«التشوه البرلماني» في مصر… مسؤولية من؟

حجم الخط
9

كانت جلسة غير مسبوقة في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية، ليس فقط لامتدادها لسبع عشرة ساعة متواصلة، بل لكونها «لحظة انكشاف نادرة» للواقع الاجتماعي والسياسي في البلاد، وما ينتظره في السنوات الخمس المقبلة.
وعلى الرغم من المشاعر المتضاربة والمتراوحة بين الاستياء والصدمة والترحيب والتسلية، تجاه ما شهدته وقائع الجلسة الافتتاحية فقد اتفق كثيرون داخل مصر وخارجها على اهمية متابعتها حتى ساعة مبكرة من صباح امس الاثنين.
ومن الواضح ان الحظ لم يقف ابدا مع النواب الذين لم يعرفوا ان الميكروفونات كانت مفتوحة طوال الوقت، فجاءت تعليقاتهم الفجة في سطحيتها و الصادمة في انتهازيتها لتعمق الشعور بالفوضى والعشوائية الذي طغى على ما سواه في افتتاح برلمان يفترض ان يحقق احلاما وطنية واهدافا ثورية كبرى سقط آلاف الشهداء في سبيلها.
ويبدو ان النظام أدرك متأخرا امس فداحة الآثار المدمرة التي تكبدها في مصداقيته جراء هذه المهازل التي تابعها العالم على الهواء مباشرة، فاطلق ابواقه سريعا لوقف الانتقادات الإعلامية، وتذكير المشاهدين بأن «البرلمانات في الدول الديمقراطية تشهد خناقات بل واشتباكات بالأيدي احيانا»، وهذا حق اريد به باطل. اذ ان الصراعات في تلك البرلمانات ذات طبيعة سياسية ومحورها الخلاف على افضل طريقة لتحقيق مصلحة البلاد، وليس المصالح الخاصة او المناصب.
وللاسف لا يستطيع المراقب الذي يعرف مصر جيدا ان يتجاهل ان مظاهر التشوه التي ظهرت تحت قبة البرلمان امس الاول، ليست في حقيقتها سوى انعكاس للتشوهات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الشارع، وهذه يتحمل مسؤوليتها ميراث من التدمير المنهجي للقيم والتقاليد المجتمعية لثلاثة عقود متواصلة في عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك.
وبعيدا عن المبالغة او التعميم المخل، فان ما استخدمه بعض النواب من اساليب والفاظ في الحديث انما تعكس انتشار ثقافة البلطجة التي نشأت مع انهيار التعليم، ثم تورطت الدولة نفسها في تشجيعها ومازالت تسمح بها يوميا على شاشات التلفزيون.
أما من جهة التأهيل السياسي، فان مستوى بعض النواب ليس إلا انعكاسا صادقا لنتائج لتجريف السياسي الذي مارسه نظام مبارك لسنوات ضد الاحزاب بهدف منع حدوث تغيير.
ومن المثير للأسى ان تحدث هذه المهازل في بلد يملك سجلا برلمانيا عريقا، إذ عرف أول مجلس لشورى النواب في العام 1866 بمشاركة خمسة وسبعين نائبا، وتمثل مضبطة برلمانه تأريخا نادرا لاحداث المنطقة بأكملها.
اما على الصعيد السياسي، فان النظام يتحمل جزءا مهما من المسؤولية عن تلك المهازل، وإلا ماذا يعني ان يقوم الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين نائبة في البرلمان فيما بدا وكأنه «مكافأة» على اهاناتها المتكررة لثورة يناير في وسائل الإعلام؟ وهل يتوافق مثل هذا القرار مع الدستور الذي يعترف بتلك الثورة؟ وهل يجب ان يفاجأ احد اذا خرج أحد النواب بعد ذلك رافضا اداء القسم بصيغته الدستورية قائلا «انا مش طايق ثورة يناير.. علي الطلاق مانا حالف»؟
وقد يقول قائل ان ذلك النائب وامثاله قد حصلوا على مقاعدهم بتأييد من الناخبين في دوائرهم، معبرين عن تيار شعبي حقيقي منتقد لثورة يناير، وهذا حق آخر اريد به باطل. اذ لا يستطيع النظام ان يزعم ان الدستور الذي يعترف بالثورة ويحترمها قد حظي بدعم شعبي قريب من الاجماع ثم يقدم غطاء سياسيا لانتهاكه تحت قبة البرلمان.
وعمليا فان البرلمان الجديد يمثل سيفا ذا حدين بالنسبة الى النظام، فمن ناحية يتيح متنفسا لانتقاد الحكومة وبالتالي تخفيف حالة الاحتقان الاجتماعي، الا انه لن يستطيع ان يمنعه من كشف الفجوة الهائلة بين «الخطاب الوردي» للرئيس السيسي، والواقع المؤلم في ظل اصرار بعض مؤسسات الدولة على اعادة عجلة الزمن إلى ما قبل ثورة يناير.
ولا تخلو هذه الصورة القاتمة من نقاط ضوء تتمثل في نواب وطنيين على قلتهم يملكون تاريخا مشرفا في مواجهة الحكم الديكتاتوري، وتتعلق بهم الآمال في ان ينتصروا للثورة وشهدائها واهدافها، ولشرفهم السياسي، بمواجهة معسكر الفلول المستأسد، واعلان كلمة الحق في حضرة «برلمان جائر».

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية