القاهرة ـ الأناضول: عاد المفكر الإسلامي المصري، كمال حبيب، من أحد مساجد القاهرة، حيث أدى صلاة التراويح، «لكن الزمن ليس كما كان قبل عام 2013، حين كان الإسلاميون في صدارة المشهد الديني»، كما يقول.
أضاف «يوجد تراجع للإسلاميين بكل فصائلهم، سلفيين أو إخوان أو جمعية شرعية، عن صدارة أي مشهد، حتى الجانب التعبدي، مقابل سيطرة لوزارة الأوقاف على كل شيء».
واستدرك: «لكن هناك تدين عام للمصريين (تدين شعبي بلا أدلجة ولا اتباع للسلطة)، والمساجد فيها أعداد كبيرة من المصلين تملأ (مساجد) الأزهر والحسين وعمرو بن العاص، وكذلك في مساجد الأقاليم (المحافظات الأخرى خارج القاهرة)».
قبل الإطاحة بمحمد مرسي من منصبه كأول رئيس مدني منتخب في مصر، صيف 2013، ولسنوات طويلة، كانت المساجد في رمضان، خاصة في صلوات القيام والتهجد والاعتكاف، محل صراع بين الإسلاميين، لاسيما بين الإخوان والسلفيين، وكان دور مشايخ الأوقاف غير لافت، في ظل صدارة التوجهات الإسلامية.
وآخر احتشاد للإخوان وأنصارهم من مختلف التوجهات الإسلامية في صلوات التراويح كان خلال اعتصام ميداني «رابعة العدوية» و«نهضة مصر» في القاهرة الكبرى، والرافضين للإطاحة بمرسي.
لكن، وفق حبيب «لن تستطع الدولة ملء فراغ الإسلاميين، حتى مع تمدد الأوقاف في إخضاع المساجد وغيرها لإدارتها». وأرجع ذلك إلى أن «الناس تميل عادة إلى المستقل غير الحكومي في هذا الشق التعبدي، ولذا كان هناك عادة ميل إلى خطباء ودعاة بعض الإسلاميين في فترات سابقة قبل الإطاحة بمرسي».
شواهد التراجع
وفق مشاهدات في القاهرة ومحافظات شمالي البلاد واستطلاع محدود لآراء مصريين، فقد خلت المساجد من تجمعات الإسلاميين، ولم تعد لهم الصدارة، عكس ما كان قبل صيف 2013 من أحاديث لدعاتهم في المساجد وتوزيع للهدايا والأدعية وتعليق اللافتات.
ويرى بعض المصريين أنه لم يعد للإسلاميين حضور مثل الماضي، اتساقا مع الوضع العام المناهض لهم.
وأضافوا أن ما يزداد بين المصريين هو التدين السائد، أي «التدين الشعبي»، الذي لا يرتكز على توجهات إسلاميين ولا خطابات دينية رسمية، فهو أداء للعبادات وفقط، رغم وجود سيطرة حكومية على المساجد حتى في الأرياف.
وطرحت صحيفة «اليوم السابع» المصرية (خاصة) سؤالا، في 18 مايو/أيار الجاري، قائلة: «بعد تحرير المساجد من قبضة الإخوان والسلفيين.. هل نجحت المؤسسات الدينية فى محاربة التطرف ؟».
وأجاب الشيخ صالح عبد الحميد، عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشريف، وعمر حمروش، أمين اللجنة الدينية في مجلس النواب (البرلمان)، بالقول إن مؤسسات الأزهر والإفتاء والأوقاف قضت على هذا التوغل والتطرف.
وعادة ما تنعت السلطة ومؤيدوها الإخوان والسلفيين بالتطرف والإرهاب، في مقابل نفي من الاثنين المختلفين غالبا في قضايا تأييد النظام، عقب الإطاحة بمرسي، المنتمي للإخوان.
وقبيل رمضان هذا العام، أصدرت وزارة الأوقاف تعليمات، نقلتها وسائل إعلام محلية، تتضمن: منع الحديث في السياسة، ووجود خواطر دعوية موحدة أثناء صلوات التراويح، وضع شروط للاعتكاف، بينها التحري عن المعتكف عن طريق هويته الشخصية.
وقال وكيل وزارة الأوقاف لشؤون المساجد، جابر طايع، في تصريحات صحافية، إن الوزارة لن تمنح فرصة لأي داعية إخواني أو سلفي للتسلسل إلى المساجد، ففي كل مسجد يوجد اثنان من الأئمة. وتتسم مظاهر الصوفيين المؤيدين للنظام الحاكم، في رمضان، بالمحدودية في تجمعاتهم في القاهرة والمحافظات.
وباستثناء دعاة التلفزيون وتقديم الفتاوى في أكثر من برنامج متلفز في فضائيات مصر خلال رمضان، لا يوجد دعاة وخطباء من الرسميين والمقربين من السلطة يحظون بمتابعة كبيرة. ربما يستثنى من ذلك عمرو خالد، الذي واجه قبل أيام موجة هجوم وسخرية، بعد مشاركته في إعلان متلفز روج فيه لإحدى شركات الدواجن.
وفي بيان مصور بثه عبر صفحته في موقع «فيسبوك»، الأحد الماضي، قال خالد، المعروف سابقا بشعبته بين الأغنياء والشباب، إنه خانه التعبير خلال الإعلان، وإنه لم يكن يقصد أبدا أن يستغل الدين للترويج لمنتج.
فيما انزوى دعاة الإخوان المشهورين بين السجون والمنافي ومنصات التواصل الاجتماعي والقنوات المتلفزة التابعة لهم.
تدين المصريين
وفق صلاح الدين حسن، أحد أبرز الباحثين المختصين في حركات الإسلام السياسي في مصر، فإن «التدين الشعبي هو الأصل والطاغي وأصبح مع الوقت هو التدين الطبيعي»، وكان تدين الجماعات بالنسبة له «طارئا واستثنائيا».
وأضاف أن «الشعب المصري له تدين خاص به، ولذلك كان لا يميل إلى أنماط التدين الوافد، خاصة من الجزيرة العربية، ومن إفرازاته السلفية في مصر». وتابع: «وكذلك لم يمل الشعب إلى التدين الخليط الذي يمثله الإخوان، وظهر هذا في عدم اندماج الشعب مع أسلمة الفنون، التي تميزت بها حفلات الغناء لدى الإخوان».
واستدرك: «هذا لا يعني أن الشعب المصري كان منسجما مع التدين أو الوعظ الرسمي القادم من الأزهر والأوقاف، فطوال الوقت ينظر إليه بشك، وهي نظرة سمحت بتدين الجماعات الاستثنائي أن يتسرب إلى بعض شرائح المصريين».
وشدد على أنه «طوال الوقت كان التدين الشعبي طاغيا على روحانيات رمضان حتى في وقت صدارة هذه الجماعات، ولم تكن الجماعات منفردة به طيلة الوقت».
وأردف أن «هذه الجماعات كانت تحاول إيجاد نوع من الوئام مع المؤسسة الرسمية من ناحية ومع التدين الشعبي من ناحية أخرى، فكانت أحيانا تحاول إقامة تراويح أخرى بعد التراويح الرسمية أو إقامة دروس لدعاتها». ومضى قائلاً إن «الهيمنة التي تمارسها الجماعات ليست موجودة الآن، والوضع حاليا يعود إلى أصله، وهذا ما نراه في المساجد في العاصمة والأقاليم».
وختم بأن «التدين الشعبي موجود في مصر حتى قبل نشأة الجماعات وانتشارها، لذلك لا نرى تأثيرا كبيرا لاختفاء وجوه الإسلاميين في رمضان، فتدين المصريين هو الأصل».
وعادة ما ينتقد إسلاميون، في بيانات وتصريحات، الأوضاع الدينية في مصر، ويقولون إن هناك تراجعا كبيرا للقيم في ظل غيابهم، وهو طرح يرفضه مسؤولون، وينفيه كتاب في وسائل إعلامية محلية مصرية.