الترجمة كممارسة فلسفية

تخصيصنا هذا الركن، لموضوع الترجمة، غير راجع لتزايد الاهتمام بها تنظيرا وممارسة في العقود الأخيرة، فهي موضوع قديم شدت إليها الإنسان في الماضي البعيد، عندما غضب الرب من غرور الكائن البشري فهدم برج بابل وبلبل اللغات فاستعصى على الناس أن يفهموا بعضهم بعضا، بعد أن «كانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاما واحدا وكان أنهم رحلوا نحو المشرق وجدوا بقعة في أرض شنغار فأقاموا هناك، وقال بعضهم لبعض تعالوا نصنع لبنا وننضجه طبخا فكان لهم اللبن بل الحجارة والحُمَرُ كان لهم بدل الطين، وقالو تعالوا نبني لنا مدينة وبرجا رأسه إلى السماء ونقم لنا اسما كي لا نتبدد على وجه الأرض كلها، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو أدم يبنونهما وقال الرب هو ذا شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة وهذا ما أخدوا يفعلونه. والآن لا يكفون عما هموا به حتى يصنعوه. هلم نهبط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه الأرض كلها فكفوا عن بناء المدينة. ولذلك سميت بابل، لأن الرب هناك بلبل لغة الأرض كلها… ومن هناك شتتهم الرب على كل وجهها.» حتى أصبح من الضروري استدعاء وسيط بين كل قوم وآخر، يترجم وينقل لكي يتواصل الحوار بين الشعوب وتتناقل الثقافات بينها وترتقي التجربة الإنسانية المشتركة. وإنما يرجع اهتمامنا بموضوع الترجمة بالدرجة الأولى إلى كونها قضية فلسفية، تحمل هم الفكر الذي أخذ على عاتقه مهمة الاصغاء إلى تراثه وتجاوزه. فمقابل البناء يقول عبد السلام بين عبد العالي: «تحاول الفلسفة اليوم فك البناء، مقابل بناء البرج وبناء اللغة الواحدة والمعنى الواحد، والهوية الواحدة، تضع الفلسفة اليوم التفكيك وفك البناء والبلبلة والترجمة والاختلاف والتعدد… فليس من الغرابة إذن، أن تتحد استراتيجية التفكيك باستراتيجية الترجمة، وأن تصبح الترجمة قضية الفلسفة، ويغدو الفكر تحويلا للميتافيزيقا وترجمة لها».
ما معنى أن نترجم؟ وإذا كانت الترجمة غمارا يركبه المترجم من أجل قول الشيء نفسه تقريبا، فهل المؤلف والقارئ والمترجم متفقون بخصوص ذلك الشيء؟ وكيف يمكن أن نتأكد من أن القول يعني الشيء نفسه؟
يستهل أمبيرتو ايكو كتابه الممتع «أن نقول الشيء نفسه تقريبا» بنص أنيق يقول فيه: «ما معنى أن نترجم؟ لعل الجواب الأول والمؤاسي هو أن الترجمة هي «قول الشيء نفسه بلغة أخرى»، إلا أننا نواجه، في مقام أول، عدة مشاكل في تحديد معنى عبارة «قول الشيء نفسه»، لأننا لا نعرف ذلك الشيء معرفة جيدة، إذ نلجأ إلى كل تلك العمليات التي نسميها شرحا أو تفسيرا أو إعادة صياغة، من دون الحديث عن الاستبدالات المزعومة بواسطة المرادفات، ولأننا في مقام ثان أمام نص نريد ترجمته، لا نعرف ما هو ذلك الشيء، وأخيرا لأننا في بعض الحالات، نشك حتى في مفهوم فعل قال».
بما أن قول الشيء نفسه عسير التحقق وصعب المنال، فإن السبيل الوحيد الذي يمكن للمترجم أن يلوذ إليه من أجل فك هذا العسر وتبديد العتمة التي تحيط به، هو الاجتهاد من خلال التأويل لكي يلامس الخصوصيات الدلالية أو الإيحائية أو الجمالية، المتضمنة في القول، وليحدث بالتالي لدى القارئ تأثيرات متشابهة أو قريبة من تلك التي يحدثها لديه النص الأصلي. فـ»الجملة التي نحن بصدد دراستها هي نص، ولفهم نص ما. وبالأحرى لترجمته، ينبغي علينا أن نقوم بافتراض حول العالم الممكن الذي يريد تمثيله. هذا يعني أن الترجمة، في غياب إشارات مناسبة، تعتمد على فرضيات. ولا يمكن أن يقدم المترجم على نقل نص من لغة إلى لغة أخرى إلا إذا أعد فرضية تبدو مقبولة. أي أنه ازاء عرض متكامل للمضمون الذي يوفره مدخل في المعجم (إضافة إلى معرفة موسوعية معقولة)، ينبغي على المترجم أن يختار المفهوم أو المعنى الأكثر احتمالا ومعقولية وتناسبا مع ذلك السياق، ومع ذلك العالم الممكن». على أنه لكل لغة شميلة ونظيمة خاصتان بها في تنظيم مسترسل مضمونها الذي يعبر من خلالها عن نظرة مختلفة للكون، ما يؤدي إلى استحالة تطابقها بشكل كامل مع لغات أخرى، ومن ثمة يصبح اشتغال المترجم على ما يقع خارج النص أمرا لا فكاك منه، أي أنه يجد نفسه مرغما على الانفتاح على كل المعلومات الخاصة بذلك الكون، وعدم الاقتصار على السياق اللغوي. فالترجمة لا توجد إلا من أجل إغناء النص الأصلي وتأثيث أركانه المعتمة بدلالات ومعاني وصور مضيئة ومشعة لا ترد في صيغته الأصلية. وإذا ما حدث وكانت هناك ترجمة نهائية لنص ما – وهذا أمر مستحيل التحقق- فستكون حتما على حد تعبير عبد السلام بن عبد العالي علامة على نهاية الاهتمام به، وإيذانا بأفوله وموته.
تشكل الترجمة اليوم قناة رئيسة ومدخلا بارزا لفهم واقع الثقافة العربية المعاصرة، وبالتالي واقع الفكر العربي، على أن هذه الثقافة لم تعد قادرة على إدراك ذاتها إلا بالمرور عبر قنطرة الآخر، تلك القنطرة التي لا يمكن أن يبدع في بنائها وتشييدها إلا مترجم موسوعي يتفنن في نقل الصورة التي يشكلها الآخر عنا. الشيء الذي يجعل من الترجمة أسلوب عيش ونمط وجود لا حركة تأليف ونشر. إذ على المترجم العربي أن يدرك أن ترجمة النص الفلسفي وإعادة ترجمته من صميم الممارسة الفلسفية، أي أنها ترجمة تنبجس من صميم مخاض فلسفي أو هم فكري، لا من رغبة في توفير نصوص أو جعل أمهاتها متاحة للقارئ العربي. وفي هذا يقول عبد السلام بن عبد العالي: «لقد اعتقدت المؤسسات التي أوكلت إلى نفسها السهر على الترجمة أن قضية الفلسفة عندنا هي غياب النصوص الكبرى، وأن ترجمة النصوص وتوفيرها بلغة عربية تنقل عن اللغة الأم هو السبيل الأضمن لحل تلك المعضلة. بيد أن ترجمة أمهات الكتب الفلسفية لا تكمن في إعدادها لكي تكون موضع تفكير، إنها ليست تحقيقات لكتب واقتراحا لمصطلحات. بل هي أعمال فكر وإعادة تأويل فإعادة ترجمة».

٭ كاتب مغربي

الترجمة كممارسة فلسفية

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية