التغييرات في إدارة ترامب وانعكاسها على العلاقات مع أوروبا

دونالد ترامب يصرخ وهو يشير بسبابته «أنت مطرود» ربما كان هذا المشهد هو الأكثر شهرة للرئيس ترامب قبل فوزه في انتخابات الرئاسة الأمريكية في برنامجه الشهير «المتدرب» وهو برنامج تلفزيون واقع بثته شبكة «إن بي سي» محوره رجل الأعمال دونالد ترامب الذي يلعب دور المدير الذي يجري مقابلات عمل مع مجموعة من الراغبين في التوظيف، ثم يتم إقصاؤهم واحداً تلو الآخر، ويحصل الفائز على منصب أحلامه مع مرتب خيالي. المحللون تذكروا هذا المشهد بعد مرور سنة على وجود الرئيس الجديد في البيت الأبيض نتيجة العدد الكبير الذين تم إقالتهم من إدارة ترامب، إذ ذكر تقرير صدر في كانون الأول/ديسمبر الماضي عن معهد «بروكينغز» الأمريكي للأبحاث في واشنطن أن 34 في المئة من كبار المسؤولين استقالوا من مناصبهم في حكومة ترامب منذ تأسيسها قبل نحو عام.
وحسب التقرير، كانت إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان هي صاحبة الرقم القياسي في عدد التغييرات في عامها الأول، إذ شهدت مغادرة 17في المئة من كبار مساعديه، في سنة 1981 وهذا أقل مرتين من عدد الاستقالات في إدارة الرئيس الحالي. وقد علقت كاثرين دان تمباس الخبيرة في معهد «بروكينغز» المختصة في مراقبة التغيرات في كوادر الحكومة الأمريكية على هذه الظاهرة بقولها «هذا أمر غير متوقع بالنسبة لي شخصيا، لأن العام الأول، كالعادة، يشهد بعض الأخطاء في اختيار الكوادر في الإدارة الجديدة، نظرا لأن المهارات التي تنجح في الحملات الانتخابية لا تتناسب دائما مع تلك التي تعد ضرورية في إدارة الحكومة، لكن هذه المرة هناك رئيس لا يتمتع بأي خبرة في الحكم، كما لا يتمتع بها الأشخاص في محيطه، لذا ليس من المفاجئ أن هذا المعدل أعلى من مستواه العادي، لكن المفاجئ في الأمر هو ارتفاعه بدرجة لا تصدق مثل هذه». بالإضافة إلى ذلك وجد ترامب صعوبة في تشكيل حكومته وانتظار موافقة الكونغرس على تعيين بعض الوزراء، كما أنه لم يتمكن حتى الآن من تعيين سفراء في عدد من الدول، خلفا لآخرين تم إعفاؤهم من مناصبهم أو استقالوا، لأسباب مختلفة.

السياسة الأمريكية في أوروبا

من الصعب التكهن بالتغيرات المحتملة في موقف الإدارة الأمريكية في الساحة الأوروبية، وذلك نتيجة التخبط الواضح في مواقف ترامب المتباينة إزاء العديد من القضايا في الساحة الأوروبية التي تؤثر على النظام العالمي، كحلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، والعلاقات مع روسيا، واحتمالية الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. فمن المواقف المبكرة التي اتخذها ترامب حتى قبل تسنمه منصب الرئيس، كان دعمه الواضح لتيار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما عرف بـ «بريكست» ويبدو ان مقولة الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول «أن بريطانيا أقرب إلى الولايات المتحدة من أوروبا» هي السائدة حالياً في أروقة السياسة البريطانية وبشكل خاص مع تداعيات «بريكست» حيث التركيز بات محسوما على تقوية العلاقات مع واشنطن لسد الفجوة السياسية التي ستنشأ نتيجة ترك الاتحاد الأوروبي.
لكن من جانب آخر أشار بعض المراقبين إلى أهمية تقرير لجنة العلاقات الدولية في مجلس اللوردات البريطاني، الصادر في 2 أيار/مايو 2017 الذي أكد أن لندن لم تعد تستطيع الاعتماد على زعامة الولايات المتحدة بشأن السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط، وأن عليها العمل عن كثب مع أوروبا لضمان الحفاظ على الاتفاق النووي المبرم مع إيران، فضلاً عن سياسات أخرى. ووصفت اللجنة، التي عكفت على دراسة أوضاع الشرق الأوسط لستة أشهر، السياسة الخارجية لإدارة ترامب بأنها «غير متوقعة» و«هدامة» وحثت على «سحب دعم بريطانيا لسياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط». لكن هذا الأمر لم يزعزع دعم إدارة ترامب لحكومة تريزا ماي في أزمتها الأخيرة مع روسيا التي اشتعلت بسبب محاولة اغتيال العميل الروسي سكريبال في لندن، حيث اقدمت إدارة ترامب على طرد 60 دبلوماسيا روسيا من واشنطن ووصفتهم بالجواسيس في حملة تعد الأكبر منذ أيام الحرب الباردة.
وربما يعتبر البعض ان التغييرات التي أجراها ترامب في إدارته مؤخرا حول هذه الإدارة إلى ما يعرف بـ «إدارة حرب». فاخراج ريكس تيلرسون من وزارة الخارجية وابداله برئيس الـ «CIA» مايك بومبيو، وتعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي وهو المعروف بكونه أحد صقور اليمين المولع بالقتال، قد قرأه المراقبون على انه استعداد لحرب باردة قادمة مع روسيا بوتين، كما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ووفقا لمصادر داخل البيت الأبيض، إن ترامب يستريح بصورة أكبر للعمل مع مايك بومبيو، والذي يراه من أكبر الموالين له داخل الإدارة الأمريكية، وقد رغب في تعيينه في منصب وزير الخارجية، قبل المحادثات المزمعة بينه وبين نظيره الكوري الشمالي.
كما تشهد العلاقات الأمريكية الألمانية توترات نتيجة مواقف ترامب في العديد من الملفات. فقد أوضح الرئيس الأمريكي أنه سيتبنى سياسة خارجية انعزالية، وحث دولا أخرى في حلف شمال الأطلسي على تحمل قسطها من المسؤولية في الحلف العسكري. فهل سيتيح هذا التراجع لدول أخرى مثل ألمانيا إمكانية لعب دور أكبر في المجتمع الدولي؟ هذا السؤال أجاب عنه خبير الشؤون السياسية الألماني زيبو يانسين بقوله «الولايات المتحدة الأمريكية أكدت دوما أنها تدعم التحالف الوثيق مع ألمانيا لأنها تحتاج ألمانيا كعامل استقرار في أوروبا وكذلك داخل الاتحاد الأوروبي. وحاليا مع مجيء ترامب لدينا في الحقيقة ما يمكن أن نصفه (بموقف انعزالي عنيف). ترامب يقول أشياء مثل (لا يهمني ما يحصل في باقي العالم. أنا يهمني فقط القضاء على داعش وما يحصل في الولايات المتحدة) والتحدي أمام ألمانيا الآن هو أن البلاد ستتولى دورا جديدا، ستصبح أكثر استقلالية وتتحمل دورا قياديا داخل الاتحاد الأوروبي والعالم الحر». أما في شأن الموقف من الاتفاق النووي الذي عقدته دول مجموعة (5+1) مع إيران واحتمال انسحاب الولايات المتحدة منه، فقد صرح وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل إلى الصحافة قائلا «يجب أن تتحد أوروبا بخصوص هذه القضية… يجب أن نقول للأمريكيين أيضا إن سلوكهم فيما يتعلق بالقضية الإيرانية سيدفعنا نحن الأوروبيين إلى اتخاذ موقف مشترك مع روسيا والصين ضد الولايات المتحدة».
ووجهت إدارة الرئيس الشاب ايمانويل ماكرون الذي وصل مؤخرا إلى قصر الإليزيه في باريس العديد من الانتقادات لقرارات ترامب في أكثر من موقف، مما يدل على توتر العلاقات الفرنسية الأمريكية في ظل إدارة ترامب أيضا، وقد وجهت إدارة ماكرون العديد من الانتقادات لمواقف ترامب من مواضيع مختلفة مثل الاتفاق النووي مع إيران واحتمالية انسحاب الولايات المتحدة منه، وموقف ترامب من تأجيج الصراعات في الشرق الأوسط وبشكل خاص موقفه من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس التي وصفها الرئيس ماكرون بقوله «إن قرار ترامب الأحادي مؤسف وفرنسا لا تؤيده» وأضاف في مؤتمر صحافي في الجزائر «هذا القرار مؤسف وفرنسا لا تؤيده ويتناقض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».
وربما يجب ان نتذكر اليوم بدقة ما قاله أدوارد لوكاس، كبير محرري «ايكونومست» عندما فاز دونالد ترامب في الانتخابات، حين أشار إلى ان «حقبة وجود ترامب في السلطة ستزعزع الأسس التي تقوم عليها الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه أوروبا منذ عام 1941. أوروبا ما تزال تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأمريكية، وخاصة في مجالات الردع النووي والقوة الجوية والمدرعات والخدمات اللوجستية وكذلك المعلومات الاستخبارية، أما اليوم، فستسارع دول القارة للبحث عن طرق لحماية نفسها، وسيندم البعض منها على التأخر في فعل ذلك بعد التحذيرات الأمريكية العديدة لها من مغبة عدم الإنفاق على الدفاع».

التغييرات في إدارة ترامب وانعكاسها على العلاقات مع أوروبا

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية