صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري: تُمثّل مجموعته الجديدة «بنات القمر»، التي عرضها في غاليري وزارة الثقافة ومن ثم في مؤسسة البيسمنت (القبو) في صنعاء؛ امتداداً متطوراً للمرحلة الراهنة في تجربته، التي عبّر عنها بوضوح في معرض «سماء من البنفسج» في 2006، متميزاً، هذه المرّة، في الاشتغال على المرأة، موضوعاً ورمزاً، والتجريد بواقعية تعبيرية تقنياً، والتعامل بجرأة مدروسة وحرية متجاوزة (لونياً) مع نصوصه ورؤاه، التي لم تتخل عن علاقتها المبتهجة بالمكان والإنسان وفق تقنية ولغة تُحسب له وعليه في آن.
في جديد لوحاته تجلّى التشكيلي اليمني عبد الجبار نُعمان (1949) فنانا عصيا على الشيخوخة حتى في رؤيته؛ فبعد أكثر من أربعين سنة مع الفرشاة؛ تأتي لوحته أكثر إدهاشاً بما حملته من جديد وما حققته من تجديد رؤيوي ولوني، قطعت بهما اللوحة خطوات متقدمة باتجاه المعالجة الفنية للمنظر؛ التي جاءت، في أعماله الجديدة، أكثر حريّة في التعامل مع التشكيل والتركيب والتلوين للمنظر؛ والذي جاء على قلة محمولاته الموضوعية، مقارنة بأعماله السابقة، أكثر تميزاً في اكتشاف طاقات جديدة للون والاشتغال كثيراً على التجريد التعبيري بالاعتماد على فضاء سردي حضر فيه الخيال بقوة، خاصة في الأعمال التي خصص معظمها للمرأة، وجاءت منها تسمية المعرض «بنات القمر».
و«بنات القمر»، وفق الفنان نُعمان، يمثلنّ بنات اليمن، إلا أن الرمزية غير المغلقة في اللوحات امتزجت بالقصدية غير المفتوحة؛ ففي وجوه الفتيات التقى الجمال والبهجة في صور مُعبّرة عن مدى إصرار اليمن على تحدّي الواقع، في تعبيرية، لم تتخل عن التجريد، عن إيمان الفنان بأن اليمن سيتجاوز واقعه الراهن وستنتصر الحياة على الموت استناداً إلى الجمال المكنون في الداخل، الذي يؤمن به الفنان ويراهن ويؤكد عليه في جديد أعماله، وكأنه، بتلك المناظر، يُذَّكر بموروث الخصوصية اليمنية من حضارة الجمال وثقافة السلام؛ وفي مقدمة هذه اللوحات تلك التي ظهرت في غلاف كُتيب المعرض ولوحته الإعلانية، وبرزت فيها مقدرة الفنان على تطويع تناقضات الواقع بما يُعبّر عن موقف ورؤية تنفست، كثيراً هذه المرة، لون الأرجوان (على حساب تراجع البنفسج الذي حضر كثيراً في معرضه السابق)، إلا أن (الأرجوان) كان أكثر ما منح اللوحات حياة وبهجة تعبر عن مدى إصرار «بنات القمر» على تجاوز أسوار النيران، وهو ما برزت معه حرفية الفنان واضحة، أيضاً، في التعامل مع التفاصيل والخطوط النابضة.
في مجموعته الجديدة مازال نُعمان، مُمتلكاً عيناً جمالية ذات ميزان حساس تتعامل مع اللوحة على أنها سيمفونية لكل مكون فيها إيقاعه؛ ولهذا نجده متمكناً من حفظ التوازن الجمالي بين مكونات وتفاصيل المنظر، بما لا يخلَ برصانة وجمال اللوحة، بل يفتح اللوحة على مشارف قراءات تتجدد… وهنا يمكن التأكيد على أنه تجلى، أيضاً، مُتمكناً من ألوانه، مُدهشاً – كما في معرضه السابق- في بناء المنظر المركّب بمعالجة فنية رائعة، مُشتغلاً بمهارة، على كل الأدوات، السكين مع الفرشاة والخامات (القماش) والألوان (الأكريلك والزيتي) بحرية مصدرها معرفة ومهارة وثقة يستمدها من تجربة طويلة تسندها روح مفعمة بحساسية إنسانية عالية منفتحة على البهجة لدرجة لا تجد عملاً من أعماله لا ينال الإعجاب. شُغِف عبد الجبار نُعمان بالرسم صبياً في بيئة وطبيعة ساحرة، وبدأت حكايتهُ مع اللوحة فتى يافعاً، ودَرَس الفنون شاباً وتخرّج بدرجة البكالوريوس في «كلية ليوناردو» في القاهرة عام 1973، وواصل الدراسة في إيطاليا ليعود في سبعينيات القرن الفائت منطلقاً بمشواره الفني ضمن رواد التشكيل اليمني.
كانت بداياته، مثل كثير من الفنانين اليمنيين، مع الواقعية التي ترتبط، في الغالب، بالهُوية والتُراث اشتغالاً على المعمار والأزياء والزخارف غالباً، وهو اشتغال، وإن كان واقعياً، إلا أنه تجاوز التصوير إلى التأويل الذي يُعيد اكتشاف وابتكار المكان في علاقته بالإنسان، كما تجاوز تلك البدايات إلى الواقعية الرومانسية، ومن الواقعية الرومانسية انتقلت تجربته إلى الواقعية التعبيرية، قدَّم خلالها أعمال مهمة في تسعينيات القرن الماضي، ومن تلك المرحلة كانت انطلاقته وتحوله إلى مدارس الفن الحديث؛ فتتحررَ فيها من قيم المدرسة التقليدية، مُتعاملاً بجرأة وحُريّة في توظيف اللون وتركيب المنظــر لتـــأتي المعالجة اللونية والهندسية والزخرفية بلوحة مختلفة تعبـــيراً وتصويراً، تشكيلاً وتأويلاً، تعكس جهوداً مُضنية بذلها الفنان تجريباً لونياً وتركيبياً هندسياً واشتغالاً متوازناً ورصيناً على مكونات ومؤثرات متعددة من الألوان والأشكال بأبعادها ومحمولاتها التعبيرية والتي تتداخل في ما بينها وصــولاً إلى نص جمالي متناغم وجريء ولوحة تتداخل فيها السطوح والمناظر في صياغات رؤيوية مبتكرة تُعيد قراءة واكتشاف الجمال في الواقع والبيئة والثقــــافة المحلــية بلغة البهجة؛ وهي المرحلة التي عبر عنها بوضوح في معرضه السابق 2006، ومثَّل معرضه الأخــير امتداداً وتطويراً لها؛ وفيها انتقده البعض على افتراض أنه قد تجاوزها بعد أكثر من عشر سنين من الاشتغال عليها؛ بينما أرى ويرى آخرون فيها إضافة نوعية لفنان رائد استقرت تجربته وصارت مدرسة من مدارس المحترف التشكيلي اليمني.