أقصد بـ«التفاوت الأكاديمي» اختلاف المرجعيات الأكاديمية بين الجامعات والكليات التي تعرفها البلاد العربية: فالكليات المتصلة بالثقافة العلمية مرجعيتها جديدة و»غربية».
أما كليات الآداب والعلوم الإنسانية، وكليات الشريعة والدين، فمرجعيتها قديمة أو حديثة و»عربية»، لذلك نجد طلاب الكليات والمدارس الأولى تغلب عليهم الثقافة العصرية الحديثة. أما طلاب كليات الآداب ونظيراتها، فتهيمن عليهم الثقافة القديمة والتقليدية. هذا التفاوت يجعل الطلاب العرب لا ينخرطون في البحث العلمي على قدم المساواة، ولا يشتركون على مستوى الهموم المعرفية والعلمية التي تهم بلدانهم. وينجم عن هذا التفاوت كون المجتمع الأكاديمي العربي يتحرك بسرعتين لا علاقة بينهما، ولذلك نجد إمكانات التواصل بين الأكاديميين، في مختلف الاختصاصات العلمية منعدمة تماما، فلا يعرف هؤلاء بما يشتغل أولئك، وكل في فلك يسبحون.
هذه الصورة العامة للتفاوت الأكاديمي الجامعي يمكن أن نراها بجلاء داخل الكلية الواحدة، حيث نجد الشُعب والأقسام تعرف التفاوت نفسه، فأقسام مثل الجغرافيا واللسانيات، داخل كليات الآداب، والاقتصاد، وفي كليات الحقوق، يرى أصحابها أنهم يشتغلون بالعلم. كما أن مَنْ في أقسام العلوم الاجتماعية والفلسفة، يعتبرون أنفسهم يهتمون بالفكر وبقضايا المجتمع، وأن أصحاب أقسام الأدب والدراسات الإسلامية بعيدون عن الاشتغال بالعلم أو خدمة المجتمع؟ بل حتى داخل أقسام الأدب، نجد الذين يدرسون الأدب والنقد الحديثين يعدون أنفسهم أكثر ارتباطا بالحداثة، بينما زملاؤهم داخل القسم نفسه، من المشتغلين بالأدب القديم أكثر اتصالا بالتقليد وبالثقافة القديمة.
من آثار هذا التفاوت الأكاديمي أننا نجد أنفسنا أمام عوالم وجزر يختط كل منها لنفسه المسار الذي يعنيه، غير آبه بما يحيط به من جزر وعوالم. فكل منها مستقل عن الآخر، ومنفصل عنه. وينعكس ذلك على المستوى الواقعي، حيث نجد التفاوت بين الأكاديميين والطلاب على مستوى التكوين والمعرفة، بل يتعدى ذلك إلى المفاضلة بين التخصصات، بحسب قربها من إحدى الثقافات ذات الحظوة (العلمية) أو اتصالها بثقافة أخرى تعتبر في منزلة دنيا (الإنسانيات).
نجد جذور التفاوت الأكاديمي العربي كامنة في التصور الذي حكم إنشاء الجامعات والكليات والمدارس العليا، حيث كان من أولويات التعليم العالي في مختلف الأقطار العربية، سواء تقدمت نشأتها أو تأخرت زمانيا، هو تكوين الأطر في مختلف القطاعات الحيوية والضرورية التي كانت في أمس الحاجة إلى أطر وطنية. ومع تحقق الاكتفاء أو شبهه، بشكل أو بآخر، كان من الضروري إعادة النظر في تصور دور الجامعة ووظيفتها في المجتمع بهدف تجاوز التفاوت الحاصل بين الكليات، ظلت دار لقمان على حالها إلى يومنا هذا. وجاءت فكرة إعطاء بعض صلاحيات التعليم العالي وآفاقه المستقبلية للقطاع الخاص، محاولة من المسؤولين فك الارتباط مع «الجامعة التقليدية»، وتأسيس بديل أكثر حداثة ومواكبة للعصر، فكان أن ازداد التفاوت الأكاديمي، ولم يبق مقتصرا على الثنائيات التقليدية، إذ أضيفت إليه ثنائية جديدة: عام وخاص، أو مجاني ومؤدى عنه.
إن تكريس التفاوت بتوليد ثنائيات جديدة، يضاعف من تكريس التفاوت بين التصورات الأكاديمية وطرق اشتغالها، كما أنه يضاعف من حدة المفاضلة بين التخصصات، حيث يعتبر بعضها أهم من بعض، فتكون نتائج ذلك واضحة في تكوين أكاديميين منفصلين عن بعضهم، ولا يجمعهم إلا الإطار العام (الجامعي) الذي ينخرطون في نطاقه.
إذا انطلقنا من التصور الذي يميز بين الثقافات الثلاث وجدنا أن الثقافة العلمية والتكنولوجية، في واد، والثقافة الإنسانية والاجتماعية والحقوقية، في واد ثان، والثقافة الأدبية والفنية في واد ثالث. ولم يقف الأمر في التفاوت بين هذه الثقافات الثلاث في العالم العربي عند حدود المحتوى المعرفي أو مرجعيته، بل تعداه إلى البعد اللغوي، حيث نجد الثقافة الأولى تُكرَّس لها اللغة الأجنبية، الإنكليزية في المشرق العربي، والفرنسية في المغرب العربي. وتشترك الثقافتان الثانية والثالثة في الاشتغال باللغة العربية، وإن كنا نلاحظ أن خلفية الثقافة الثانية أجنبية أكثر من الثقافة الثالثة. في ظل هذا التفاوت كيف يمكننا الحديث عن التعليم العالي العربي الذي يستجيب للضرورات التي يفرضها العصر الحديث؟
لا مراء في هذا أن هذا الواقع متخلف جدا. وبدون الارتقاء إلى مستلزمات تطوير الجامعة العربية، سيظل الواقع كما هو، بل لا يمكنه إلا أن يزداد تراجعا أمام التجديد الذي بات يفرض نفسه على الجامعات العالمية اليوم. ولعل المدخل الضروري لذلك يكمن في العمل على تجاوز هذا التفاوت على مستوى الرؤية والتصور. وبما أن كليات الآداب والعلوم الإنسانية في الوطن العربي ينظر إليها على أنها تنتمي إلى الثقافة الثالثة، وتوجه إليها أصابع الاتهام بأنها تقليدية، ولا ترتبط بالعصر، أو أن خريجيها لا علاقة لهم بسوق الشغل، وما شاكل ذلك من المغالطات الرائجة، تستدعي الضرورة إعادة النظر في واقع هذه الكليات، والعمل على إدماجها في تصور جديد للجامعة العربية.
إن تجديد كليات الآداب والعلوم الإنسانية في الوطن العربي يقع على كاهل أكاديميي هذه الكليات. فهم أولى الناس بالتفكير في واقع كلياتهم درءا لتكريس التفاوت الأكاديمي، وأملا في المواكبة الأكاديمية.
ناقد مغربي
سعيد يقطين