تتضمّن البيانات الرسمية في إحدى الدول العربية (وربما في غيرها أيضا) لفظة (إعمام) بدلا من (تعميم). وكان لا بد أن تتدحرج اللفظة إلى كتب وبحوث وصحف.
أتناول الموضوع هنا بدءا من الجذر اللغوي وانتقالا إلى صيغة الاشتقاق.
الجذر (ع م م) تتجمع فيه عدة معان: الاستطالة والشمول والعلوّ. ونلحظ هذه المعاني في (التعميم) بصيغة (تفعيل) الدالة على المبالغة. ولم نلحظ في فصيح اللغة اشتقاق (إفعال) من (ع م م). ولقد رأيت العرب قد استعملوا (التعميم) في مقابل التخصيص و(العامّ) في مقابل (الخاصّ) و(العامّة) في مقابل (الخاصّة) و(العموم) في مقابل (الخصوص). وعلى فرض وجود لفظة (الإعمام)، مما لم أطلع عليه، فالحق أن (التعميم) أكثر فصاحة من (الإعمام). وثمة عديد من الشواهد التي تثبت ذلك. ولكن نظرا لحجم المقال أكتفي ببعضٍ منها:
1- صيغة (تفعيل) أكثر عمقا وشمولا واستطالة من صيغة (إفعال) فحين تقول لصاحبك: لقد أكرمت فلانا إكراما، فأنت تعني أنك دعوته إلى وليمة عشاء أو سلمته خمسة دولارات أو عشرة دنانير، مثلا. ولا يجدر بك أن تقول: أقمنا حفل إكرام للأدباء والشعراء، بل تقول: حفل تكريم. فإن قلت حفل إكرام، فقد انتقصت من قيمة أولئك الأدباء والشعراء (المنتقصة قيمتهم أصلا وفرعا، فرادىً وجمعا).
2- يبدو أنهم قاسوا اشتقاق (الإعمام) على غرار (الإعلام) و(الإعلان) ولكنّ هــــذين يوجَّهان إلى بعض الناس، ولا يحملان إرادة الفرض والإلزام. فهما يقدمان لك خبرا ما على أمل أن تعلم به.
والإعلام والإعلان يتقاربان، ولكن الأول أكثر انغلاقا. بسبب أن الميم أقل انفتاحا من النون، حتى في النطق. أي إنه يهدف إلى تأثير أعمق من مجرد الإعلان عن الشيء.
أمّا التعميم، فمثل (التعليم) من حيث الشمول والتأثر، متضمنا معنى العموم، أي عموم الناس. فحين نقول: شكرا لتعميم هذه الفكرة، مثلا، فنقصد هذا المعنى، إذ نأمل أن يكون للفكرة نشر أوسع وتأثير أكبر.
3- وإذا صح أن نشتق من (علم) (أعلم – ثم الإعلام) فلا يصح القياس على هذا فنشتق من (عمم) (الإعمام) لأنه لم يرد (أعمم) مشتقا من (ع م م) كي يقال (إعمام). ذلك أن الذوق اللغوي العربي يميل دائما إلى (موسقة) اللفظ، لذا ظهرت لفظة (اعتمّ) الهمزة الأولى لا تلفظ، والعين ساكنة، والميم مشددة، بمعنى: لبس عمامته، كما في قولك: اعتمّ فلان اعتماما.
فإذا استعملت (علّم) بتشديد اللام فيأتي منه (تعليم) علّمته تعليما. وهذا أعمق من (أعلمني فلان، إعلاما).
ومثله (عمّم) يأتي منه (تعميم) أي جعل الخبر – مثلا – عاما، ويغطي الناس فكأنه يتلبسهم وكأنهم يتلبّسونه، في مقابل (تخصيص) التي تجعل الخبر (خاصّا). إن الإصرار على (إعمام) من (ع م م) تجاوزٌ للأصول اللغوية وسيكون لأي امرئ الحق في أن يقول (إخصاصا) من (خ ص ص) و(إهماما) من (هـ م م). وإذا رفضنا الأصول اللغوية، فقد حكمنا على لغتنا بالضياع، مما ذكرنا بالمرحوم أبي نواس (لقد ضاع شعري على بابكم).
4- انتقل معي إلى لفظ قريب هو (غ م م) ومنه الغمّ أبعده الله عنكم وعنا. ومنه (الغيم) ويختلف عن السحاب، لأنه يعني التغطية التامة للسماء، وكل شيء مستور بغطاء محكم. ومنه نقول (تغيّمت السماء، وغيّمت تغييما وتغيّما) ولا نقول إغماما ولا إغياما. والتغييم والتعميم يشتركان في صفة الشمول والتغطية، فكما يغطي الغيم السماء تماما، كذلك التعميم يغطي (عموم) المقصودين بالتعميم.
5- ما سُمّيت العمامة عمامة إلا لأنها مرتفعة فهي توضع فوق الرأس. والمشهور في فعلها (الاعتمام) وليس التعميم. ولا بد أن تغطي الرأس لا أن تُرفع فوقه بمسطرة أو عصا. والتعميم يراد منه أن يتلبسه المقصودون به تماما، كما كانوا يفعلون مع عمائمهم.
وأخيرا، فبدلا من الإغراب باستعمال (إعمام) بدل (تعميم) – وهو إغرابٌ لا مسوّغ له – يجدر التفكير بالتنمية اللغوية المؤسسة على الأصول السليمة.
٭ باحث عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي