التطرف يتغذى على الأغبياء

حجم الخط
1

الجريمة الارهابية التي استهدفت مصلين أبرياء في لندن تمثل تطرفاً وإرهاباً مضاداً، نفذه أغبياء كرد فعل على عمليات إرهابية غبية نفذها أغبياء ضد الأبرياء في لندن ومانشستر خلال الأسابيع القليلة الماضية.
الأغبياء هم على الدوام وقود التطرف والإرهاب الأعمى، لأنهم بعدم قدرتهم على فهم ما يدور حولهم يختصرون كل شيء في الدين أو المذهب أو العرق أو الأصل، ويتعاملون مع الناس بالجملة، علماً بأن أبناء العائلة الواحدة يختلفون ويتباينون، في ما بينهم، فكيف بأمة إسلامية قوامها مليار إنسان، أو اتباع الديانة المسيحية الذين يزيد عددهم عن مليار ونصف المليار؟
العملية الإرهابية التي استهدفت أبرياء خرجوا لتوهم من صلاة التراويح في لندن، تتساوى تماماً مع العمليات الإرهابية التي استهدفت أبرياء على جسر لندن، أو في حفل مانشستر، وهي دليل جديد على أن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام ولا بغيره من الأديان، فالذين ركبوا سيارة «فان» وداسوا بها الأبرياء على جسر لندن هم ثلاثة إرهابيين، تماماً كالارهابيين الثلاثة الذين دهسوا بسيارة «فان» مشابهة مصلين خرجوا لتوهم من مسجد دار الرعاية في شمال لندن، وكل من المجموعتين تعتنق ديناً يختلف عن الآخر.
العملية الإرهابية التي استهدفت مسجداً في لندن تحمل دلالات عديدة ومهمة، أبرزها:
أولاً: الإرهاب ليس مرتبطاً بالاسلام بقدر ارتباطه بالأفراد أنفسهم، فأغلب الذين نفذوا أعمالا ارهابية تبين أنهم متعاطو مخدرات في السابق، أو أصحاب سوابق جرمية – كما هو حال منفذ هجوم البرلمان في لندن – الذي اتضح أنه كان مجرماً منذ ما قبل اعتناقه الاسلام، كما أن منفذي الهجوم على المسجد ليسوا مسلمين، ولا علاقة لهم بالاسلام واستخدموا العمل الارهابي وسيلة للتعبير عن عنصريتهم واضطهادهم لغيرهم.
ثانياً: أغلب ضحايا الارهاب في العالم من المسلمين، وليس صحيحاً أن حرب الارهاب تستهدف الغرب، أو تقصد غير المسلمين، فالشيعة الذين ماتوا بغير وجه حق في عمليات ارهابية في العراق أكثر بكثير من كل ضحايا الارهاب في العالم الغربي طوال السنوات العشرين الماضية. وكذلك المسلمون الذين قضوا في عمليات إرهابية بالدول العربية والاسلامية عددهم أكبر بكثير من ضحايا الارهاب في العالم الغربي، وهو ما يعني أن المسلمين يدفعون ثمن هذه الظاهرة أكثر من غيرهم، ويعانون منها أكثر من غيرهم أيضاً.
ثالثا: تمثل عملية الاعتداء على مسجد دار الرعاية في لندن واستهداف المصلين فيه، تطوراً بالغ الأهمية والحساسية؛ فهجوم مثل هذا يمثل «الوعد المنتظر» لتنظيم «داعش» وينزل على التنظيم برداً وسلاما، حيث أن التنظيم يريد توسيع الهوة بين المسلمين والمجتمعات الغربية، عبر تصعيد اليمين المتطرف وتعزيز وجوده، ويحاول أن يدفع الغربيين لاستهداف المسلمين واستعدائهم، حتى يجد مبرراً لشن الحرب على هذه المجتمعات الغربية، والأهم من ذلك أنه يجد في ذلك البيئة الخصبة والمناسبة لتجنيد مزيد من الانتحاريين والغاضبين واليائسين والمحبطين في صفوفه، ممن يريدون «الانتقام لدماء المسلمين»، وهكذا تظل دائرة الدم مفتوحة! وهذه هي استراتيجية «داعش» التي تقوم على الاستفادة من الأغبياء والمحبطين وتحويلهم الى وقود للمعركة.
خلاصة القول، إن العملية الأخيرة التي استهدفت مسلمين في لندن تشكل جرس إنذار بأن موجة الارهاب التي يشهدها العالم منذ سنوات بدأت تتطور وتتوسع، وربما نشهد جيلاً جديداً من التطرف وغياب العقل في الأيام المقبلة، ما لم يتم التحرك فوراً للتعامل مع هذه الجريمة ومكافحتها كغيرها من جرائم الارهاب الأعمى التي تستهدف الأبرياء.
مكافحة الارهاب تتطلب توعية لعوام الناس وترويجا للاعتدال والتعايش وقبول الآخر، ومحاربة التعامل مع الناس على أساس الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق، لأن التعامل مع الناس بالجملة لا يمكن أن يكون صحيحاً.
كاتب فلسطيني

التطرف يتغذى على الأغبياء

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية