التصعيد الخليجي مقدمة للانسحاب او الانخراط بالمواجهة من ساحة لبنان

حجم الخط
2

لبنان ـ «القدس العربي»: من الصعب قراءة أي حدث يحصل راهناً، سواء في لبنان أو المنطقة، كبيراً كان أو صغيراً، خارج المواجهة الكبرى التي تقودها المملكة العربية السعودية إزاء النفوذ الإيراني، الذي تغلغل في النسيج العربي ونجح في تشكيل أذرعٍ عسكرية وخلايا أمنية له في أكثر من بلد، إلى حد تباهي مسؤولين إيرانيين أن طهران باتت تسيطرعلى أربع عواصم عربية. بيروت هي إحدى العواصم الأربع، حيث يسيطر «حزب الله» – الذراع العسكرية الإيرانية في لبنان – على جزء كبير من مفاصل الدولة وعلى قرارها السياسي بفعل «هيمنة السلاح وفائض القوة» بما يشكل خللاً فاضحاً في موازين القوى اللبنانية.
هذا الواقع ليس جديداً على مستوى الداخل اللبناني. وليس جديداً كذلك أن «حزب الله» كجزء من منظومة « الحرس الثوري الإيراني» يمد مخالبه الأمنية إلى خارج الحدود اللبنانية ويرتع في أكثر من بلد عربي، ما قبل إندلاع «الثورة السورية» وسط عجز لبنان الدولة عن مواجهته، في ظل قناعة غالبية القوى السياسية المناوئة له بأن الحل لهذه المعضلة لا يمكنه أن يكون حلاً لبنانياً، بل إقليميا – دوليا ما دام الحزب يشكّل أحد ركائز المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، تحت عباءة الولي الفقيه الذي يدين بالولاء الديني والسياسي والعسكري له.
المستجدّ أن القيادة الجديدة في المملكة حملت معها تغييراً في الرؤية لسبل المواجهة. تغيير سينسحب على مختلف جبهات المواجهة، الساخنة منها والباردة. هو التغيير الذي فاجأ كثيرين، مع انطلاق «عاصفة الحزم» لاستعادة اليمن بعد الانقلاب الحوثي المدعوم من الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على الشرعية، وفي مقدمهم طهران التي كانت تتهيّأ لاحتفالية إعلان الاتفاق التاريخي مع دول الغرب حول برنامجها النووي، الذي يفتح الطريق لتتويجها كقوة إقليمية رئيسية في المنطقة.
منذ «عاصفة الحزم»، خرج «حزب الله» عن طوره حيال القيادة السعودية في دور «الوكيل» عن «الأصيل». وتولى الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، الذي يسود اعتقاد قوي أن إدارة الملف اليمني كانت بعهدته شخصياً، حملة التأجيج والتحريض ضد العرب عموماً والخليج والسعودية خصوصاً، بدأت بوصفهم بـ» التنابل» في مقاربة مع الحيوية الإيرانية حيال قضايا المنطقة، ولم تنته بشعار «الموت لآل سعود» الذي يردده جمهوره على وقع إطلالاته التلفزيونية. وتحولت الساحة اللبنانية منبراً إعلامياً، يستضيف في مساحة جغرافية صغيرة تقع تحت نفوذ «حزب الله» على تخوم العاصمة عشرات الفضائيات التي تموّلها بشكل رئيسي إيران، ويُستخدم في الحرب الإعلامية ضد المملكة. حرب تتصاعد كلما صعّدت المملكة، ومعها دول خليجية، من إجراءاتها ضد «حزب الله» بعد تصنيفه «منظمة إرهابية» وكلما حقق التحالف العربي إنجازات عسكرية في اليمن وتقدمت المعارضة السورية في حربها مع النظام وكثرت الضغوطات على الميليشيات الموالية لإيران في العراق.
كان «الجمر تحت الرماد» في العلاقة بين لبنان والمملكة. خطوط حمر يتم تجاوزها، في واقع يتجلّى بشغور في رئاسة الجمهورية يقبض «حزب الله» وراعيه الإقليمي على مفتاح الإفراج عن الاستحقاق لانتخاب الرئيس، كما بشلل مجلس الوزراء، السلطة التنفيذية التي جُيّرت إليها صلاحيات رئيس الجمهورية، والممنوع عليه الانعقاد إلا بما يتلاءم مع أجندة الحلفاء في قوى الثامن من آذار، وبرئيس حكومة تعتريه «سمة الضعف» وليس أمامه سوى لعبة تدوير الزوايا. والأهم أن كل ذلك يحصل فيما «التشتت والانقسامات والعجز والانتظار والإحباط» يسود الأطراف الحليفة لخط الاعتدال العربي والمحسوبة على المملكة المنضوية في قوى الرابع عشر من آذار، والتي يُشكّل «تيار المستقبل» بزعامة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، عصبها الأساسي. عجز وإحباط فاقمه وجود الحريري خارج البلاد لاعتبارات أمنية منذ الإطاحة بحكومته عام 2011، لحظة كان يلتقي الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض، في انقلاب واضح على مضامين «اتفاق الدوحة» الذي صيغ عقب اجتياح الحزب العسكري لبيروت وبعض مناطق الجبل الدرزي عام 2008، وزاد من حدّة التدهور «وقف الدعم السعودي بأشكاله المتنوعة».
كل تلك العوامل تجمّعت لتنفجر مع الامتحان السياسي لـ»حكومة المصلحة الوطنية» برئاسة تمام سلام، في اجتماع الجامعة العربية في القاهرة، وهو الاجتماع التضامني مع المملكة في إدانة الاعتداء على سفارتها في طهران وممثليتها في مشهد على خلفية إعدام الشيح نمر النمر من ضمن مجموعة سعوديين أدينوا بأعمال إرهابية. تفرّد لبنان بالخروج عن الإجماع العربي، في وقت آثر العراق، اللصيق بإيران والواقع تحت نفوذ ميليشياتها، عدم التماثل بلبنان. ذهب وزير الخارجية الحليف لـ»حزب الله» إلى أبعد مدى في المواجهة، رافعاً شعار «الوحدة الوطنية تتقدّم على التضامن العربي»، متلطياً بسياسة «النأي بالنفس» التي أقرها البيان الوزاري حيال الأزمة السورية، والتي خرج عنها الحزب بانخراطه بكل قوته في الحرب السورية إلى جانب النظام، في وقت أن القضية المطروحة تتعلق بمسألة عربية لا تمتّ بصلة للأزمة السورية، وأن السلطات الإيرانية العائدة إلى المجتمع الدولي إضطرت إلى إدانة الاعتداء حفاظاً على الصورة الجديدة التي تريد تقديمها للعالم والمغايرة لكونها «دولة مارقة». لكن هذا الاستحقاق، والذي تكرر ثانية في اجتماع «منظمة التعاون الإسلامي» في جدة، شكّل مناسبة لإيران للقول عبر حلفائها «إن الأمر لي» في لبنان. «سقطة سياسية» ساهم فيها «عدم تيقّن» رئيس الحكومة لمناورة باسيل، الذي احتمى بتضمّن البيان «إدانة لحزب الله بوصفه منطمة إرهابية» ليتنصل من الموافقة على الإجماع العربي، وهو ما تكشّف مؤخراً على لسان باسيل من أنه كان هناك قرار تضامني وبيان. يومها سأل وزير خارجية الإمارات نظيره اللبناني: هل تتبنى البيان إذا شطبنا عبارة «حزب الله» منه؟ جاء الجواب بالنفي. موقف يُعزّز القناعة الراسخة بأن قراراً متخذاً من باسيل ومِن ورائه «حزب الله» بإخراج لبنان من «البوتقة العربية».
لكن المضي بـ»السقطة السياسية» تواصل سواء على طاولة «الحوار الوطني» أو في محاولة رئيس الحكومة تغطية قرار باسيل، في «سوء تقدير» لتداعيات ذلك الموقف. وإذا كان «تيار المستقبل» قد عبّر منذ اللحظة الأولى بوضوح عن رفضه لما جرى، داعياً إلى تصويب الأمر «إلا أنه أيضاً لم يُصب التقدير بأن ما جرى ليس «هفوة» بل «تحوّل كبير» كان يتطلب التصدي له بقوة».
بدا واضحاً أن «حزب الله» قد عزّز موقعه بقوة في ظل حكومة «المصلحة الوطنية» التي اتخذت سمة «ربط النزاع»، وتشكلت آنذاك بعدما تراجع عن إملاء شروطه على وقع السيارات المفخخة التي استهدفت مناطقه وبيئته الحاضنة وشعوره إلى الحاجة لـ»شريك سنّي قويّ» في حكومة توفر له غطاءً سياسياً وشبكة أمان تريحه داخلياً، فيما هو منصرف إلى حربه في سوريا. استفاد «حزب الله» من حال الاستقرارالأمني بعدما تجنّدت كل أجهزة الدولة الأمنية، من جيش ومخابرات و»شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي وأمن عام، لملاحقة السوريين واللبنانيين الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الطائفة السنية تحت ذريعة الاشتباه بالانتماء إلى تنظيمات إرهابية. شكّل عنوان مكافحة الإرهاب «الشمّاعة» لزج آلاف الشبان داخل السجون، في ظل ما يشبه «الصمت المُطبق» للوزراء المعنيين، حتى أنه كثيراً ما جاهر «حزب الله» في كواليسه بأن وزير الداخلية نهاد المشنوق قدّم للحزب ما لم يكن يتوقعه من خدمات، وما لم يَقم به وزراء حكومة ميقاتي التي أتى بها حزب الله إلى السلطة. وآل الحوار الثنائي بين «تيار المستقبل» و»حزب الله» إلى مهادنة لم تأتِ بكثير من الفائدة على التيار بقدر ما وظفها الحزب لصالحه. فـ «المستقبل» لم يستطع أن يُفكّك الفخ المنصوب له في البيئة السنّية عبر ما يُعرف بـ»سرايا المقاومة». رفض الحزب طلب «المستقبل» بحل «السرايا»، لا بل عمل خلال السنتين الماضيتين على تجنيد واسع في البيئة السنّية في مختلف المناطق، ضمن «سرايا المقاومة» التي تُشــكّل ذراعــــه الأمنية حيث لا يستطيع هو أن يتواجد بفعل طبيعته المذهبية. ورهان الحزب اليوم على أن يستخدم تلك القوة في مواجهة البئية السنّية، فتبدو الصورة اشتباكاً سنياً – سنياً، حيث تلزم الأمور، ويرفد الحزب ذراعه السنية بكل أنواع الأسلحة والمساندة المطلوبة مِن المقعد الخلفي.
لعله وحده وزير العدل اللواء أشرف ريفي، الذي خَبِرَ «حزب الله» شراسته يوم كان مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي، لم يُهادن في مواقفه «دويلة حزب الله»، سواء داخل الحكومة أو خارجها. فهو من موقعه كإبن طرابلس والشمال شكّل «رأس حربة» في مواجهة محاولات الحزب إخضاع طرابلس، وهو يدرك دور الحزب الرئيسي، عبر العلويين، في تأجيج جولات الحروب المتعددة في المدينة وعلى خطوط التماس التي رُسمت بين باب التبانة السنية وجبل محسن العلوية. وهو الذي اعتبر باكراً أن «الحكومة السلامية» أضحت لها وظيفة واحدة تتمثل بالغطاء السياسي لسيطرة الحزب على مفاصل الدولة. انسحب من مجلس الوزراء على خلفية التباطؤ – التواطؤ في تأجيل بحث بند تحويل قضية ميشال سماحة إلى المجلس العدلي، نظراً لعدم ثقته وشرئحة واسعة من اللبنانيين بالمحكمة العسكرية، الخاضعة وفق قناعة كثير من السياسيين لنفوذ «حزب الله»، والتي تُعيد محاكمة سماحة، المتهم بنقل متفجرات إلى لبنان في مخطط عُرف بمخطط سماحة – المملوك (علي المملوك اليد الأمنية اليمنى للأسد) لاستهداف شخصيات سياسية ودينية شمالية وإفطارات رمضائية وزيارة كان البطريرك الماروني ينوي القيام بها إلى الشمال لخلق فتنٍ مذهبية وطائفية. مخطط كان ليفجرّ حرباً أهلية في لبنان لو قُدّر له أن ينجح.
انسحاب تطوّر إلى استقالة مُعزَزاً بأزمة الحكومة مع المملكة، والتي أظهرت جلسة مناقشة بيان «تصحيح الخطأ» أن «حزب الله» ماض في غيّه وإمساكه ترهيباً بالقرار الرسمي غير آبه للتداعيات السلبية على لبنان وعلاقاته العربية وعلى اقتصاده ووضع اللبنانيين المقيمين في الدول العربية والذين يتجاوز عددهم نصف مليون نسمة، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول الفائدة من استمرار الحكومة المُصادرة إراداتها، ولاسيما أن ما صدر عن الحكومة لم يكن – وفق السفير السعودي لدى لبنان – «كافياً أو شافياً» ليكون مدخلاً مقبولاً لإعادة تصويب العلاقات.
فما تكشّف خلال الأيام الماضية أن الأزمة اللبنانية – السعودية – الخليجية ماضية إلى مزيد من التصعيد، فالمسألة لن تقف عند حدود وقف هبة المليارات الأربعة للجيش اللبناني والقوى الأمنية، ولا عند حدود منع رعايا كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر من السفر إلى لبنان ومطالبة المقيمين فيه بالمغادرة، بل قد تتعداها إلى إجراءات أوسع، مما يزيد من الضغوطات على لبنان، حكومة وقيادات سياسية حليفة للمملكة. وبدا من مسار التطورات أن المطلوب يتجاوز المواقف الكلامية واللهجة العالية في الخطابات والتصريحات إلى أفعال، ولعل هنا بيت القصيد: ما هي الخطوات المطلوب من القوى السياسية المناوئة لـ»حزب الله» اتخاذها؟ سؤال تتوقف الإجابة عليه على سبر أغوار الهدف من وراء التصعيد الخليجي حيال لبنان والإجراءات المتخذة بحقه. هل التصعيد هو مقدمة للانسحاب من لبنان وإدارة الظهر له… أم أنها تأتي في إطار استنهاض القوى المؤيدة لها من أجل أن تتحرّك سياسياً وشعبياً، وأن تضع خطة مُحكمة لكيفية مواجهة تمادي «حزب الله» ومِن ورائه إيران في وضع يدها على لبنان؟
إذا كان الاتجاه هو الانسحاب، فإن ذلك يعني مزيداً من سقوط لبنان في القبضة الإيرانية، وتلاشي قدرة «تيار المستقبل» ومعه قوى الرابع عشر من آذار على المواجهة، أما إذا كان الاتجاه هو الحض على المواجهة، فإن الأمر يستلزم توفير أدوات المواجهة السياسية والشعبية، ذلك أن المواجهة بـ»الصدور العارية» وسط أزمة مادية واقتصادية وقطعٍ ممنهج لكل أنواع الدعم، يعني خسارة المعركة قبل أن تبدأ.
قرار الاستقالة من الحكومة ووقف «الحوار الثنائي» بين «حزب الله» و»تيار المستقبل»، ورفع سقف المواجهة السياسية مطروح بقوة، وقد يُتخذ في أي لحظة. ولكن ماذا عن اليوم التالي؟ فإذا لم تكن الصورة واضحة وخطة العمل جاهزة ومقوماتها متوفرة، فإن أي خطوة يتم اتخاذها ستكون قفزة في المجهول، وقد تأتي نتائجها على عكس ما يُراد منها، ولاسيما أن الانكشاف السياسي في البلاد من شأنه أن يؤول إلى اهتزازات أمنية وإلى تشكيل أرضية مؤاتية للنفاذ منها للقيام بتفجيرات متنقلة لضرب الاستقرار، وإنْ كانت المعطيات المتوافرة لدى المراجع الأمنية من أن شبكة الأمان للبنان لا تزال مؤمنة حتى إشعار أحر، وهو قرار يتخطى رغبة الأطراف الداخلية إلى رغبة دولية.
الأكيد أن الصورة غير واضحة حول ما إذا كان تسارُع التطورات في المنطقة وتشابكها وتعقدها، بات يتطلب التحاق لبنان بساحات الصراع في «عاصفة حزم» من باب أن ورقة «حزب الله»، بامتدادها الإقليمي وأذرعها الإيرانية، قد حان أوان إسقاطها، لكي يعود الحزب إلى بُعده اللبناني في حجمه الطبيعي داخل التركيبة الداخلية، أم ان «سيناريو الضغوط» لا يتعدى كونه محاولة إعادة ضبط «الخطوط الحمر» في علاقة لبنان مع المملكة، بحيث لا يتحول خنجراً في الخاصرة العربية ومنبراً لإطلاق الإساءات!
في الداخل رهان على دور قد يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الوثيق لـ»حزب الله» الذي يترك له هامشاً من الحركة، فيتكئ عليه الجميع، من حلفاء وخصوم، في عملية «إعادة الأمل» لترميم ما تصدّع ووصلِ ما انقطع. رهانٌ قد يكون في محلّه إلا إذا كان لبنان أضحى في مرحلة بات من الصعب معها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

رلى موفق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية