التشكيلي أحمد بن يسف: الرسام المحلي مساو في إبداعه للأوروبيين

حجم الخط
1

عاشت مدينة سطات أوجها الفني مع احتضان الـ«سامبوزيوم» الأول من نوعه في المنطقة من تنظيم «بصمات للفنون التشكيلية» ضمن فعاليات الدورة 14من مهرجانها السنوي. أشرف على العمل التشكيلية ربيعة الشاهد والتشكيلي رشيد باخوز. السامبوزيوم الذي جمع أكثر من ثلاثين فنانا مغربيا وعربيا وأجنبيا، من مختلف القارات، ليُنجزوا أعمالهم التشكيلية التي تنوعت، من منحوتات وصباغات على القماش والغرافيك وغيرها.
وعلى هامش المهرجان، التقت «القدس العربي» بالتشكيلي المغربي أحمد بن يسف، وهنا نص الحوار:
■ نعلم أن مدينة الدار البيضاء كانت الانطلاقة لك، داخل المغرب بعد شهرة في إسبانيا، فماذا تمثله الدار البيضاء لفنان قادم من عوالم الشمال؟
□ بالنسبة لي ـ فعليا ـ كانت الإنطلاقة مع الولادة. فإني لا أجد نفسي منذ ولدت إلا داخل عالم الرسم واللون. فكما قلت في احدى المرات ان من عيوبي أنني ولدت رساما، ومن حسن حظي أن عيوبي الأخرى لا يعرفها الناس. ولأضيف لك فلقد كنت متفوقا منذ بدايات الدراسة في مدرسة الفنون الجميلة في تطوان. ولتأكيد الأمر، يكفي أن أخبرك أنني أول من اقترح على إدارة المدرسة وأنا حينها مازلت طالبا، إقامة معرض في الهواء الطلق، الذي لقي استحسانا كبيرا.
■ انتقل اليوم الفن المغربي التشكيلي نحو آفاق جديدة ومغايرة، واندرج بقوة ضمن ما نسميه اليوم بالفن المعاصر. ما موقفك من الأعمال التشكيلية المغربية المعاصرة؟
□ بكل صراحة الفن المغربي قام بقفزات عملاقة. أرضى حضوره داخل الساحة التشكيلية العالمية، فالفنان التشكيلي المغربي صار في القيمة ذاتها مع نظيره الأوروبي، كما وكيفا وإنتاجا وإبداعا (خلقا). فاليوم هناك لوحات لفنانين مغاربة معروضة جنبا إلى جنب مع أعمال لفنانين أوروبيين مشاهير. فالفنان المغربي استطاع تجاوز تلك الفكرة القديمة التي كانت سائدة حول وجود مدرستين تشكيليتين في المغرب: التجريدية والفطرية.
■ تحدثت سابقا عن وجود نوعين من القراءات النقدية للعمل الفني يفرضها العمل ذاته، قراءة أدبية وقراءة تقنية، فهل الناقد في نظرك ملزم بتوظيفهما معا، وأين دور المتلقي هنا؟
□ إن استيعاب اللوحة أو العمل الفني يختلف من متلق لآخر، وحسب الخلفية الثقافية لدى المتلقــــي، فاللوحة تُقرأ بشكل متعدد وذلك حسب كل متلق واستيعابه لها، إنها تخضع لعملية تأويل متعددة. وفي نظري إن قـــراءة اللوحة نقديا تحتاج لوجود القراءة الأدبية والتقنية في آن، فاللوحة هي أولا خليط ألوان وسندات (ثوب، خشب، حديد…) وأيضا هي عالم يضم رسومات وأشكال قابلة للتأويل.
■ تحضر الحمامة بأحجام وألوان متعددة داخل اعمالك الفنية، وعلى مدى ثلاثين سنة من اشتغالكم الفني. لماذا الحمامة؟
