لولا غار بيرغر، رئيس قسم الشؤون الفلسطينية في «كان» لما كنا سنعرف عن تغريدة موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، فقد اتضح، هكذا يقول بيرغر، أن الوصول إلى «تويتر» أبو مرزوق تم حظره في إسرائيل، ليس ـ لا سمح الله ـ لأن الأمر يتعلق بأقوال تحرض على الكراهية، ذلك أن مثل هذه الأقوال يمكن أن نجدها هنا بكثرة ـ يكفي أن تسمع مقابلة مع بتسلئيل سموتريتش ـ بل لأنهم في إسرائيل يخشون من التغييرات التي تجري في مواقف حماس، ومن أن الإسرائيليين سيكتشفون أن هناك حقيقة أخرى، ولهذا كم هو جميل ولطيف البقاء في مغارة أفلاطون حيث الظلال تعدّ حقيقية.
هكذا فإن المادة المحرضة على الكراهية التي تم كشفها لدى أبو مرزوق بفضل غال بيرغر تقول: حماس تريد دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وهي معنية بمصالحة داخلية فلسطينية على قاعدة الوحدة والشراكة السياسية وطرد الاحتلال، وهي تطمح إلى رفع الحصار عن قطاع غزة وبلورة خطة تحل مشكلاته، كما أنها ترفض الفصل بين القطاع والضفة وبين ما يسمى بـ «الصفقة النهائية التي يقترحها ترامب». أبو مرزوق يكتب باللغة العربية للآذان العربية، وفي إسرائيل، حتى دون أن يفهموا العربية، يصمون آذانهم، وعندما يسمعون يصيبهم عدم قدرة على فهم المسموع. إليكم، قبل فترة ما، أعلنت شخصية كبيرة في حماس أن أكثر من (60) في المئة من القتلى الفلسطينيين في التظاهرات قرب الجدار كانوا من نشطاء حماس، وبدل أن يسجل هذا الأمر لصالح حماس إذا كان هذا صحيحًا، فإن حماس تضحي بأبنائها وليس بمواطنين فلسطينيين عاديين، كما تزعم إسرائيل، سارعت إسرائيل للانقضاض على هذه الأقوال باعتبارها دليلا على أن قتل المتظاهرين كان مبررًا، لكونهم في الحقيقة «إرهابيين» من حماس.
ثانيًا، إذا كانت هذه الحقيقة بالنسبة لعدد القتلى صحيحة، فإن حماس وبصورة مخالفة تمامًا لمواقفها ستترك بشكل مؤقت على الأقل نظرية الكفاح المسلح. وإذا أضيف إلى ذلك البرنامج السياسي الذي صادقت عليه حماس قبل سنة تحت قيادة رئيس المكتب السياسي الجديد للمنظمة، والذي يقول إنها توافق على مبدأ الدولتين وتؤيد إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967م، حينئذ يبدو أننا نقف أمام عهد جديد: هاتان المنظمتان الرئيسيتان في قيادة الشعب الفلسطيني، فتح وحماس، مستعدتان لتنازلات مؤلمة.
كان يمكننا توقع أن هذا التطور في حماس سيرحب به هنا؛ ذلك أن العدو يغير استراتيجيته ويتبنى أسلوب النضال المدني، ولكنهم في إسرائيل، خبراء في قتل كل سنونو يبشر بالأمل. الحمامة البيضاء أيضًا تظهر هنا مثل شيطان يجب تصفيته فورًا، وإذا تعمقتم أكثر فثمة احتمال كبير لأن تكتشفوا أن القيادة في إسرائيل تفضل صواريخ القسام على التظاهرات في منطقة غلاف غزة. القذائف أفضل من «الإرهاب الدبلوماسي»، الانتحاريون أفضل من الـ بي.دي.اس.
هكذا، هذه المشكلة عمرها مئة سنة، القيادة الإسرائيلية تبحث عن عذر وليس عن حل، تبحث عن ذريعة وليس عن خطة للسلام. وإذا تمكنت الأعذار، فإن شتيمة طفل فلسطيني لإسرائيل ستشكل دليلاً على النوايا الحاقدة للفلسطينيين، وإذا لم يكن هذا الطفل موجودًا في المحيط فهناك مصادر استخبارية مجهولة الاسم ستخبركم عن المؤامرات الظلامية التي تنسج في أعماق قلوب الفلسطينيين الذين يظهرون لك، أيها اليساري الساذج، وكأنهم يريدون السلام.
النوع نفسه من المعلومات السرية يحلق الآن فوق سماء غزة، ومصادر استخبارية هنا تزعم بشكل جدي جدًا أن التظاهرات على الجدار هي «غطاء لإقتحام جماهيري لإسرائيل من أجل تنفيذ مذبحة ضد المواطنين الإسرائيليين». وفي الوقت نفسه، تكشف المصادر أن «حماس سمحت للجميع بالوصول إلى الصف الأول مزودين بكاميرات فيديو وإنترنت لاسلكي بالمجان». يبدو أن الكاميرات أعطيت من أجل أن يستطيعوا تصوير المذبحة التي سينفذونها ضد اليهود، وأن ينقلوا الصور ببث مباشر، حتى الخيال الشرقي الخصب يتقزم أمام عظمة خيال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي.
هآرتس 9/7/2018م