الرباط ـ من جمال أزراغيد: في إطار فعاليات «مهرجان الربيع الدولي 21» لمسرح الطفل، المنظم من قبل فرع حركة الطفولة الشعبية بالناظور، تحت شعار: «سلم وتعايش» أقيم معرض للفنون التشكيلية، شارك فيه الفنان أحمد المغنوجي بمجموعة من اللوحات التشكيلية التي أثارت نقاشا وحوارا وتساؤلات بين الزوار. إذ يكتشف المتأمل للوحات المغنوجي أنه عصامي لم يتلق تعليما فنيا، إذ اتخذ الفن الفطري أو الساذج وسيلة وأسلوبا يطبع أعماله الفنية لإيصال الجمالية الفكرية إلى المتلقي.
والفن الفطري من المصطلحات الفنية المستعصية على التحديد، وإن كان المقصود منه ذاك الفن الذي يتسم بالبساطة وقوة التعبير يمارسه أصحابه بمجهود شخصي، من دون تكوين، لأنهم لم يفكروا أصلا ليكونوا فنانين. فهو أصل شُعَب الفن التشكيلي، حسب علماء الاجتماع، يلتقي بعفوية مع كثير من المدارس والتيارات الفنية المعاصرة، كالتعبيرية والوحشية وحركة كوبرا وغيرها. وظهر منذ بداية الوعي البشري بالوجود، فقد رسم الإنسان على جدران الكهوف والمغاور كل ما يخالجه داخليا وما يراه بصريا. ومهما تعددت المدارس الفنية فإن الفن الفطري فن قائم بذاته صار له حضور قوي في الساحة التشكيلية اليوم.
وجاءت لوحات المغنوجي متنوعة ومتعددة في تشكيل عناصرها ومفرداتها الفنية واللونية. رسمها بعفوية وبتقنيات بسيطة شبه طفولية تعكس روحه الفنية المنفتحة على عوالم متداخلة، كما جاءت مكتظة بأشكال مختلفة تتراوح ما بين المربع والمستطيل والدائرة والمثلث والمقبب والأسهم تجمعها هرمونية إيقاعية مؤثرة في بصر وبصيرة المشاهد. واستطاع الفنان أن ينجح في لوحاته التشكيلية بمهاراته الفنية وتكويناته الشكلية ولغته البصرية، وبألوانه الحارة، فضلا عن المواصفات الحسية المحققة للقيم الجمالية والمعرفية. كما استطاع أن يهدي للزوار متعة وبهجة طالما بحثوا عنهما في نصوص تشكيلية أخرى، لما تزخر به لوحاته من مباهج لونية وأشكال معبرة تحمل بين طياتها لغة صامتة تمتح من ذات الفنان.
وهو يسعى من وراء لوحاته إلى لمس مواطن الجمال وبواعثه ببساطة، وإلى الاستحواذ على ذهن المتلقي بما يستعمله من تكوينات لونية. ذلك ما يدعو إلى مقاربتها وتحليلها لإدراك إيحاءاتها وعلاقاتها بالأشكال الرمزية المكتظة على امتداد مساحة اللوحة. تلك الأشكال مفعمة بالأحاسيس والدفء والخيال العصامي، غالبا ما تنمحي حدودها. نلاحظ أن رؤيته الفنية هي أساس اشتغاله وبنائه لعالمه التجريدي المليء بالدلالات والإيحاءات الرمزية، والألوان التي تنبعث من تدرجاتها إيقاعات نابضة بالحياة والحركية. كل هذا يكشف عن أعماق النفس المتوهجة بالأحلام والآمال المرصعة بـ»العين» الوقادة بحمرتها الواقية من كل مس ولمس. ألوان تمنح اللوحة بعدا تعبيريا وجماليا بتدرجها والأشكال ما بين اللون البرتقالي ـ الغالب على منجزه الفني ـ الدال على الإشراق والتجدد، والأصفر الدال على الأمل، والأزرق الدال على الاسترخاء، والأخضر الدال على الخصب والنماء.
ويرفد المغنوجي أعماله الفنية بالتجريد بهدف خلق خطاب أيقوني مستعص على الإحاطة بمعناه المتواري خلف تلابيب الإيحاءات اللونية والإشارات الفطرية البسيطة. الأمر الذي يستفز عيني المتلقي ويحرك أدواته الفكرية والحسية للوصول إلى تلمس دلالة المفردات الجمالية وتذوقها في حدود فضاء اللوحة التشكيلية.