وبنسب غير قابلة للموازنة أو المقارنة بنظائر لها، كما أنها معادلة مركبة من شأنها وضع قطيعة مع مختلف الأوراش الإصلاحية التي اعتمدت أسسها في فترات متوالية من مراحل التدبير الإداري والتنموي لما بعد حصول هذه الدولة أو تلك على «استقلالها السياسي».
يتضح ذلك من خلال الإبقاء على توجهات الإصلاح ومؤشراته الإنمائية في مستوياتها الحالية بمختلف مؤثراتها السلبية، وما قد يمثله من رهن لمستقبل عدة أجيال قادمة، بفعل ممارسات نابعة عن وعي أو بدونه، ممن تقلدوا سدة الحكم بفضل الأصوات الانتخابية لأصول هذه الأجيال. وقد برزت معالم هذا التوجه بفعل التراجع الذي أصاب الأنظمة القانونية والتنظيمية المؤطرة لمخرجات المقتضيات الدستورية، التي قطعت – في نظر البعض- مع تصرفات وأعمال أنظمة الحكم السابقة، وإن كانت عقلية التدبير لا تزال سائدة بمنطق ومعتقدات قد تكون أكثر إجحافا مما سبقها. وهذا من شأنه الانعكاس وفق جدلية التأثير والتأثر على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، اعتبارا من كون البنية القانونية تمثل مدخلا لسيادة القانون في دولة المؤسسات، وفي غيابه تغيب شروط الشفافية الاقتصادية، ويغيب الوضوح في مناخ الأعمال، وتغيب المساءلة القانونية، ونتيجة ذلك غياب شريعة الحق والقانون.
ثانيا: بسط وتحكم اللوبيات الأجنبية في القرارات الوطنية وفق ما تمليه مصالحها
شمل هذا المؤشر مرحلتين أساسيتين من مراحل تدبير أزمة انتقال الحكم في ظل «ثورات الخريف العربي»، التي عصفت بأنظمة وعوضتها بأخرى. تميزت المرحلة الأولى، بالتدخل في اختيار المرشحين لتولي المناصب المهمة بأجهزة الدولة، أما المرحلة الثانية، فترتبط خصيصا بالجانب المتعلق بصياغة التوجهات العامة التي من شأنها تأطير وتوجيه مسار الدولة.
وإذا كانت المرحلة الأولى، كرست اختيار الأشخاص الذين من شأنهم تأميم نظام الحكم، والمحافظة عليه من أي خرق قد يعصف بتراكماته السلبية، فإن المرحلة الثانية، ارتبطت بتيسير مرور الاختيارات والتوجهات الكبرى التي تعمل على توجيه المسار «الإصلاحي» الذي تعرفه كافة الدول المعنية. ومن هنا يبرز التقاطع بين مرحلتي التأسيس «المرحلة الأولى» والأجرأة «المرحلة الثانية»، من خلال الضغط الممارس على صناعة القرار الوطني من قبل الوحدات «اللوبيات» الضاغطة وتوجيهه وفق مصالحها التكتيكية والإستراتيجية، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خصوصا أن تمظهرات هذا التوجه برزت بجد وتأسست على إنقاذ مظاهر السيادة الوطنية في الدولة، وما تميزت به من ضعف في البلدان التي مرت منها هذه التحولات (عاصفة تحولات الشعوب، أعقبتها أعاصير هوجاء من قبل الأنظمة السياسية)، باعتبارها -السيادة- تمثل أحد أهم الأركان المؤسسة للدولة، بل هي المرتكز الذي تبرز بوجوده الدولة وتغيب بغيابه. وقد ساهم تفتيت وحدة الدول المعنية وخرق حدودها، (حيث ستصبح المناطق المستهدفة من هذه التحولات الشرق الأوسط، شمال أفريقيا، مناطق منفتحة جغرافيا) في التمهيد لإحداث مناطق بلا حدود جغرافية وبلا خرائط سياسية، من شأنها تأزيم حدود السلطة السياسية بهذه الدولة أو تلك.
وقد استغلت هذه الوضعية من قبل مجموعات وتكتلات في كافة المجالات: السياسية – العسكرية – الاقتصادية، واعتمدتها منافذ لتمرير مآربها الخاصة، وفق شروطها وبضمانات المتعاونين من بني البلد الأصيل، الطامعين في بلوغ مربع القرار، لرهن البلاد والعباد لمن يطمحون لنسف ما تبقى من قيم الدولة وكرامة الشعوب.

٭ باحث في جامعة محمد الخامس – المغرب

بجيجة العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية