نيويورك ـ «القدس العربي»: تابع العالم بشغف شديد لقاءات فيينا على مدى يومين والتي شاركت فيها نحو 17 دولة لبحث المسألة السورية والتفكير بشكل جماعي في إيجاد مخرج للوضع الذي وصل إلى طريق مسدود رغم دوائر ستيفان دي مستورا الأربع والتي طرحها على العالم في أيلول/سبتمبر وأكد أن تفعيلها سيبدأ الشهر التالي. لكن الأحداث تجاوزت الدوائر الأربع والتي لا تساهم إلا في إطالة عقد العمل للسيد دي ميستورا مع الأمم المتحدة أكثر مما تساعد في حلحلة الوضع السوري الذي لم يعد يحتمل الانتظار مع تردي الأوضاع الإنسانية إلى درجة غير مسبوقة حيث وصل عدد من هم بحاجة إلى حماية ومساعدة نحو 13.5 مليون سوري، كما جاء في تقرير وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين يوم الثلاثاء الماضي.
جاء إلى فيينا اللاعبون الخمسة الكبار الذين يملكون مفاتيح الحل في سوريا وهم الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والسعودية وإيران وتركيا، فاكتملت بذلك أطراف المعادلة المؤثرة على الداخل السوري. وبدون توافق في الآراء بين هذه المجموعة، التي بشكل أو بآخر تحارب داخل سوريا بالوكالة، لا يمكن التوصل إلى حل. تقاسمت روسيا وأمريكا المسرح والأضواء مناصفة بل إن الكفة كانت راجحة لصالح الوزير الروسي سيرغي لافروف. كما أن حضور إيران رسميا إلى الإجتماع وعلى مستوى وزير الخارجية أضاف بعدا إيجابيا جديدا للقاءات. لكن السؤال لماذا الآن؟ لماذا نشاهد الآن جدية أكثر وإنخراطا أكثر في العملية السياسية التي بدأت تتبلور معالمها شيئا فشيئا؟ السبب بكل بساطة هو التدخل العسكري الروسي بكثافة في سوريا. جاء التدخل الروسي لينقذ الجميع من ورطهم ويرمي لكل واحد منهم طوق نجاة ليصل إلى بر الأمان قبل غرق المركب بجميع من فيه. ولنوضح ما هي أزمة كل طرف وكيف كان التدخل الروسي جسر العبور إلى النجاة؟
وصل النظام السوري قبل التدخل الروسي إلى مرحلة الضعف المتناهي والاقتراب من الانهيار. لم يعد يسيطر إلا على نحو 20% من الأراضي السورية ومعنويات الجيش بدأت تتآكل والقدرة على تجنيد الآلاف لم تعد ممكنة وأصبح الفرار من سوريا حتى لو كان ثمنه الموت غرقا أحد أهم أحلام السوريين. التنظيمات الإرهابية بدأت تقترب من العاصمة والتفجيرات والقذائف تنهمر على الأحياء القريبة من دمشق كما أن تراجع إندفاع حزب الله في خوض المعارك وحسمها بعد دفنه لمزيد من القتلى وتموضعه المباشر أمام جماعات لا تخشى من القتال أو الموت بل إن الموت بالنسبة لها مطلب محبب إستعجالا للقاء السبعين حورية. الدعم الاقتصادي الإيراني وإن كان ما زال قائما لكن إيران لديها مشاغلها الكبرى بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الغربية وجل إهتمامها في إعادة تأهيل نفسها جزءا من النظام العالمي إن لم يكن سياسيا فليكن اقتصاديا. التدخل الروسي جاء في الوقت المناسب ليرمي خشبة النجاة للنظام.
لقد ورطت الولايات نفسها وبطريقة ساذجة عندما أعلنت في بداية الأزمة السورية عن أن الهدف هو إسقاط نظام الأسد وأن أيامه معدودة. وورطت السعودية الولايات المتحدة بهذا الهدف الصعب بناء على معلومات إستخبارية خاطئة قدمها عملاء السعودية على الأرض بأن النظام على وشك السقوط مع منتصف 2012. لم تدرك الولايات المتحدة جدية الموقف الروسي بحماية النظام حتى بعد إستخدام الفيتو أكثر من مرة ولم تعط الولايات المتحدة وزنا للتدخل الإيراني. كما أن الإدارة الأمريكية وحلفاءها الأساسيين عملوا على إستبعاد الاتحاد الروسي وإيران من معادلة الحل في سوريا وبعد إكتشاف ورطتهم أرادوا أن يتراجعوا عن هدف إسقاط النظام وهدف إبعاد روسيا وإيران وبطريقة تحفظ ماء الوجه.
الورطة الثانية هي أن الحملة الجوية التي تقودها ضد تنظيم الدولة لم تنتج عنها أي آثار حقيقية وملموسة إلا حماية الحدود الكردية في شمال العراق، وأصبحت موضع تشكيك بجديتها. حتى على الأرض واجهت الولايات المتحدة أزمة هروب معظم العناصر التي أشرفت على تدريبها في الأردن والانضمام إلى التنظيمات الإرهابية مثل النصرة والدولة. وجدت الولايات المتحدة بحلول أيلول/سبتمبر 2015 نفسها في ورطة عسكرية وأخرى سياسية وغير قادرة على حسم الأمور مما سهل لخصوم إدارة أوباما أن يشنوا حملة شعواء عليه وعلى سياسته الخارجية ويصلوا بالحملة إلى الحزب الديمقراطي في سنة انتخابية حاسمة.
السعودية متورطة وحتى أذنيها في اليمن حيث تحول الصراع إلى حرب إستنزاف للقدرات العسكرية والمالية السعودية. وقد تعرضت المملكة إلى انتقادات لاذعة من منظمات حقوق الإنسان وبدرجة أقل من الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، بسبب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين وبنسة 73 % من مجموع الضحايا حسب تقرير ليلى زروقي الممثل الخاص للأمين العام للأطفال والصراعات المسلحة. السعودية لم تعد تحتمل تمويل الحربين في سوريا واليمن في ظل إنخفاض أسعار النفط والاحتقان الداخلي في البلاد من جهة وعدم إنضباط دول مجلس التعاون الخليجي للموقف السعودي. وبدأ التفلت الخليجي من الورط التي أدخلتهم فيها السعودية واضحا مثل زيارة وزير خارجية عمان لدمشق ولقاء الأسد الإثنين الماضي والتقارب العماني القطري مع إيران والتزام الكويت موقفا محايدا وتركيز جهودها على الناحية الإنسانية. إذن من مصلحة السعودية أن يحسم الصراع في سوريا سياسيا ولعل التقارب الروسي السعودي يصب في هذا الاتجاه.
أما تركيا ففي ورطة أصعب على الصعيدين الداخلي والخارجي. وكانت الانتخابات الأخيرة في حزيران/يونيو الماضي بمثابة إستفتاء على قيادة حزب العدالة والتنمية للبلاد وكثير من الأتراك يعتبرون أن أردوغان ورطهم في حربين خاسرتين واحدة مع سوريا وواحدة مع الأكراد.
بالنسبة لإيران فهي تريد أن تعود إلى المسرح الدولي بعد سنوات العزلة أيضا وتبحث عن دور يليق بها كقوة رئيسية في منطقة الشرق الأوسط لها تأثير كبير على أربع دول على الأقل وهي العراق وسوريا ولبنان واليمن. لقد فتح الاتفاق النووي شهية النظام على إمكانية الاعتراف دوليا بأن إيران دولة إقليمية قوية ومنيعة ولا أحد يمكن أن يغامر ويحاول المس بكرامتها ويمكنها أن تلعب دورا إيجابيا في حلحلة جميع الأزمات بشراكة مع حلفائها الروس.
فتحت اجتماعات فيينا طريق الحل. وكما قالت فريديكا موغريني، مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، أن هناك أرضية مشتركة بين المجتمعين في فيينا لإستئناف الحوار بعد أسبوعين. وبحث المجتمعون كافة الأمور بما فيها مصير الرئيس بشار الأسد. ويبدو من بين السطور أن الأفكار المشتركة تدور حول النقاط التالية:
– تبدأ العملية السياسية بوقف شامل لإطلاق النار إلا في مواجهة تنظيم الدولة الدولة.
– تجري عملية إغاثة إنسانية عاجلة وفك الحصار عن المناطق المعزولة وخاصة في دير الزور.
– تقوم القوى الفاعلة الخمس بتنظيم سلسلة اجتماعات لكافة القوى السورية بما فيها النظام وما يسمى بالمعارضة الوطنية أو الليبرالية باستبعاد تام للتنظيمات الإرهابية.
– بعد الاتفاق بين الأطراف السورية وبرعاية دولية تبدأ الفترة الانتقالية ومدتها ستة شهور كمرحلة إنتقالية يتم التحضير فيها لانتخابات تشريعية وربما رئاسية.
يتم إطلاق جميع المعتقلين السوريين في هذه المرحلة.
– يشرف على الانتخابات مراقبون دوليون لضمان الشفافية والحيادية والمهنية والسلمية وضمان عدم إنتاج الماضي أو السماح لأجهزة الأمن في الدولة أن تركب نتائج الانتخابات كما تشاء.
– يشكل الحزب أو الأحزاب الفائزة حكومة المستقبل وقد لا يكون للأسد دور فيها خاصة إذا عزف الناس بجدية عن انتخاب حزب البعث.
– تقوم الأمم المتحدة بنشر قوات مراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على عودة اللاجئين والمهجرين وستعمل الدول جميعها على مشاريع الإنشاء وإعادة البناء.
مشروع سلام قيد البحث لم تكتمل عناصره بعد لكن هناك مرونة أكيدة من كافة الأطراف بمن فيهم الطرفان الحليفان الإيراني والروسي على قبول أن تكون سوريا المستقبل بدون عائلة الأسد إذا ما احتكم الشعب السوري للصندوق دون تزوير أو تخويف.
يبدو أن النظام إستشعر بشيء من القلق فأرسل طائراته إلى بلدة دوما والوزراء مجتمعون في فيينا فخلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى كرسالة بليغة للمؤتمر والمؤتمرين.
عبد الحميد صيام