غزة- سمر الدريملي: «لم يكن أمام الأطباء أمام صراخ الشاب محمود حلاً إلا تزويده بجرعة من مسكن يدعى «ترامادول» لتخفيف ألمه وتهدئة أعصابه، إذ حاولوا معه أنواعاً أخرى لكن دون جدوى»، قال شقيق الشاب محمود بينما تظهر على وجهه علامات القلق والحزن»، مضيفاً: «أخشى أن يتعود أخي على هذا المسكن الخطير حتى يدمنه، وقد أدمنه قبله الكثير من الشبان الذين بدأوا يستخدمونه كمسكن للألم».
وأوضح «أخي أصيب بينما يرابط على حدود غزة وقد سقط عليه هو والمجموعة التي معه صاروخ إسرائيلي أدى إلى بتر أقدامه وهو يعاني في النهار والليل من وجع فظيع لا يحتمله ولم يخففه كافة أنواع المسكنات التي زوده بها الأطباء .. فقط ترامادول أدى لنتيجة جيدة معه».
م.ك، أحد المتعاطين لهذا المسكن قال «أشعر بالسلطّنة عندما آخذ هذا المسكن ويغيبني عن العالم وينسيني هموم الدنيا الكثيرة ولا أستطيع أن استغني عنه».
وقال: «بدأت أتعاطى هذا المسكن وغيره من المسكنات القوية عندما أصبت بالصداع ذات مرة أثناء وجودي عند أحد الأصدقاء وقد زودني بحبة ترامادول وقد أزال الوجع سريعا وأعجبني كثيرا».
أما زوجته، فعبرت عن تذمرها من إدمان زوجها هذه المسكنات إذ «ينفق عليها الكثير من المال ناهيك عن تدخينه المتواصل»، وفق ما تؤكد.
ويعتبر الترامادول من العقاقير المخدرة المنتشرة بغزة، وقد أصبح يمثل ظاهرة خطيرة بنسب عالية جداً بين متعاطيه، فـ 90% من المتعاطين يمثلون فئة الشباب بين 20 إلى 30 عاماً، و5% أطفال أقل من 20 عاماً، و5% أكثر من 30 عاماً.
وكان عقار الترامادول، يدخل قطاع غزة عبر الأنفاق على الحدود مع مصر، وانتشر كالنار في الهشيم بين سكانه منذ ما يقارب الثماني سنوات، ولكن في الوقت الحالي بعد إغلاقها بشكل شبه كامل بات شحيحا من الأسواق، مما أدى إلى ارتفاع سعره بشكل كبير، وظهور أعراض الإدمان على المتعاطين بعد ما أصيبوا بتشنجات وانهيارات عصبية .
طبياً، الترامادول هو عبارة عن مسكن أفيوني فعال في علاج الآلام الحادة أو المزمنة بما في ذلك آلام ما بعد الجراحة، وآلام الولادة والعمليات القيصرية كذلك الألم الناشئ عن أسباب أخرى مثل السرطان.
ويؤكد الصيدلي محمد الشامي، والذي يعمل في صيدلية الدولي أن هناك إقبالا كبيرا من الشباب على شراء وتعاطي مثل هذه المسكنات لكنه لا يصرفها إلا إذا كان لدى الشاب وصفة طبية.
ويشير إلى أن لديه في الصيدلية سجلا خاصا بالمواد الخطرة تراه الوزارة بشكل دوري لحصر عدد الذين يتعاطون مثل هذه الأدوية وغيرها من الأدوية الخطيرة.
وزارة الصحة بدورها تقوم حالياً بحملة واسعة لمراقبة السوق والصيدليات في القطاع وذلك لمنع انتشار هذا المسكن وغيره من المسكنات ومعاقبة الصيدليات التي تبيعه بشكل عشوائي ودون الحصول على وصفة من الطبيب تثبت حاجة المريض لهذا الدواء بالفعل. كما أصدرت مؤخراً قانون بمنع بيعه إلا بوصفة طبية وأن أي شخص يخرج عن هذا القانون سيعاقب.
وأوضح الشامي إلى أن دار الشفاء بغزة تنتج هذا الدواء بترخيص من شركة ألمانية، والمادة الفعالة فيه تدعى «ترامادول» هيدروكلورايد، ويمكن أن تكون على شكل حبوب عيار 50 أو عيار 100 أو عيار 150، ومنها الإبر والتحاميل أيضاً.
وأضاف الشامي أن الكثير من الأدوية تباع كمسكنات وهي مسكنات قوية جدا مثل «ألجونال وألجونال فور، وألجونال لايزين… الخ»، ويمكن أن تتحول مع كثرة الاستعمال كإدمان وذلك فيه خطر على صحة الشخص المتعاطي لهذه المسكنات، ونحن لسنا ضد استخدام الأدوية ولكن ضد استخدامها كإدمان».
أما الصيدلي ح.ك، وفضل عدم ذكر اسمه، وهو إحدى أصحاب الصيدليات الشعبية التي تبيع أي مسكن قوي بما فيها الترامادول، فقال «أنا لا أبيع مخدرات وكل واحد عقله في راسه، فالشخص الذي يأتي ليدفع لي المال ويطلب مني أي دواء في الصيدلية أبيعه دون أدنى تردد فهو يعلم كم ذلك نافع أو ضار له».
وتابع «هذه المسكنات سواء قوية أو ضعيفة موجودة على أرفف الصيدلية كغيرها من الأدوية، وهي مسكنات تخفف الألم ولا أعتقد أن الواحد منا سيتحمل الألم بينما توجد الأداة التي تخفيه حتى وان كان ذلك بشكل مؤقت».
أحـد الشـبان، الذين بترت ساقه ويدعى حسين، قال: لأنه لم يكن يشعر بتحسن وبزوال ألم الإصابة والجرح إلا عندما يأخذ جرعة من»ترامادول» وبعد خروجه من المستشفى وصف الأطباء له علاج لتسكين الألم ولمواصلة مسيرة شفائه.
وأضاف: لا أشعر بأنني أدمنته ولكن أشعر بأنني أصبحت أشعر بالاطمئنان والراحة طالما هو موجود في جيبي وحولي حتى بعد أن جف جرحي، وحتى إن أدمنته فلا أعتقد بأنه يسيطر على الإنسان كالمخدرات أو الدخان»
وحسب الدكتور عادل عودة، مدير دائرة خدمات الصحة النفسية في مركز التأهيل النفسي المجتمعي بغزة، فإنه يصعب إحصاء عدد المترددين على المركز ممن يتعاطون هذا العقار لأن المرضى يتعالجون بشكل سري في العيادات الخاصة لتجنب النواحي القانونية والنظرة الاجتماعية السلبية، مشيراً إلى أن المريض تصبح لديه أعراض جانبية مثل، اضطرابات سلوكية وفقد للشهية ويصيبه ألم بالمفاصل والبطن ويعاني من آلام معدة وإسهال أحياناً، وعصبية في حال عدم تناوله للترامادول ويعاني من ضعف عام في جسمه.
وعن كيفية علاجهم قال عودة يتم إزالة الترامادول إزالة سريعة من الجسم، و إعطاء مضاد للترامادول (untidot) ، وإعطاء مهدئات ومنوم في حالة السحب السريع للترامادول من جسم المتعاطي ويتم تنويم الشخص تنويم كامل حيث لا يصبح لديه أعراض السحب كونها شديدة و مؤلمة على المريض.
وأوضح أن هناك مخاطر وآثارا عديدة تنتج عن إدمان هذا العقار، منها الخطر الاجتماعي ويتمثل في إهمال المتعاطي علاقاته الاجتماعية والصاق السمعة السيئة له ولعائلته، وكذلك، الخطر الاقتصادي المتمثل في إهماله لمهنته ومصدر دخله ونفاقه الكثير على شراء العقار رغم تكلفته العالية؛ مما يضطره إلى تضييق الخناق على ظروف أسرته، وأحياناً ارتكاب جرائم نظراً للسعر المرتفع للترامادول.
ناهيك عن الخطر الجسدي حيث يؤثر على الكلى والمعدة ويضعف الشهية وينقص وزن المتعاطي حسب كمية الترامادول المتناولة ويؤثر على القلب ويتسبب بتشنجات عصبية.
من ناحيتها، أكدت إدارة الصيدلة بوزارة الصحة الفلسطينية، د.شيرين أيوب أن الترامادول يصرف بشكل أساسي لمستشفيات وزارة الصحة وليس لمراكز الرعاية الصحية «المستوصفات»، حيث يعطى أساساً كمسكن بعد العمليات الجراحية وعمليات الكسر ولمرضى السرطان.
وأشارت إلى أن الوزارة جعلت هذا الصنف من أنواع الأدوية المراقبة؛ حيث أجرت عليه مراقبة بحيث يصرف بناءً على وصفة طبية خاصة ولها إجراءات تدريجية معينة حسب القانون في استخدامها، ووضعت شروطا لصرفه في الصيدليات منها، أن يكون هذا الصنف من الأصناف المسجلة المسموح بتداولها في السوق المحلي لا يصرف إلا بوصفة طبية تحفظ في الصيدلية وتسجل في سجل الأدوية المراقبة في الصيدلية، وأن يتم إجراء جولات تفتيش دورية على الصيدليات حول الالتزام بتداول هذا الصنف و صرفه فيها.
ونوهت أن «الأصناف غير المسجلة هي التي يمكن أن يحدث بها إساءة استخدام سواء عن طريق التهريب أو إدخالها بشكل غير قانوني».