الترشحات غير الجدية في الإنتخابات التونسية

حجم الخط
0

تونس – «القدس العربي»: اختارت تونس في قانونها الإنتخابي نظام الإقتراع على القوائم الذي يقتضي أن يرشح الحزب أو مجموعة من المستقلين قائمة تضم عددا من الأشخاص بحسب عدد المقاعد المسندة لكل دائرة في المجلس النيابي، ويصوت الناخب على كامل القائمة دون أن تتاح له إمكانية اختيار بعض أعضائها أو أحدهم دون الباقين. وهذا النظام يجعل كثيرا من عديمي الكفاءة ينجحون في الحصول على مقاعد نيابية بمجرد وجود أسمائهم ضمن قائمة تعود لحزب سياسي كبير على غرار ما حصل في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي تم تنظيمها في 23 تشرين أول/أكتوبر 2011.
فهذا النظام الإنتخابي يعطي للأحزاب، خصوصا الكبيرة منها، حظوظا وافرة في إيصال من تشاء إلى البرلمان، لكنه في المقابل يحملها المسؤولية في اختيار الأكفاء دون سواهم. لكن كثيرا من هذه الأحزاب، (وأغلبها غير ديمقراطي لم يعرف منذ تأسيسه رئيسا غير رئيسه الحالي أو هو لم ينظم بعد مؤتمره التأسيسي) لا يبدو أنها واعية بخطورة هذا الأمر، ويتجلى ذلك من خلال الترشيحات غير الجدية التي جعلت نوابا من المجلس التأسيسي، الذي ستنتهي ولايته قريبا، ومرشحين لمجلس النواب المقبل يصبحون محل سخرية وتندر في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل بسبب انعدام الكفاءة.
إقصاء النخب والكفاءات
لم يشترط القانون الإنتخابي في تونس مستوى تعليميا لا يمكن النزول عنده بالنسبة للمترشحين سواء للإنتخابات التشريعية أو الرئاسية أو حتى تلك المتعلقة بالمجالس المحلية، كما لم يشترط خضوع المترشح لتأهيل يضمن معرفته بأبسط أبجديات العمل السياسي. فيكفي أن تتوفر شروط المواطنة مع خلو السجل العدلي من السوابق حتى يتمكن شخص ما من الترشح إلى الإنتخابات، يضاف إلى ذلك الإنتماء أو الولاء لجهة سياسية ما، والقرب من هذا القيادي الحزبي أو ذاك بالنسبة للمترشحين الحزبيين من غير المستقلين.
فعملية الإختيار لا تتم في أغلب الأحزاب السياسية بطريقة ديمقراطية، أي من خلال الإنتخابات الداخلية أو وضع معايير مسبقة يتم على أساسها اختيار ملفات المترشحين من قبل لجنة مختصة منتخبة، بل تتم العملية من خلال الولاءات والعلاقات الشخصية ومراعاة التوازنات بين اللوبيات والمجموعات داخل هذا الحزب السياسي أو ذاك. وهو ما نتج عنه في النهاية، في عدد من الأحزاب، إقصاء للكثير من الكفاءات وبروزا لظاهرة التقرب من القيادات الحزبية الكبرى باعتبارها الضامن الوحيد للترشيح لخوض غمار الانتخابات.
مغامرون
إن المتابع للحملة الانتخابية المتعلقة بالانتخابات التشريعية التي ستجرى في السادس والعشرين من هذا الشهر، وخصوصا للخطب التي تبثها وسائل الإعلام المرئية لرؤساء القوائم المترشحة، يقف على مدى هشاشة مستوى الكثير من المترشحين. فبعض هؤلاء لا يعدو ان يكون سوى «مغامر» يجرب حظه لعله ينجح في أن يصبح نائبا عن الشعب يضمن لنفسه دخلا محترما لخمس سنوات مقبلة أو ينال بعض الفتات من المال خلال الحملة بما أن الدولة التونسية تمول الحملات ااإنتخابية، وبعض هؤلاء باحث عن الشهرة لا غير يكفيه الظهور في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.
كما أن عددا منهم لا يبدو أنهم واعون بمحدودية قدراتهم وضعف زادهم المعرفي وعدم إلمامهم بأبجديات العمل السياسي. ويتحدث بعضهم بثقة عمياء عن قدرته على الفعل من خلال برامج وهمية لا تمت للواقع بصلة من نسخ خيالهم الخصب ويعدون التونسيين بجنات النعيم والمعين الذي لا ينضب بلغة ركيكة مليئة بالأخطاء النحوية والتراكيب الخاطئة، تصبح عامية سوقية في بعض الأحيان بعد أن ينحدر المستوى إلى الحضيض.
في الرئاسية أيضا
ولا تقتصر الترشحات غير الجدية على الإنتخابات التشريعية، فحتى عرش قرطاج بات يطمح في الوصول إليه من هب ودب، فالكل على ما يبدو يرغب في أن يصبح رئيسا في تونس. لقد فاقت الترشحات للرئاسيات في وقت سابق السبعين قبل أن تلغي اللجنة الانتخابية المستقلة الكثير منها ليستقر العدد عند 27 مترشحا فيهم الغث والسمين على غرار مرشحي الانتخابات التشريعية.
ولعل اللافت هو كثرة رجال الأعمال المترشحين لكلا الإستحقاقين الانتخابيين، وأغلب هؤلاء ليست لهم برامج سوى أموالهم القادرة بحسب بعضهم على تغيير المعادلة وحل مشاكل التونسيين. ولعل من طرائف هذه الإستحقاقات الانتخابية التونسية أن رجل أعمال ترشح من أجل نيل مقعد نيابي عن حزب سياسي كبير في إحدى دائرتي ولاية صفاقس ثم تقدم لاحقا إلى الهيئة المستقلة للانتخابات بملف للترشح كمستقل للانتخابات الرئاسية، أي أنه يرغب على ما يبدو في الجمع بين النيابة والرئاسة في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ الإنساني.

روعة قاسم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية