توشك دوائر القرار وصناعته داخل الغرفة الضيقة بقصر المرادية، أن تنتقل من حالة جس النبض، بخصوص مرشحها إلى حالة الإعلان الرسمي، عنه، إذ صار اسم الجنرال الهامل يتعالى من مستويات التلميع والتلميح في مشاهد الحراك السياسي والإعلامي بالبلاد منذ فترة ليست بالقصيرة، ما أعطى للرائين والمتتبعين للشأن السياسي الجزائر، في بؤرة أزمته الأزلية وهي الصعود القيصري للهرم، أن الصراع الداخلي بين مختلف دوائر الترشيح يكون قد حسم بشكل أو بآخر للجنرال قائد الشرطة الجزائرية ليكون رئيسا للجزائر، هذا الحدث إن حصل فعلا فسيطرح أكثر من علامة استفهام حول الدأب القديم، في تقديم المرشح لمنصب القائد والقاضي الأول للبلاد من خارج المشهد السياسي للبلاد.
فمنذ أطاح العسكري بالسياسي في ردة تاريخية عن توصيات مؤتمر الصومام قبيل الاستقلال، أنتج المسخ النخبوي الحاكم في الجزائر أداة شاذة عن أدواة إنتاج السلطة في تاريخ البشرية، أبرز ما في شذوذها أنها تنتدب بالانتخاب هرم السلطة وتنتخب بالانتداب المجالس النيابية التي تعينها على استكمال المسرح الوصائي على الشعب، ولا يهم أن يكون مرشحها عسكريا أو مدنيا قدر اهتمامها أن يكون من خارج دائرة التفاعل الحاصل في راهن المسرح السياسي للبلاد، بمعنى أن لا يكون معبرا عن اللحظة الوطنية بكل آلامها وآمالها.
وفي هذا السياق التاريخي المتواصل من العثرات الفوقية لتحديث الدولة وإلحاقها بنظم إنتاج السلطة السليمة، يمكن قراءة ما يُشار إلى أنه حسم داخلي بخصوص قادم الهرم في بنية غريبة الأضلاع للسلطة بالجزائر، فحملة هذا المسعى الجديد القديم، يريدون من ورائه ضمان بقاء تجربة التعددية في الجزائر ذات ربع القرن من عمرها، أبعد من أن تنطرح كبديل لأسلوبية الأولين في الحكم للوصول وممارسة السلطة، بمعنى أن تلك التجربة التعددية بما فيها من سلبيات وإيجابيات ستظل بتراثها ومخلفاتها في الأرشيفات المهملة، بحسبانها فشلا للعقل السياسي الوطني، مثلما تم إفشال مشروع مؤتمر الصومام القائم على الأولويتين، السياسي على العسكري، والداخل على الخارج.
وتقوم أداة الدعاية لمشروع الجماعة المنتجة لهرم السلطة على طمس كل منابع الإلهام السياسي التي تتفجر في كل مساحات ساحتنا السياسية، من خلال التجارب الوطنية المتوالية، يمكن ذكر حزمة عنوانيها من ربيع الأمازيغ، إلى أحداث أكتوبر 1988، إضراب الإسلاميين السياسي، وقف المسار الانتخابي وصولا إلى المأساة الوطنية وفشل ما بعد توقيف المسار الانتخابي، عبر استقالة ليامين زروال التي أكدت على استحالة استمرار الضمير المستتر للسلطة في الجزائر، وهو الضمير الذي يبدو أنه سيتواصل، لكن برأس واحد بعدما ظل برأسين يستحوذ على مقاليد الحكم منتجا بطالة سياسية فظيعة، بعدما دفع المجتمع بعديد الأجيال إلى السوق السياسة المغلق أو المحكم الإغلاق، فانهارت النخب بفعل الكساد، ما تسبب في انهيار قيم تلكم السوق عبر مستويات ونماذج عدة، منها الانشقاقات عن مراكز العمل السياسي أي الأحزاب، التزلف أو ما يعرف في الخطاب السياسي الجزائري بـ»الشيتة»، وهي كلها أساليب انتهازية وصولية حطمت حلم الشعب في تغيير السلطة بالسياسة، وأبقت على كابوس تغير السياسة بالسلطة!
فإلى غاية هذه اللحظة من راهن المجتمع الجزائري لم تدرج أحداث أكتوبر بوصفها معلما تاريخيا أسس لتحول في الوعي الوطني، رغم الوأد الذي تلا مساراته البَعدية، فرغم حضوره في الذاكرة السياسية للبلاد، إلا أنه لا يحظى بما يستحق من قيمة في الخطاب السياسي والتاريخي الوطني، بسبب استمرار الوصاية على الوعي والذاكرة الوطنيتين، فحتى ما يسمى بالمذكرات «الذكريات» التي كتبها بعض المسؤولين السياسيين الرسميين منهم وغير الرسميين عن تلك الأحداث، أردوا من خلالها تهوين قيمتها التاريخية بغرض تفادي مساعي الكثيرين لترسيخها في الوعي الوطني باعتبارها نوفمبر جديدا يستهدف تقويض معالم الاستبداد وتحرير الوعي الوطني، حتى أنهم عملوا على لعبة القواميس وحرصوا على أن تذكر الذكرى في حال تواصل ذكرها، بلفظ «الأحداث» وليس بمصطلح «الانتفاضة الشبانية» من هنا يتضح فداحة خسارة النخب.
وهكذا دأبت دائرة «الضمير المستتر» للحكم في الجزائر، تقفز على منتج وعي التجربة السياسية بما يجنبها الانكشاف وفقدان زمام التحكم في قيادة المجتمع، عبر انفراد أجيالها بـ»انتجاب» وليس انتخاب أو انتداب رؤساء ليسوا نتاج اللحظة السياسية للبلاد، فالمجيء ببوضياف كان إشارة من تلكم الدائرة بعدم الاعتراف بالفعال السياسي الذي أفرزته التعددية السياسية الفتية وقتذاك، موقف مضمر ومدمر لكل تأمل في انبساط حلم التغيير على الواقع، فالارتكاس إلى تاريخ الثورة عبر شخص أحد مفجريها، محمد بوضياف، لم يكن حنينا ثوريا للوطن ولا استعادة لبقايا دولة تمرد عليها وعي شباني متدفق من عيون مراحل نضالية خارج بوتقة الخطاب السياسي الأحادي البائد، بل كان تصريحا بالتلميح أنه لا مكان لمنتج التعددية في سلطة التغيير وتغيير السلطة.
بعد كل الذي نتج عن بادرة توقيف المسار الانتخابي من انهيارات متتالية على الصُعد الأخلاقية والاقتصادية، كان لا بد من التغيير داخل الثبات فتم اللجوء إلى شخصية أخرى من دون رصيد سياسي قاطعة مع مفعّل اللحظة السياسية التعددية، هو ليامين زروال الذي ظهر أضعف من أن يكون رجل المرحلة، لم يكن يدري عنوانها، لافتقاره لشرعية وشرطية اللحظة ولتكوينه غير السياسي، فانهار أمام مقتضيات ومبتغيات دائرة «الضمير المستتر» فرمى المنشفة، في خطوة جريئة لم تلقى ما تستحق من النظر، نظرا للمصادرة المتواصلة للوعي والوصايا القائمة على أدواته من إعلام واستعمال متسمر ومتواصل لنخب مستعملة ومستهلكة اعلاميا وفكريا وثقافيا وسياسيا، ولا تزال كذلك.
بوتفليقة ذاته تم جلبه من الأقاصي والمقصيات السياسية في الجزائر، وأوكلت له مقاليد السلطة، واتضح في ما بعد أنه لم يكن يؤمن لا بفترة التعددية ولا الأحادية بل كان سابحا بأحلامه في خيال المُلك المطلق، فتلاشت معالم الدولة فعليا في عهده وصار الفساد عنوانا لأزمة وطنية جديدة حملت عنوان مرحلته، ذلك لأنه لم يَقدم إلى الحكم من داخل شركاء اللعبة السياسية، فحتى المصالحة التي صاغ قانونها ورسم خطتها، والتي اتضح فيما بعد أنها كانت الأساس الاختياري الذي جيء به من أجلها، لم تزد على أن تكون بهرجة سياسية من النوع الذي يخدم الزعيم ويخذل الوطن لا غير، فتم تفويت فرصة أخرى على البلاد لتضع نفسها على السكة البداية الحقيقة نحو البناء.
إن اعتياد متقصد ومقتصد كهذا في اختيار الزعيم الأوحد للبلاد يفسر لنا سبب بقاء الأزمات السياسية والمجتمعية دونما حل في تاريخ الوطن المستقل، فانتداب شخصية من غير واقع المخاضات والتجاذبات السياسية هو الذي عسر من عملية حلحلة كل الإشكالات المترسبة عن الخلافات السياسية القديمة منها والجديدة، فكيف سيحل أزمة عنصر من غير فاعليها أو مفتعليها حتى؟ وحين أراد الشاذلي مثالا باعتباره من فاعلي الازمة ومفتعليها في الوقت نفسه، أن يخرج عن نطاق الوصاية بعد ظهور نتائج انتخابات 1992 أجبر على الاستقالة، وجيء ببوضياف، وعليه يظل حتما على بقايا مجتمع السياسة وطلائع التغيير الحقيقي أن تستهدف بالنسف هكذا منظومة حكم مركبة من خليط في الضمائر، المستتر منها والمعلن، بما يتيح للسياسة أن تتحرر من قيود القوة السالبة ومعها يتحرر الوطن من ارتهانات المصالح الضيقة والتبعية للنفوذ الخارجي والداخلي معا والمدعوم بشتى أشكال القوة.
كاتب وصحافي جزائري
بشير عمري