التصرف كأصحاب البيت

حجم الخط
0

يُقال إنه تدور في اسرائيل حرب ثقافية حول طابع الدولة والمجال العام. وحسب نمط الحياة والفنون فان ساحة المعركة لهذه الحرب ضبابية لدرجة أنه ليس واضحا احيانا في أي معسكر أنا موجود ومن أين يطلقون علي. لهذا أنا أشكر معلمي وسيدي البروفيسور مردخاي كرمنستر والبروفيسور يغئال عيلام («هآرتس»، 19 و 23 تشرين الثاني) اللذين قاما في إبراز الفرق في المواقف بيننا.
الارث التعليمي الانساني الذي حصلت عليه منهما هو الذي يدفعني إلى التشكيك بالموقف العلماني المتشدد الذي يقترحانه، وهو اقتراح تعديل، حسب رأيي، يجيب على ازمة الهوية للجيل الحالي.
الطريقة «الانتقائية» التي يقترحها كرمنتسر مستعدة لأن تُدخل من بوابة الصف فقط مصادر يهودية تتجانس مع المواقف الانسانية العصرية. وكل ما هو عدا ذلك لا يتم تعليمه أو ذكره. وهذا يعني التصنيف القطعي: في كل مكان يبرز فيه تناقض تُستخدم الرقابة الثقافية. الموقف القطعي يخدع الطلاب لأنه «يخفي» عنهم ما هو غير مريح ـ هذا عكس العمل التعليمي المطلوب.
هل كنا سنقبل نظرة كهذه لكتابات أفلاطون، أرسطو أو ميكيافيلي؟ هؤلاء المفكرين يعكسون هنا وهناك مواقف لا تتلاءم مع المواقف الديمقراطية الحالية، ولكن ليس من المعقول عدم تعليمهم. لماذا فقط عند الحديث عن كتبنا المقدسة هناك حاجة إلى «الانتقاء»، ولماذا يخشى المتدينون المتشددون والعلمانيون المتشددون من الطريقة المركبة؟.
عند كرمنتسر يوجد جواب بسيط: الحديث يدور عن حرب ثقافية بين العالم العلماني ـ الليبرالي وبين العالم الديني المحافظ. كل معسكر بحاجة إلى الدفاع عن قيمه في أمام محاولة الطرف الثاني السيطرة على الرأي العام والتعليم. المصادر اليهودية حسب رأيه هي أداة في يد المعسكر الآخر. أنا أختلف معه بشدة في هذا ليس لأنني أعتقد أنه لا توجد حرب ثقافية، بل لأنني أعتقد أنه توجد هنا ثلاثة معسكرات وليس اثنين.
إن مقالات كرمنتسر وعيلام تطالب بتقسيم العمل بشكل واضح: أعطونا العلمانيين الليبراليين من اجل الاهتمام بالديمقراطية وأبعدوا عنا اليهودية التي مللنا منها بسبب الطريقة التي تتعاملون بها أنتم المتدينون المحافظون في الاجيال الاخيرة. وهذا يعني أن تكون الديمقراطية ملكا للعلمانيين واليهودية ملكا للمتدينين من اليمين.
أنا لست على استعداد للنظر إلى الواقع بهذه الطريقة لأنني أرفض العيش والتعليم حسب الموقف القطعي (ابيض أو أسود). أنا أنتمي للمعسكر الثالث الذي يصمم في حياته الشخصية، مثلما في الحياة العامة، أن تكون رِجل واحدة في الديمقراطية الانسانية والرِجل الاخرى في عالم الارث والقيم الاسرائيلية. والدمج بين العالمين بشكل مركب. ليس فقط المتدينين الليبراليين يوجدون في هذا المعسكر، بل ايضا جمهور آخذ في الازدياد من العلمانيين الذين يؤمنون أن التوراة واليهودية هما ايضا لنا ـ ليس كورقة التوت وليس كشيء أدواتي ـ ولكن بشكل أساسي لحياتنا.
موقف كرمنتسر المتطهر يعكس غياب الثقة في التعامل مع الذخر الثقافي اليهودي، بل ويخشى منه. في المقابل الموقف المركب الديالكتيكي يكون مسؤولا عن هذا الذخر. الطريقة الديالكتيكية تعانق المصادر وتكشف عن الصعوبة في التعامل معها. وهي لا تخضع أمام الموقف الديني المحافظ بل تضع بديل تحليلي شرعي لتلك المصادر. «أن تكون إبن بيت ومحلي في الثقافة اليهودية» لا يعني ثغرة للنظرية الدينية. كما يخشى كرمنتسر، بل العكس ـ هذا مفتاح لتقبل المسؤولية من جديد عن هويتنا الفعلية ايضا بدون اقامة الفرائض الدينية.
المتدينون المتشددون والعلمانيون المتشددون ما زالوا أسرى للارثوذكسية التي تقول إن لليهودية صوت واحد فقط وصورة واحدة. والحديث دائما عن رجل له لحية ويضع القبعة على رأسه. وأنا أكفر بذلك. الكتابات اليهودية تابعة لنا ايضا، ولا حاجة للخوف منها. لن نتردد من وضع الاقتباسات التي يصعب هضمها لأن اعادة الملكية للارث والتقاليد تُمكننا من اعادة تفسيرها وانتقادها.
الحل الذي أقترحه في ادخال اليهودية من البوابة الرئيسية لحياتنا هو تعددية مليئة بالاصوات وانتقادية، ليس كل مصدر أو نص أو موقف يهودي هي أمور مقبولة. ولكن يجب طرحها ومواجهتها من الزاوية الانسانية، وليس اخفاءها. هكذا فقط نستطيع انتاج نسيج قيمي يدمج بين يهوديتنا وبين القيم الديمقراطية الليبرالية.
يقترح كرمنتسر عمليا الفصل بين الدين والدولة، واقتراحه يرتكز على الفصل والاغتراب عن البُعد الديني المحافظ لليهودية في الحياة الشخصية. هذا الموقف المستمد من النموذج الفرنسي أو الأمريكي، لا يناسب المجتمع في اسرائيل، وهو يمثل فقط جزءا صغيرا من السكان. صحيح أن اسرائيل أنشئت بناءً على رؤية هرتسل الذي تحدث عن دولة قومية يهودية علمانية مطلقة، إلا أن الكثير من الجمهور العلماني والمحافظ لا يكتفون في الوقت الحالي بذلك وهم يريدون دولة حسب نموذج أحاد هعام وبيالك، التي فيها مكان محترم للثقافة والارث اليهودي، وإلى جانب ذلك عدم المطالبة بتأدية الفرائض الدينية.
لم يكن أحاد هعام أقل علمانية من هرتسل أو بن غوريون، لكنه لم يكتف بحل مشكلة ملاحقة اليهود، بل سعى إلى إحداث تغيير في مغزى اليهودية. أنا أنتمي للمعسكر الذي يستمر بهذه الطريق. انطلاقا من الايمان أن موسى حصل على التوراة في سيناء وأعطاها ليهوشع ومن هناك إلى كبار السن والأنبياء وهكذا دواليك. في هذه الايام توراة الحياة موجودة ليس فقط في أيدي الحاخامات اهارون يهودا شتاينمن واسحق يوسف وتسفي اسرائيل تاو، بل ايضا في أيدينا.
الخلاف ليس فقط نظريا أو سياسيا. الحديث يدور عن تجارب حياتية مختلفة تماما. نعم، أنا أريد، بل وأطالب، أن أكون إبن بيت في الثقافة اليهودية، ولا أريد ترك هذا البيت، بل أريد العيش فيه على طريقتي وأن اؤثر في شكله وطابعه.

هآرتس 6/12/2015

ادار كوهين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية