التشكيلي العراقي زياد جسام في معرضه الجديد «إعادة تدوير»: على الفنان أن يطرح الأسئلة المربكة المعقدة

حجم الخط
0

الربط بين الثيمة الشعبية وعلاقتها بالمتلقي يدفعه للشعور بالألفة مع أي عمل فني، خصوصاً إذا كان الفنان يعيد ما تكرّر على مسامعه وشاهده مراراً على شاشات التلفزيون وقرأه بشكل يومي في الصحف. هذا ما سعى لتقديمه الفنان زياد جسّام في معرضه الأخير «إعادة تدوير» من الاشتغال على ثيمة كرّرها في لوحاته جميعاً، ومن ثمَّ رسخها في عقل متلقي لوحاته التي عرضها على قاعة برج بابل وسط بغداد خلال الأيام الماضية.
عُرف جسَّام بتحولاته التي جعلت منه لاعباً جميلاً في اللون من خلال استغلاله فضاء اللوحة لعرضه موضوعات تدخل في عقل المتلقي قبل عينه، فمعرضه الذي أقامه العام الماضي في باريس بعنوان «لحظة حب» أراد أن يؤكد به للمتلقي الفرنسي أن العرب عموماً؛ والعراقيين على وجه الخصوص، ما زالوا يبحثون عن لحظة الحب هذه التي تعيدهم إلى إنسانيتهم، غير أن ما يحدث يبني حواجز أكبر من قدراتهم على التعبير عن هذا الحب، لهذا حظي معرضه بردود فعل لم تكن متوقعه من متلق يدرك طبيعة الحب والعلاقة بين إنسان وآخر.
غير أن الحب لم يكن همَّه اليوم، بل الإنسان، حتى أنه اقترب أكثر من موتيفات الإنسانية بأشكالها المختلفة، ليعيد تدويرها مثل ناعور يعبُّ الماء ثم يسكبه على أرض يابسة في سبيل أن ترتوي.
اشتغل جسَّام على فكرة تكرار لوغو «recycling» إعادة تدوير، الذي يوضع عادة على المنتجات التي تكون قابلة للتدوير، مثل قناني الماء البلاستيكية أو علب البيبسي أو أي منتجات أخرى، التي كلّما أعيد تدويرها قلت جودتها، حسب ما يقول المتخصصون في مجال الكيمياء، لأن إعادة تدويرها جعلتها تفقد الكثير من خصائصها، وبالتالي يكون الشيء المعاد تدويره أقل كفاءة.
من خلال هذا المفهوم، تكونت لدى زياد جسَّام فكرة المعرض؛ حسب ما يقول، فـ»اشتغلت على هذا اللوغو وجعلت من اسمه عنواناً لمعرضي الشخصي، غير أني أسقطت فكرة إعادة تدوير الأشياء على الإنسان، والسبب الأول في ذلك هو شعبية هذا اللوغو، أقصد أنه مر على شرائح المجتمع كافة ولديهم فكرة عنه، لأسلط الضوء من خلاله على قضية إعادة تدوير الشخصيات خصوصاً في الجوانب السياسية، فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الأشخاص، تسلموا مناصب في العراق وهم غير كفوئين، إلى درجة أن إدارتهم لهذه المناصب سببت ارباكاً كبيراً في الأوضاع السياسية والاقتصادية والخدمية والأمنية وغيرها، وبعد كل هذا نجد الكثير منهم يعاد تدويرهم ليتسلموا مناصب أخرى ربما تكون بمسؤوليات أكبر، وهنا عملت مقارنة بين الخامات والإنسان، وحاولت أن أوصل فكرة أن الخامة التي يعاد تدويرها تقل كفاءتها، فكيف يكون الحال للشخص غير الكفؤ أصلاً إذا أعيد تدويره؟!».
اختلف خطاب زياد جسَّام في معرضه هذا من الفن للفن أولاً، ومن ثمَّ إلى الدعوة للحب، وصولاً إلى الفكرة السياسية وكيفية تدويرها فنياً، لكن بطريقة مخاتلة، وفي هذا يبيّن أن الفنان هو الذي يشبع المتلقي فضوله المعرفي ويحرر وجدانه ويرفض أشكال القبح والشر ويكون مستعداً لخوض غمار الجمال.
مضيفاً: قد لا يستطيع الفنان الحقيقي أن يصمت إزاء أشياء قد تكون فيها جوانب ضد الإنسانية، فعليه أن يكون شجاعاً، يقول الحقيقة، ويطرح على الناس الأسئلة المربكة المعقدة، وأن يواجه حتى الأفكار السياسية التي من شأنها المساس بحقوق الإنسان، ومن ثمَّ يسلط الضوء عليها. ويعتقد جسَّام أن ما نمر به اليوم في العراق من مآسٍ، سببها الرئيسي هو وجود شخصيات غير كفوءة، احتكرت السياسة والفعل السياسي ضمن إطارها وفعاليتها، ومن البديهي أن يطالب الفنان لإيقاف زحف هؤلاء السياسيين على الحقوق الاجتماعية من أجل الوصول إلى هدف إنساني نبيل. هذا بالتأكيد يتطلب جهودا كبيرة، فالاستلاب السياسي ظاهرة خطيرة دمرت الكثير من بلدان العالم، ولعل أبرز تجلياتها حين تدمر مصالح الشعب أو ينتشر الفساد في جهاز دولة، في حين وصل المواطن العادي إلى درجة من اليأس والعجز. أما بخصوص المخاتلة، فإني أجد من الضروري أن تكون الأعمال الفنية غير مباشرة، وتترك فسحة للمتلقي بأن يتأملها ويؤولها لكي يشعر بالمتعة حين يكتشف القصد بذاته».
التحولات التي مرَّ بها جسّام من تسعينيات القرن الماضي وعمله كرسام في مجلة «ألف باء» حتى عمله في صحافة ما بعد التغيير، ومن ثمَّ التغيرات التي عاشتها لوحته، سلمته لتجارب عدّة، وفي حديثه عن هذه التحولات، يشير إلى أنه بعد إكمال دراسته، حاول أن يخرج من الرسم الواقعي ليجد أسلوباً يميز أعماله عن غيرها، وهذه أصعب مرحلة يمر بها الفنان؛ حسب ما يصرّح لنا، فهي أشبه بحالة مخاض عسيرة، فاستطاع أن يعمل على المدرسة التجريدية وأنتج أعمالاً مميزة، استخدم فيها المواد المختلفة، وعرضها في الكثير من المعارض داخل وخارج العراق.
ويضيف جسّام أن معرض «لحظة حب» كان قد افتتح في باريس العام الماضي، «سألني أكثر من شخص أجنبي هناك عن لحظات الحب التي أوثقها في المعرض وما إذا كنت أشاهدها في بلدي أو أنها من الخيال؟ هذا التفاعل الكبير الذي حصل بين الجمهور ولوحاتي أعطاني دافعاً للاستمرار في إنتاج فن تعبيري، كون المدرسة التعبيرية تعتمد على التعبير عن المشاعر أو العواطف والحالات الذهنية التي تثيرها الأشياء أو الأحداث في الفنان نفسه، وهي تحاكي دواخل الأشياء لا خارجها، كما ترفض مبدأ المحاكاة المباشرة، تحذف صور العالم الحقيقي بحيث تتلاءم مع هذه المشاعر والعواطف والحالات، وذلك عن طريق تكثيف الألوان، وتغيير الأشكال الواقعية إلى مغايرات مثيرة.
وبعدها بقيت أفكر بقضية التفاعل مع العمل الإبداعي وكيف يمكن للفنان أن يحققها، فهي لم تتحق عن طريق المدارس الفنية أو التقنية وحدها، بل عن طريق الموضوعة التي يشتغل عليها الفنان، وبدأت أجمع بين أسلوبي التعبيري والتقنيات الجديدة «الانستليشن» وللموضوعات المثيرة للجدل، لذلك اخترت موضوعة معرضي الأخير «إعادة تدوير».
ويؤكد جسّام أن التغيير الذي كان واضحاً على أعماله هو أنه أضاف أعمالا جديدة مع الرسم تسمى بـ»أعمال تركيبية»، انشد لها الجمهور وحاول التفاعل معها من خلال تدويرها بيده، إذ كان أحد الأعمال عبارة عن سلة حظ كروية قابلة للدوران عبر عتلة يدوية، وضع بها 328 كرة، كل كرة منها رسمت عليها شخصية، بإيحاء إلى البرلمان وأعضائه، وشبه جسام دورات هذه السلة بالدورات الانتخابية التي أعيدت خلال الثلاث عشرة سنة الماضية، والتي تشابهت ولا يوجد أي اختلاف بها.
في أعماله السابقة، ابتعد زياد جسّام عن التشخيص، وقدّم أعمالاً تداخلت فيها الموتيفات من خلال اشتغاله على اللون، وفي معرضه هذا اشتغل على التقنية ذاتها، لكن بتشخيصية أكثر.
كان اللون، على مدى أكثر من معرض فضلاً عن مشاركات عدة، ملاذ جسّام في اللعب على قماشة اللوحة، لهذا يرى أن للألوان فلسفة حقيقية تؤثر في حالة الإنسان النفسية، والكثير من الناس يتعامل مع الألوان، ولكن بعضهم يتعامل معها بانطباع نفسي دون التمرس في القراءة أو المعرفة بماهية هذا اللون أو ذاك، «أستخدم اللون الأحمر في أغلب لوحاتي لكونه لوناً جذاباً وفيه جمالية عالية، خصوصاً في الأعمال ذات المساحات الكبيرة، إذ يشكل نقطة جذب للنظر، واستخدامي للأحمر لا يعني أنني جعلت منه بصمة لأعمالي، بل إنني أميل لجميع الألوان وأشعر بالسعادة عندما أضعها على باليت الرسم وأبدأ بخلطها، لأضعها على اللوحة وأتأملها وهي تتغير مع البيئة المحيطة بها، لتبدو جميلة في كل مكان».

التشكيلي العراقي زياد جسام في معرضه الجديد «إعادة تدوير»: على الفنان أن يطرح الأسئلة المربكة المعقدة

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية