محمد علان مضرب عن الطعام منذ أكثر من ستين يوما. وضعه الصحي ساء جدا، وموضوع التغذية القسرية قسم الرأي العام في إسرائيل. الهستدروت الطبية اتخذت موقفا واضحا يستند إلى اخلاقيتها المهنية وقانون حقوق المريض، حينما قالت إنه حسب قوانين الاخلاق الدولية فان التغذية القسرية تعتبر تعذيبا. وقالت بشكل واضح إن على الاطباء عدم المشاركة في ذلك. في المقابل تسمع اصوات كثيرة من جميع شرائح المجتمع تطالب بشدة أن يقوم الاطباء بالتغذية القسرية بسبب قداسة الحياة واستنادا إلى القسم الطبي.
يصعب فهم الخلاف حول هذا الموضوع. لأن القانون يحدد بشكل حاسم أن «من حق المعالج اعطاء العلاج عند معارضة المريض، لكن بشرط أن يوافق المريض بعد ذلك على أخذ العلاج» (البند 15 من قانون حقوق المريض من 1996). الشخص الذي يضرب عن الطعام أكثر من شهرين، وصمد أمام كل محاولات الاقناع لوقف اضرابه، بيقين لن يكون ضمن هذا المعيار. من هذه الناحية، فان تعديل قانون التغذية القسرية مؤخرا في الكنيست سيتم النظر فيه في المحكمة العليا. لكن الموضوع هنا هو البعد الطبي وليس القانوني.
هل التغذية القسرية هي نوع من التعذيب؟ حسب مواثيق دولية كثيرة، وقعت عليها الهستدروت الطبية، لا شك في ذلك. ايضا بدون الاساس القانوني الصلب: عدد قليل شاهد عن قرب إدخال أنبوب إلى معدة مريض بخلاف رغبته؛ أو حقنة في الوريد؛ وعدد قليل شاهد كيف يقاوم المريض ذلك، التلوي في سريره والصراخ ومقاومة الطاقم الطبي إلى أن يتم اخضاعه وتكبيله وتنفيذ ما يريدون. فقط من لم يكن شاهد عملا كهذا يمكنه تجاهل حقيقة أنه يدوس على كرامة الانسان.
لم يكن قانون حقوق المريض موجودا دائما، بالشكل الذي يمنع افعال كهذه. أذكر جيدا افعالا مشابهة بحق المريضات، حيث كنت مشاركا في بعض الحالات قبل 20 ـ 30 عاما، عندما كنا نكتشف في غرف الولادة وضع طواريء يهدد حياة أو سلامة الأم أو الجنين. وعندما كانت الأم ترفض العملية القيصرية، حيث كان الاجراء المتبع هو الحصول على الموافقة الهاتفية من القاضي المناوب، عندها كان يتم تخذيرها قسريا واجراء العملية. حتى الآن أذكر الصراخ والمقاومة الجسدية بين الوالدات والطاقم الطبي، وتكبيل الوالدة وتخديرها بالقوة. هذه صورة صعبة من التعذيب والمس باحترام المرأة. والحق يُقال، إننا لم نعرف طريقة اخرى، واعتقدنا أننا نفعل الافضل وأن كل العملية قصيرة نسبيا ـ إلى أن يتم تخدير الوالدة. التغذية القسرية في المقابل من شأنها أن تكون عملا أخطر لأنها عمل متكرر.
سؤال آخر: هل يجب على الطبيب أو أي شخص آخر منع شخص من القيام بشيء يهدد حياته؟ بشكل عام، نعم. ولكن ليس دائما ولا بأي ثمن. وبيقين من خلال الحفاظ على احترام المريض واستقلاليته. اعضاء «شهود يهوه» يرفضون الحصول على وحدات الدم. وقد واجهني الكثير من هؤلاء خلال اربعين سنة من عملي كطبيب نسائي. المرأة تصل إلى غرفة الولادة مع وثيقة قانونية تقول إنه لا يجب اعطاءها وحدة دم بأي شكل من الاشكال حتى لانقاذ حياتها وحتى لو فقدت وعيها.
تحدثت مع اعضاء في «شهود يهوه» وقالوا لي إنه لا معنى للحياة إذا تم انقاذهم بواسطة الدم ومشتقاته. مثل اليهود الذين ماتوا في سبيل الله ولا يرون معنى للحياة إذا كانت عن طريق الكفر (مثل أكل لحم الخنزير).
هناك أمثلة كثيرة في التاريخ لأفراد أو لشعوب فضلوا الموت على الحياة كعبيد. الكثيرون فضلوا الموت وعدم الحياة إذا كان استمرارها يعني القيام بعمل بشع ضد شخص آخر، واحيانا يكون أحد الاقرباء؛ جنود تطوعوا لمهمات كان احتمال العودة منها ضعيفا جدا.
وهناك امثلة أقل بساطة: شخص سيمر بعملية لتصغير المعدة أو التبرع بكلية، يهدد حياته عن معرفة ولا أحد يعتقد أن من واجبه منع هذا بالقوة. يبدو أن السؤال ليس الحاجة للحفاظ على حياة الانسان بأي ثمن، بل هل يمكن رؤية احترام الانسان كمبدأ سامي يفوق المباديء الاخرى.
بهذه الروح تمت صياغة اخلاقية المهنة في الهستدروت الطبية، التي تطالب الاطباء بالحفاظ على استقلالية المريض، الامر الذي يعني «حق المريض في رفض اقتراح اطباءه دون أن يفرضوا عليه رأيهم». ليس هناك ذكر في أخلاقيات المهنة أنه يجب الحفاظ على حياة انسان بأي ثمن. هذا يربطنا بقسم الاطباء الذي يستند اليه من يطلبون في الوقت الحالي من الاطباء انقاذ حياة محمد علان، بشكل قسري.
أتساءل كم من هؤلاء الذين يُذكرون الاطباء بالقسم ويعتمدون عليه في مطالبتهم بالتغذية القسرية، قد قرأوا قسم الطبيب بصيغته الأصلية لهيبوقراتس اليوناني قبل 2500 سنة، حيث يتم وصف واجب الطبيب أن يهتم بالمريض وابناء عائلته، والامتناع عن العلاقة الجنسية مع المرضى وعائلاتهم، وعدم المساعدة في الاجهاض وغيرها. ليس هناك ذكر أن الطبيب يجب عليه انقاذ الحياة بأي ثمن.
عدد من الاسئلة تطرح نفسها: لماذا يضرب علان عن الطعام، وما الذي يجب حدوثه ليتوقف، قد يكون الثمن الذي يطلبه مقابل وقف الاضراب معقولا مقارنة مع المس بحقوق الانسان والطلب من اطباء إسرائيل العمل بخلاف ضميرهم وبخلاف الاخلاق الدولية؟ لقد امتنعت عن وعي عن تناول المسائل السياسية في هذا المقال، لكني أريد التذكير أن علان لم يحاكم أبدا ولم يُدان. فهو معتقل اداري بدون محاكمة. وحسب معرفتي فان طلبه الوحيد هو التحرر من الاعتقال الاداري. وهو يضرب عن الطعام من اجل حريته.
اذا كان علان يضرب عن الطعام في بيته وليس في السجن الإسرائيلي ـ من اجل اطلاق سراح معتقل اداري آخر، فهل كان أحد سيهتم بذلك؟ هل كان هذا سيصل إلى وسائل الإعلام؟ هل كان هذا سيتحول إلى نقاش حول الاخلاق الطبية؟ هل كان أحد سيطلب تغذيته قسرا؟ هل كان أحد سيطلب السفر إلى بيته ومداهمة بيته بالقوة وتغذيته قسريا؟.
يجب أن يكون واضحا أن جوهر الامر سياسي، فهم يحاولون حل مشكلة من خلال نقاش أخلاقي. من الواضح أن موت علان سيلحق ضررا سياسيا بإسرائيل، وقد يكون ثمنه حياة اشخاص آخرين بسبب المظاهرات التي ستندلع في المناطق. يتبين أن إسرائيل الرسمية لا تريد ذلك، لكنها غير مستعدة للموافقة على اطلاق سراح مضرب عن الطعام من الاعتقال الاداري، وفضلت سن قانون جديد يناقض الاخلاق الدولية والتشكيك بالاطباء الذين يرفضون المشاركة في التعذيب والعمل بخلاف ضميرهم. وكأن إسرائيل لم تطلق سراح آلاف المعتقلين ومنهم قتلة، بخلاف علان الذي لم تتم محاكمته.
المشكلة السياسية تحل بالوسائل السياسية وليس من خلال الدوس على القيم الاخلاقية المهمة التي هي الاساس الاخلاقي لمهنة الطب. لهذا أشكر من اعماق قلبي المنظمة المهنية التي انتمي اليها وهي هستدروت الاطباء في إسرائيل والدكتور ليونيد ادلمان الشجاع الذي يترأسها. نحن الاطباء على الاقل لدينا اجابات واضحة.
هآرتس 21/8/2015
مارك غلزرمان