□ لقد طرح عليّ هذا السؤال مرارا وتكرارا، إلا أني سأخصكم بشكل صريح، بأصل توظيف «الحمامة» داخل اللوحة لديّ. طبع أعمالي في سنوات السبعينيات والثمانينيات نوع من القسوة، فكانت تحمل آلام وإحباطات الإنسان المغربي، لكونها تندرج ضمن ما يسمى «بالواقعية الاجتماعية». أحاول فيها تصوير الإنسان الخادم والعامل والفلاح، إلا أنني في ما بعد حاولت البحث عن طريقة لتوظيف تلك اللمسة والصورة الدرامية التي تعبر عنها لوحاتي. وحوالى 40 سنة الآن ولد ابني عمر، فكان لابد أن يأتي أبي لرؤية حفيده إلى إشبيلية حيث أقيم، واحتفاء به خرجنا في نزهة عائلية إلى ساحة أمريكا لالتقاط الصور التذكارية بمعية الحمام الذي يعمّر تلك الساحة بكثافة، وبدأت الحمامات تحط على كتفي والدي، ومن خلال تلك الصورة بزغت الفكرة لتوظيف الحمامة لتخفيف تلك الـ»قسوة» التي تحمل اللوحة. ورغم أنني كنت أوظف أشكالا أخرى (مثل الوردة) رفقة الشخوص المرسومة، إلا أن الحمامة هي الوحيدة التي استطعت عبرها أن أمزج بين الدرامية والقسوة الاجتماعية.
■ وعن تنوعها داخل العمل؟
□ يعتمد ذلك عن اللون وحدته والموضوع الموظف داخل اللوحة، فتارة هي بيضاء أو رمادية أو سوداء أو متعددة الألوان… إلخ، فهي تأتي لتفسير اللوحة، بشكل من الأشكال.
■ ماذا يمكن أن يلعبه الفنان والفن التشكيلي اليوم داخل المنظومة الحياتية التي يسيطر عليها الرأسمال والربح والسرعة؟
□ أولا الفنان، وهنا النقطة الأهم، إنسان قبل كل شيء، يتفاعل مع محيطه وعالمه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إنه جزء منه لا يمكن أن يُفصل عنه. وثانيا الفن منذ القديم هو روح الحياة هو الشيء الذي يهبها الحياة، فبالتالي الفنان هو نافخ تلك الروح. والإنسان الذي يكتفي بالحاجيات اليومية بعيدا عن الجمال فهو إنسان ميت.
■ كيف يمكن للفنان أن يقاوم التعرض للتزوير الفني، وما مدى تأثير هذا الأخير على المنتوج الفني لدى الفنان؟
□ إنه سؤال مهم للغاية وحساس، خاصة في هذه الظرفية الحالية، التي يُطرح فيها قانون الفنان والمؤلف في الساحة المغربية. أولا فإني – ولا بد من التأكيد- كنت وما أزال أحد ضحايا هذا الأمر. فالساحة التشكيلية تعيش -رغم تقدمها- نوعا من الفوضى، كما نوعا من الانتهازية.
فالفنان التشكيلي كما الكاتب هو عرضة اليوم في المغرب لتزوير واستغلال عمله بشكل كبير جدا. واليوم يمكنك عدّ حوالي 500 مؤلف أو أكثر ما بين أوروبا والمغرب، تزيّن وتتقدّم أغلفتها لوحاتي.. وللمفارقة كل الكتب التي تحتوي على أحد أعمالي في أوروبا أتقاضى عنها حق التعويض عند كل طبعة، وكل الكتب التي تحتوي على عمل لي في المغرب، وضعت لوحاتي فيها بلا إذن وبلا أي تعويض. فأنا نموذج لمئات الفنانين الذين يتعرضون للأمر ذاته. إلا أنني أتشبث بأمل في المستقبل لنصل إلى بلد يحترم فنانيه وحقوقهم، بعدما قطعنا أشواطا عديدة وعملاقة في ظرفية قصيرة زمنية، أنتجنا إبداعات مكنت للفنان المغربي ـ كما العربي ـ المكانة التي يستحقها.

التشكيلي أحمد بن يسف: الرسام المحلي مساو في إبداعه للأوروبيين
وظّف الرسم للتعبير عن هموم الإنسان
حوار: عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية