التطرف والإرهاب الإسلامي في أوروبا

حجم الخط
0

قال الرئيس الفرنسي فرانسو أولاند بعد أحداث نيس ان كل فرنسا تحت تهديد الإرهاب الإسلامي، ووجه كل غضبه على تنظيم «الدولة» الإسلامية أو «داعش» وتعهد بمزيد من الضربات للتنظيم دون ان ينظر إلى مخاطر تهديد التطرف والإرهاب من قبل بعض المسلمين داخل فرنسا على الأمن والسلم في احدى أكبر الدول الأوروبية. هناك التطرف والإرهاب اليميني، ولكن تركيز تلك المقالة على التطرف والإرهاب الآتي من بعض قطاعات الأقلية المسلمة داخل أوروبا نتيجة تزايد عدد العمليات والضحايا مثل أحداث باريس في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي التي راح ضحيتها مئة وثلاثين شخصا. تحدثت مرارا عن تلك الماسأة لجذب انتباه القراء والمسؤولين حول سرعة التحرك للتعامل مع تلك الظاهرة الخطيرة التي تقضي على حياة الأبرياء.
تحدثت مع بعض المسؤولين في الغرب عن ضرورة التحرك ولكن يبدو ان عدم الفهم العميق لأبعاد التطرف بين قطاع من المسلمين في الغرب، ومن جانب آخر الخوف من الاتهام بكراهية والخوف من الإسلام والمسلمين والمعروفة بظاهرة الإسلاموفوبيا هي السمات المحددة لتوجه الحكومات الغربية تجاه تلك الظاهرة.
ومن المحزن الاعتراف بحقيقة ان تلك العمليات ستستمر ما دامت أسباب تلك الظاهرة متجذرة في المجتمعات الغربية. وقد حذر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس البرلمان من ان المزيد من الهجمات الإرهابية ستقع في البلاد وستخلف المزيد من الضحايا على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، وقال ان فرنسا يجب ان تتعلم كيف تعيش مع التهديد بوقوع أحداث مثل هجوم نيس الذي راح ضحيته 84 شخصا.
ان منفذ هجوم نيس محمد بوهلال تطرف في آخر أيامه، كما ان الأفغاني الذي هاجم المسافرين في قطار في المانيا أعلن انه سوف يقوم بعملية استشهادية وفق شريط فيديو نشره تنظيم «الدولة» الإسلامية. ينطبق الأمر على هجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وكذلك أحداث «تشارلي ايبدو». ووصل الأمر إلى اللاجئ السوري في المانيا الذي فجر عبوة ناسفة وأعلن عن صلته بتنظيم «الدولة» الإسلامية. ان الرابط بين كل تلك الحوادث المؤلمة هو التطرف الفكري وبعد ذلك القيام بأعمال إرهابية . يضاف إلى ذلك كراهية قطاع من المسلمين لطريقة حياة الأوروبيين والرغبة في الانتقام من مواطني البلدان الأوروبية نتيجة ما يرونه من سياسات أوروبية ظالمة ضد المسلمين في العراق وفلسطين وافغانستان. فقد نشر تنظيم «الدولة» الإسلامية من خلال وكالة «أعماق» التي تنشر أخبار التنظيم ما ادعى انه وصية خالد البكراوي الذي فجر نفسه خلال هجمات مطار بروكسل في اذار/مارس الماضي. يتحدث البكراوي وفقا للتنظيم عن كراهيته للأخلاق الغربية. وقال انه أراد الانتقام من الغرب بسبب المذابح التي تحدث في العراق وفلسطين، وأضاف «الصليبيون اتحدوا مرة أخرى لقتل المسلمين». وهذا يعكس بوضوح المكنون النفسي الغاضب من الأوروبيين والرغبة الشديدة في الانتقام. في هذا السياق ذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية ان مسلما طعن امرأة وأطفالها الثلاثة على أحد شواطئ نيس بسبب ملابسها الخليعة من وجهة نظره. يضاف إلى ذلك ان شقيق محمد مراح الذي قام بعمل إرهابي عام 2012 ذكر ان والديه ربياه على كراهية فرنسا ويعتقد ان تلك التربية كانت من العوامل المؤثرة على تطرف محمد مراح.
تتنوع مصادر تغذية التطرف والإرهاب الإسلامي في أوروبا وتتمثل في الأسرة والمساجد والمدارس الإسلامية والمحاكم الشرعية وضعف الخطاب المضاد لخطاب التطرف ووجود بؤر جغــــرافية لنشر التطــــرف مثل مولنبيك في بلجيكا ونيس في فرنسا والخــــوف من الاتهام بالإسلاموفوبيا وسياسات الحكومات الغربية الفاشـــلة في ادماج المسلمــين في مجتمعاتهم ورغبة قطاع من المسلمين الشعور بالتميز والهوية الإسلامية على حساب المجتمعات التي يعيشون فيها وأخيرا الأفكار السياسية العقيمة التي تعطي للمسلمين حقوقا تؤثر بالسلب على ادماجهم.
اعتقد ان المسؤولية مشتركة بين الحكومات والأقلية الإسلامية في أوروبا لمواجهة التطرف والإرهاب. هناك حاجة ماسة للتعامل مع العقيدة الجهادية لبعض المسلمين داخل أوروبا والذين يرون في تنظيم «الدولة» الإسلامية ايقونة الإسلام الجهادي، ومن ثم فان ضرب الدول المتحالفة لضرب التنظيم في العراق وسوريا هو جهاد يجب القيام به. هناك ضرورة ملحة لتحدي ونقد وتعرية مفهوم الجهاد في الإسلام حتى لا يمكن استخدامه لتبرير عمليات العنف والإرهاب. طالبت مؤسسة الأزهر للقيام بهذا الدور ولكن للأسف لا توجد نية ولا إرادة من قبل تلك المؤسسة للقيام بذلك. من جانب آخر يجب معالجة التهميش والفقر لدى بعض الجاليات الإسلامية في بعض المجتمعات الأوروبية واخراج بعض الجاليات المسلمة من القوقعة التي تعيش فيها. على الحكومات الأوروبية ان لا تسمح لبعض فئات الجاليات الإسلامية ان تبني دولة داخل دولة وتوقيف الممارسات المناهضة للقيم الأوروبية من قبل المسلمين الذين يعيشون على أراضيها. على سبيل المثال يجب تجريم تعدد الزوجات على المستويين القانوني والعملي، ومن جانب آخر يجب اغلاق المحاكم الإسلامية لانه وجد انها تتحيز للرجل ضد المرأة، واغلاق المدارس التي تخلق نظاما قيميا يناقض النظام القيمي الأوروبي. ويجب على الحكومة تفهم حاجات الأقلية المسلمة ومنحهم الحريات الدينية لانها جزء من الديمقراطية الأوروبية، ولكن يجب وضع خطوط معينة لمنع خلق دولة داخل دولة. هناك حاجة ماسة لأئمة مساجد يعرفون لغة وقيم المجتمعات التي يعيشون فيها. ان دور قادة الجاليات المسلمة المستنيرة هام لاقناع الشباب المسلم بضرورة البناء وعدم الانخراط في الجماعات المتطرفة. لا يمكن انكار الدور الهام لوسائل التواصل الاجتماعي في مناهضة التطرف والإرهاب الإسلامي، وضرورة الاستثمار في هذا المجال من قبل الحكومات الغربية للحد من مخاطر التنظيمات المتطرفة. يضاف إلى ذلك قصور الدور الاستخباراتي والأمني في التعامل مع المتطرفين الإسلاميين والحاجة الماسة لرفع أداء تلك الأجهزة لتجنب عدد من الهجمات السابقة والمستقبلية. يجب العمل على خطة متكاملة الأركان بالشراكة بين الحكومات والجاليات الإسلامية وباقي مكونات المجتمع للتصدي لهذا السرطان الخطير الذي يؤثر على الجميع.

٭ كاتب مصري

التطرف والإرهاب الإسلامي في أوروبا

د. سعيد جوهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية